الحلبي: زيادة الثقة بالقضاء رفع عدد القضايا المتداولة
محامي: نعاني من قلة الموظفين في دائرة التنفيذ
التشريعي : قصور بعض القوانين أثر سلبياً على أداء القضاء
العدل: الحكومة تولي قطاع القضاء اهتماما خاصا
الميزان : تقييم أداء القضاء بغزة يحتاج لدراسة معمقة
غزة- محمد أبو قمر
في مجمع محاكم غزة تعلو أصوات مكبرات الصوت بالنداء على أصحاب القضايا ، وتزدحم الممرات بالمواطنين والمحامين أصحاب "الروب" الأسود ، فيما تختلف تعبيرات وجوه الذين قدموا للمثول أمام القضاة ما بين القلق والتوتر والابتسامة في بعض الأحيان.
فبينما يرى مجلس القضاء الأعلى أن الثقة بالقضاء ازدادت مما ضاعف عدد القضايا ، ينتقد محامون قلة الموظفين في سلك القضاء.
"الرسالة نت " نقلت شكاوى المواطنين والمحامين وطرقت أبواب القائمين على القضاء الذين تحدثوا عما وصفوها بالخطوات المتسارعة لتسهيل معاملات المواطنين من خلال زيادة عدد القضاة وتطوير مهاراتهم.
شكاوى
اكتظت الغرفة المخصصة لأصحاب "الروب" الأسود داخل مجمع المحاكم بالمحامين الذين انغمسوا بدراسة الملفات التي بحوزتهم في انتظار موعد قضاياهم .
المحامي عبد الكريم صيام اشتكى من قلة الكادر الوظيفي لاسيما في دائرة التنفيذ ، وانزعج من وجود الشرطة داخل مقرات المحاكم .
وقال صيام " دائرة التنفيذ تحتاج لعدد إضافي من الموظفين لاستيعاب الكم الهائل من القضايا، وفي بعض الأحيان لا أجد الملفات عند مراجعتي لدائرة التنفيذ ، ويتعذر القائمون عليها بقلة عدد الموظفين".
وبحسب صيام فان تغيير القضاة عدة مرات في إطار التدوير يؤثر على سير الدعوة ويطيل وقت صدور قرار بشأنها ، مشيرا الى أن القاضي الذي يبدأ بدراسة القضية يكون ألمّ بها من جميع النواحي وهو يسمع أكثر مما يدون ، على خلاف القاضي الجديد الذي يعود لدراسة القضية من جديد على الأوراق وليس الاستماع للأطراف.
وكما يرى صيام فان تعيينات القضاة تجري بناء على مسابقات شكلية وتستبعد الكفاءات.
لكن المستشار عبد الرءوف الحلبي رئيس المجلس الأعلى للقضاء نفى صحة تلك المعلومات ، مشددا على أن ذلك الاتهام عار عن الصحة ، وتابع " أرشيف الإعلانات والطلبات التي قدمت من المحامين موجودة لدينا ، لكن من لم يتقدم للوظائف بناء على موقفه الرافض من المشاركة في المنظومة القضائية، أخذ بإثارة القلاقل ".
ويضيف الحلبي " بعد استنكاف القضاة السابقين في أواخر عام 2007 كان لا بد من أن يبقى مرفق القضاء مفتوحا ، فعينا القضاة السبعة الذين تجاوزوا المسابقة التي أجريت بعهد القضاء السابق، وبعدها أعلنا في الصحف عن مسابقات بتعيينات جديدة وأبلغنا نقابة المحامين ، وفتحنا الباب لمن يجد في نفسه الكفاءة وفق الشروط الموضوعة".
لكن بعض المحامين ونقابتهم اتخذوا موقفا مضادا لذلك الإعلان وامتنعوا عن المشاركة في المسابقة ، رغم أن في ذلك مصلحة وطنية لسد الفراغ القضائي كما يقول الحلبي.
وأكد على انتقائهم للصفوة الذين تقدموا للمسابقة وفقا لمعايير المصداقية والأمانة ونظافة اليد ، الى جانب الخبرة في عمل المحاماة.
وبرر الحلبي وجود الشرطة داخل المحاكم بحفظها للأمن ، وأضاف " لكل شرطي عمله الذي أسندته إليه الإدارة ، وبعض المحامين لا يعجبهم ذلك، لكنهم (الشرطة) يعملون على تنظيم المواطنين ويمنعون أي ارتباك ويحفظون الدور للجميع".
