أكثر من عامين المدة الزمنية التي مرت على أزمة حادة نشبت بين الرجلين وقد ملأت أخبارها صفحات الجرائد في فلسطين والمنطقة, وبدا حينئذ أنها صراع بقاء بينهما نتيجته أن الأقوى سيأتي على كل طموح سياسي لخصمه حتى استطاع الرئيس محمود عباس أن يستصدر قرارا من اللجنة المركزية لحركة فتح بفصل محمد دحلان الذي كان يعرف بأنه الرجل القوي في الحركة.
ورغم اختفاء دحلان عن المشهد السياسي الفلسطيني مدة طويلة فإنه كان يعمل من وراء الستار مع الدول الخليجية خاصة الإمارات التي دعمته وعينته مستشارا أمنيا بعد "الربيع العربي" الذي هز أركان المنطقة ومنظومتها الأمنية، ما يفسر بصورة أو أخرى الأنباء التي تحدثت عن وجود وساطات إماراتية وأردنية للمصالحة بين عباس ودحلان.
ترميم العلاقات
مصادر فلسطينية تحدثت عن خلافات كبيرة ظهرت خلال العامين الماضيين وتوتر حاد بين قيادة السلطة الفلسطينية ودولة الإمارات، وذلك نتيجة التغطية الإعلامية المكثفة من وسائل إعلام الأخيرة للخلاف بين عباس ودحلان الذي يرى المراقبون له أن فصل دحلان لم يكن نهاية طموح الأخير السياسي, وأن الصراع له صلة بالمصالح الشخصية، فعباس كان يخشى طموحات دحلان الذي كان قد تجاوز الخطوط الحمر بحديثه المتواصل عن أبناء الرئيس ومشاريعهم المالية والاقتصادية.
وكان خبر فصل دحلان من اللجنة المركزية لفتح وإنهاء أي علاقة رسمية له بالحركة كالصاعقة خاصة على أنصاره ومؤيديه الذين كانوا يعلقون آمالا عريضة عليه.
ورغم أن المشهد الخارجي يظهر الأزمة شأنا فتحاويا داخليا وفلسطينيا بحتا فإن المتابع أبعادها يدرك أنها ذات بعد إقليمي وربما دولي, فهل ترى هذه "المصالحة" النور؟
وتوقع أستاذ العلوم السياسية في الجامعة الإسلامية د. هاني البسوس في هذا السياق أن تكون هناك وساطات جادة للمصالحة بين دحلان والرئيس عباس، "ذلك للمصالح المشتركة التي تجمعهما, فالأول يمثل قطبا مهما في السياسة الإقليمية خاصة أنه مدعوم من الإمارات ودول الخليج التي لها علاقات قوية مع عباس وتسعى إلى رأب الصدع بينهما".
المحلل السياسي حسن عبدو لم يستعبد بدوره أن يكون هناك وساطات عديدة تجري لإعادة العلاقات بين الرجلين, موضحا أنه رغم الخلافات الكثيرة التي بينهما وتجريد دحلان كل مهماته وصلاحياته في اللجنة المركزية لفتح فإنه "توجد مصالح مشتركة لإعادة العلاقات كما كانت في عهدها السابق".
دحلان الذي كان رجل أمريكا الأول في فلسطين وأحد أقطاب المنظومة الأمنية في منطقة الشرق الأوسط تسبب سقوطه إلى جانب النظام المصري السابق في تضعضع هذه المنظومة، فتظهر محاولات حثيثة لإعادة ترميمها اليوم بإعادته إلى صدارة المشهد الفلسطيني، وإعادة أتباع النظام المصري السابق كأحمد شفيق إلى صورة الأحداث هناك.
وهنا، اعتبر البسوس أن دول الخليج تسعى إلى ترميم المنظومة الأمنية السابقة العاملة في الشرق الأوسط بعد أن تعرضت إلى ضربة قوية بسقوط النظام المصري السابق الذي كان أحد أهم أقطابها, "لذلك فهي معنية بعودته قطبا سياسيا وأمنيا في محاولة لإعادة الأوضاع إلى ما كانت عليه قبل الربيع العربي".
وبين أنه توجد مخاوف أردنية وخليجية من وصول الربيع العربي، "لذلك دول الخليج والأردن تحاول تشبيك العلاقات وترميم المنظومة الأمنية"، لافتا إلى أن الأنظمة العربية لها علاقات قوية مع دحلان، "وتعول عليه للسيطرة على الأراضي الفلسطينية وضبط الأوضاع فيها ما يؤثر على المنطقة".
أما عبدو فيرى أنه ليس لدحلان دور كبير في المنطقة،" بل يتمركز دوره في الأراضي الفلسطينية, ولكن في حال جرت الانتخابات فستدعم الإمارات والأردن ومعظم دول الخليج اتجاه أن يكون هو الرئيس المقبل", موضحا أن نشاط دحلان على الصعيد الأمني لم يعد كبيرا كما كان في السابق.
خليفة عباس
رجل أمريكا الأول في السلطة الفلسطينية الذي كانت تجهزه الولايات المتحدة لقيادة السلطة خلفا لعباس خرج مذعورا من قطاع غزة بعد إخفاق المخطط الذي كان يعده للقضاء على المقاومة فيها خاصة حركة حماس، ولكن يبدو أن دول ما تسمى بـ"الاعتدال" لم تفقد الأمل بعد ولا تزال تسعى إلى جعله يدها الطويلة في الأراضي الفلسطينية، وهذا ما يفسر وجود وساطات في هذا التوقيت الذي يجري الحديث فيه عن انتخابات مقبلة.
وهنا، نوه البسوس إلى أن المنطقة معنية بأن يكون دحلان رجلها القادم الذي يقود السلطة والمنظمة وحركة فتح معا، "لأن عباس لن يترشح لولاية رئاسية أخرى".
وأوضح أنه تم ممارسة ضغوط وابتزاز السلطة ماليا حتى تقبل عودته، "خاصة في ظل الحديث عن انتخابات", مبينا أن الشعب الفلسطيني لن يقبل دحلان، "كما إن فتح ستشهد انقسامات كبيرة في هذا الصدد".
ورغم نفي حركة فتح الأنباء التي تحدثت عن قرب "مصالحة عباس-دحلان" فإن التوقعات تشير إلى أن الوساطات قد تجري مع قرب الحديث عن الانتخابات, وهذا ما أكده عبدو الذي بين أن الوساطات تأتي نتيجة الحديث عن إجراء انتخابات فلسطينية، "ما يستعدي وجود توافق داخل فتح للاتفاق على مرشحها خاصة أن عباس أعلن مرارا أنه لن يترشح لولاية ثانية".
وأكد أن المعلومات قليلة في هذا الاتجاه، "لكن الإمارات مارست ضغوطا على السلطة خاصة في الجانب المالي وذلك في جزء من العقوبات الأمريكية على الأخيرة بعد توجهها إلى الأمم المتحدة وليس نتيجة قضية دحلان", قائلا: "قضية دحلان بدأت منذ سنوات، ورغم ذلك لم توقف الإمارات دعمها السلطة".
وكانت مصادر في حركة فتح قد اتهمت دولة الإمارات العربية بالعمل والسعي الجاد خلف الكواليس لمعارضة مطلب السلطة ومساعيها في الحصول على مقعد في الأمم المتحدة رغم أنها تعبر علنا عن دعمها توجه الفلسطينيين إلى الأمم المتحدة, وأنها لا تفي بالتزاماتها المالية اتجاه السلطة.