شيء ما في رائحة الورق جذبه إلى مطالعة الكتب وحب القراءة، حتى قبل أن يدرك معاني كثير من الكلمات التي يقرأها لصغر عمره، وظل حتى هذه الأيام يعشق تلك الرائحة وملمس الورق.
كان وهو صغير، يجمع مصروفه اليومي ليشتري الكتب، ويردد بفخر أنه نشأ منذ نعومة أظفاره وسط الكتب وجدران المدارس ومكتبتهم.
وعلى الرغم من التطور التكنولوجي الذي وصل إلى جميع مناحي الحياة، إلا أنه لا يشعر بأن قراءة الكتب عبر شاشات الحاسوب يمكنه أن يحلّ مكان الكتب الورقية.
إنه الحاج ابراهيم اليازجي (55 عاما) صاحب إحدى أشهر المكتبات في قطاع غزة، وعضو مجلس إدارة اتحاد الناشرين العرب .فاز اليازجي بعضويه مجلس ادارة اتحاد الناشرين العرب في انتخابات الاتحاد التي جرت بالقاهرة في يناير الماضي، ليكون بذلك ممثلاً عن أدباء وكتاب ودور النشر الفلسطينية بالاتحاد العربي.
ويرى اليازجي أن القراءة بذاتها متعة، لا تتحقق إلا بالتصفح وملامسة الورق بل حتى شمّ رائحته ، والنظر الى المكتبة برفوفها وألوانها والكتب المكدّسة بها يعادل تأمّل أي منظر طبيعي أو لوحة شهيرة.
الحكاية بدأت، عندما كان اليازجي يبلغ من العمر 10 سنوات فقط، يوم أن كان في الصف الرابع الابتدائي، وزّعت المدرسة عليهم (كراس القراءة) والذي يجبرك على أن تقرأ كتب مختلفة وتكتب ما استفدته من كل كتاب، الأمر الذي دفعه لقراءة العديد من الكتب.
نسي الحاج اليازجي اسم تلك الكتب بالضبط، لكنه بقي يردد بيت شعر جميل لا يزال عالقا في عقله : "كتابي أنت الصديق الوفي وأنت المعلم والمرشد *** أسعى لنيل الكمال ولنيل العلى أصعد".
وبينما كان ينظر إلى رفوف المكتبة التي تضم آلاف الكتب والعديد من الأقسام يقول الحاج ابراهيم: "تأسست مكتبتنا منذ عام 68، وبدأنا العمل الفعلي في بداية الثمانينات مع انطلاقة الجامعة الاسلامية، والتي كانت الحافز الأكبر لنا في توفير الكتب الجامعية".
ويضيف: "في بداية الثمانينات حصلنا على إذن باستيراد كتب من مصر إلى غزة، وبعدها تم تزويد الكتب لكافة المكتبات والجامعات في الضفة الغربية وقطاع غزة"، مبينا أنه ومنذ عام 1985 يشارك سنويا في معرض الكتاب الدولي في القاهرة.
وفيما يخص بانتخابه عضوا باتحاد الناشرين العرب أوضح اليازجي أن الاتحاد كان ينقصه ممثل عن فلسطين وبتشجيع من الناشرين العرب دخل الانتخابات هذا العام، لافتا إلى أن النتيجة كانت غير متوقعة، بعدما فاز بأعلى الأصوات في الانتخابات.
ويرجع اليازجي أهمية مشاركته في تلك الانتخابات إلى التمثيل الدائم لفلسطين في اتحاد الناشرين، "وحتى تحتل فلسطين دورها المرموق بين الدول في المجالات كافة".
ولم يخف اليازجي أن هناك نهضة ثقافية واسعة في الوطن العربي وقطاع غزة، مشيرا إلى أن منشورات غزة الثقافية تبقى قليلة مقارنة بالوطن العربي نظرا للحصار ومضايقات الاحتلال على نشر أي كتب فلسطينية في الخارج.
ويتابع بهذا الشأن: "قبل 13 عاما كنا نشارك في الكثير من المعارض الدولية مثل معرض القاهرة والدوحة وأبو ظبي والشارقة عن طريق نقل الكتب والمنشورات عبر الخطوط الجوية الفلسطينية، ولكن تدمير الاحتلال لمطار غزة انعكس سلبا على حرية النشر والتنقل".
وأعرب الحاج اليازجي عن امتعاضه من قلة الاقبال على الكتب في الوطن العربي، مشددا على أن اتحاد الناشرين العرب شكّل لجنة تحفيز وتشجيع القراءة في الوطن العربي.
وعن أكثر الكتب التي يحب مطالعتها أوضح أنه في هذه الفترة يكثر من قراءة كتاب الله، وبعضا من كتب التاريخ الفلسطيني والاسلامي، مبينا أن تلك الكتب تعيده إلى عهد الحضارة الاسلامية.
ودعا اليازجي الحكومة الفلسطينية إلى أن تتبنى الأقلام الناشئة والمفكرين والكتاب والأدباء وتدعم الكتاب وتساعد على اقتناء الكتب المنشورة في المدارس والمكتبات.
دقائق معدودة تلك التي قضتها "الرسالة نت" برفقة الحاج ابراهيم اليازجي في مقر مكتبته وسط مدينة غزة، كانت كفيلة بأن تسدل الستار ولو قليلاً عن رجل أفنى عمره بين الكتب، ليصبح ممثلا عن فلسطين في أكبر اتحاد عربي للناشرين العرب، وصدق العرب عندما قالوا قديما : "ليس ثمة بارجة كالكتاب ينقلنا بعيداً".