وسام عفيفه
هل أعادت "إسرائيل" تفعيل العمليات السرية ضد المقاومة في الخارج عبر ذراعها الاستخباري الخارجي "الموساد"؟ هل آن أوان لتغيير قواعد اللعبة؟ هل تغير حماس- بالتعاون مع فصائل المقاومة الفلسطينية واللبنانية- الساحة لتمتد خارج الأراضي اللبنانية والفلسطينية؟
أسئلة باتت تفرض نفسها على الواقع العسكري والأمني في حلبة المواجهة بين المقاومة الفلسطينية وعلى رأسها حماس من جانب, والاحتلال الإسرائيلي من جانب آخر.
ملف اغتيال القائد العسكري عماد مغنية لا يزال مفتوحا بالنسبة لحزب الله وينتظر الثأر بعد تمكن الموساد من الوصول إليه في الثاني عشر من شباط 2008 واستهدافه في حادث تفجير سيارة في دمشق، حي كفرسوسة.
وها هو الموساد يفتح ملفا جديدا للقائد العسكري في حماس محمود المبحوح, في اشارة لتصاعد وتيرة العمليات السرية للموساد في الخارج على غرار الحرب السرية التي أدارها ضد منظمة أيلول الأسود الفلسطينية في أوائل السبعينات.
عملية الاغتيال الأخيرة تفرض على حماس تحديا جديدا خصوصا وأنها طالما أكدت انحسار معركتها مع الاحتلال الإسرائيلي على الأرض الفلسطينية, مع التأكيد ان هناك عشرات العمليات أو المحاولات التي فشلت او أحبطت مؤخرا ولم يتم الإعلان عنها لأسباب أمنية سواء من قبل المقاومة او الاحتلال.
اغتيال المبحوح يذكر بثأر قديم مع رئيس وزراء الصهيوني بنيامين نتنياهو الذي تعرض لانتكاسة استخبارية خلال فترة حكمه في 1997 عندما فشل الموساد في اغتيال رئيس المكتب السياسي لحماس خالد مشعل على الأراضي الأردنية في أيلول, وأدى الفشل الكبير إلى خروج الشيخ الشهيد احمد ياسين من الأسر ضمن صفقة في حينه مع الملك حسين, وسقوط مدو لسمعة الموساد.
اليوم يعيد نتنياهو الكرة وينجح في استهداف المبحوح على ارض عربية (الإمارات) أخرى.
كل المؤشرات تؤكد ان الاحتلال وبعد عام من العدوان على غزة يحن للأيام الخوالي, زمن العمليات السرية وضربات الموساد التي بعثت النشوة في الجسد الإسرائيلي الذي كان يعاني من التهديد الوجودي.
ورغم عدم توقف عمليات الاغتيال خارج فلسطين ضد كل من تراهم دولة الاحتلال أعداء لها فان التصعيد الأخير, يشير إلى ان قرارا استراتيجيا صدر من اعلى هرم في المستوى السياسي والامني بمساهمة وتحفيز من رئيس الموساد الحالي الثعلب مائير داغان.
ويبدو واضحا ان الموساد الإسرائيلي بات يتحرك بكافة اذرعه وتشكيلاته العسكرية لتفادي الإخفاقات السابقة ويهتم بالتنسيق مع اجهزة استخبارات اسرائيلية اخرى مثل الشين بيت والاستخبارات العسكرية "امان" خصوصا وان هدفا مثل الشهيد القائد المبحوح له جذور، ونشاطاته بدأت في غزة وربما تواصلت لاحقا ضمن مهامه العسكرية.
يذكر ان الموساد يتكون من تشكيلات عادة ما تشارك في عمليات الاغتيال مثل:
- ادارة المجموعات وهي اكبر تشكيلة في الجهاز، والمسئولة عن عمليات التجسس ، ولها مكاتب في الخارج تحت غطاء دبلوماسي وغير رسمي على حد سواء.
ويتكون القسم من عدد من المكاتب التي تعتبر مسؤولة عن مناطق جغرافية محددة ، ويديرها ضباط من "محطات" في جميع أنحاء العالم .
- العمل السياسي وإدارة الاتصال : ومهمتها الاتصال مع خدمات الاستخبارات الأجنبية الصديقة ومع الدول التي لها علاقات دبلوماسية مع "إسرائيل" , ولهذا القسم محطات كبرى مثل باريس .
- شعبة العمليات الخاصة: التي تعرف أيضا باسم Metsada ، وتجري عمليات حساسة للغاية مثل الاغتيال والتخريب ، وتنفيذ عمليات شبه عسكرية .
- إكتساب : الإدارة مسؤولة عن الحرب النفسية ، والدعاية وعمليات الخداع.
- إدارة البحوث هي المسؤولة عن إنتاج المعلومات الاستخبارية ، بما في ذلك تقارير الحالة اليومية والأسبوعية وملخصات تقارير شهرية مفصلة.
ويديا الموساد 15 قسم متخصص في مهام مختلفة منتشرة جغرافيا من خلال "مكاتب" في الولايات المتحدة وكندا وأوروبا الغربية وأمريكا اللاتينية والاتحاد السوفياتي السابق والصين وأفريقيا والمغرب العربي ، ليبيا ، العراق ، الأردن ، سوريا والمملكة العربية السعودية ، دولة الامارات العربية المتحدة وايران.
تجدر الإشارة الى ان المخابرات الإسرائيلية استخدمت كل أساليب الاغتيال للتخلص من رموز المقاومة الفلسطينية والعربية وكان لكل هدف مطلوب تصفيته أسلوب معين، بداية من المسدسات مرورا بالقنابل التي تتفجر آليا عند تشغيل السيارة والقنابل الموقوتة وانتهاء بالتفجير عن بعد بالريموت كونترول والطائرات بدون طيار ) وقنابل الطرود والرسائل البريدية والخطف ثم القتل) والقتل في ظروف غامضة (كما حدث لعالم الذرة المصري يحيى المشد وللطيار العراقي محمد زغلوب).
وتظهر المعلومات الاولية ان الشهيد المبحوح لم يكن هدفا سريعا وسهلا وان التخطيط لاغتياله يمتد لشهور, وربما لسنوات خصوصا في ظل ما عرف عنه من احتياطات أمنية كان يؤمن بها نفسه, فلم يكن يستخدم هاتفه النقَّال إلا نادرا، ويشتري تذكرة سفره بنفسه في يوم سفره، ويحرص على عدم الحجز المسبق، وغالبا ما كان يموه في سفره، ويسافر إلى غير الوجهة التي يقصدها، ومن هناك يغير خط سير رحلته، ويختار الفندق الذي سيقيم فيه بنفسه ولا يكرر الإقامة فيه، ولا يأكل شيئا من الفندق، ويشتري طعامه من مطاعم عشوائية، ولا يتحرك بسيارته إلا بعد التأكد من أن علامات الأمان التي وضعها فيها كما هي لم يمسها أحد، ويقودها وعينه على السيارات من حوله".
هذه الإجراءات الأمنية تشير الى ان الشهيد المبحوح كان مطاردا من استخبارات الاحتلال لفترة طويلة وان الحرب السرية بين حماس والخارج بدأت منذ فترة ليست قصيرة وانه لابد لحماس ان تكون قد درست تغيير قواعد اللعبة أيضا بناء على التطورات الأمنية الأخيرة , وهي قابلة للتصعيد .
وفي هذا السياق أكد محمود الزهار القيادي في "حماس" أن الاحتلال الصهيوني يريد أن يغيِّر قواعد اللعبة من خلال اغتياله للقيادي العسكري في "كتائب القسام" محمود المبحوح، مشيرًا إلى الحقِّ الكامل لحركته في الدفاع عن نفسها وعن الشعب الفلسطيني.
وقال الزهار في تصريحات لقناة "الجزيرة" الفضائية الجمعة الماضية : "نحن نستطيع أن نؤلم الاحتلال داخل حدود فلسطين المحتلة وخارجها، وهذا أمرٌ بأيدينا، وسنختار ما هو خيرٌ لنا ولشعبنا ولعلاقاتنا العربية والإسلامية"، مشيرًا إلى أن الحركة ستدرس الإيجابيات والسلبيات في سبل الردِّ على جريمة الاغتيال.
ويبدو من حديث الزهار ان خيارات المواجهة مع الاحتلال باتت مفتوحة على كل الاحتمالات وربما تصبح الحرب في الخارج سرية وعلنية أيضا, عنوانها الصراع الاستخباري.