زحمة القضايا
وتعددت شكاوى المواطنين من طول المدة الزمنية التي تستغرقها القضايا وصولا لإصدار حكم نهائي. فلم يتمكن المواطن محمد لطفي الذي رفع قضية ضد مستأجر لديه في مايو 2008 بسبب رفضه إخلاء المحلات المستأجرة رغم انتهاء العقد المبرمة بينهما- لم يتمكن- من انتزاع حكم بالإخلاء سوى قبل أيام قليلة ، ولا زال ينتظر التنفيذ.
وبحسب لطفي فان بعض القضايا تطول أكثر من ذلك بكثير ، وتبقى تتداول داخل المحاكم لسنوات.
ويعزو رئيس مجلس القضاء الأعلى طوال الفترة التي تتخذها القضايا حتى الوصول لحكم نهائي الى تزايد القضايا الجديدة وعودة متابعة المواطنين للقضايا القديمة التي كانت مركونة، الى جانب متابعة الأحكام التي صدرت ولم تنفذ في السابق نتيجة الفلتان الذي كان مستشريا.
وأضاف" كل ذلك يعود الى تمتع القضاء بثقة المواطن ، وبالتالي أخذت المدة بالاتساع بين الجلسة والأخرى الى أن وصلت لأكثر من شهر".
ويرى الحلبي أن الأمر طبيعي فكلما زاد الضغط على المحاكم فلن يتمكن القاضي من تحديد جلسة قريبة.
ونوه الى أن المدة بين الجلسة والأخرى للقضايا التي تداولتها المحاكم في السابق قبل استنكاف القضاة كانت تستغرق بين أسبوع وعشرة أيام فقط ، لفقد المواطنين الثقة في القضاء ، وبات الأمر مختلفا هذه الأيام حيث تعج دائرة التنفيذ بالمواطنين الذين عادوا للمطالبة بحقوقهم.
ويرجع الحلبي الفجوة الزمنية بين القرار وتنفيذه الى الضغط الكبير على دائرة التنفيذ ، لكنه لم يخف سعيهم مع الحكومة والمجلس التشريعي والجهات المختصة ووزارة العدل للتغلب على تلك المسألة بقدر المستطاع ".
توصيات التشريعي
المجلس التشريعي منح قطاع القضاء اهتماما من خلال تقرير لجنة الموازنة الذي أقر مؤخرا، حيث أكدت اللجنة على أهمية النهوض بقطاع العدالة في فلسطين بعد أن عانى من استنكاف معظم القضاة ووكلاء النيابة السابقين.
وتقول اللجنة أنها لاحظت من خلال مناقشاتها مع المعنيين أن مباني المحاكم الموجودة
حاليا لا تليق بعمل القضاء وغير مزودة بوسائل التقنية الحديثة, وهي لا تتسع للكم الهائل من الشكاوى والدعاوى, كما لاحظت التباين بين رواتب القضاة في الأجهزة القضائية المختلفة, حيث تبين أن رواتب القضاة النظاميين تختلف عن رواتب القضاة الشرعيين والعسكريين.
وطالبت اللجنة بالعمل على تجهيز المحاكم وتزويدها بأحدث التقنيات وتوفير مبان مناسبة خلال مدة أقصاها ثلاثة أشهر ، والالتزام بتطبيق قانون السلطة القضائية خاصة فيما يتعلق بتطبيق سلم الرواتب المرفق بالقانون.
ويتطابق ما ورد في تقرير لجنة الموازنة مع شهادات المحامين وما لاحظته "الرسالة" من ضيق للمكان داخل مجمع غزة للمحاكم، واكتظاظ المواطنين داخل المبنى ، وضيق الغرف المخصصة للمحامين وتداول القضايا.
وحول تلك القضية يقول الحلبي " نتيجة للتخريب الذي نتج عن العدوان وتدمير العديد من مباني الأجهزة الأمنية والوزارات، وفي ظل الحصار لم نتمكن من توسعة مرفق القضاء، وهذا شكل تضييقا على الموظفين".
وأضاف " نعاني كثيرا من ضيق المكان ، خاصة مجمع المحاكم بغزة ذات البناء القديم الذي لا يلبي حاجة المواطن، حتى أن المحامين لا توجد لهم أماكن مريحة للعمل، نتألم لذلك لكن هذه هي ظروفنا ولا نستطيع تقديم أكثر من المتاح".
ويأمل الحلبي أن تتمكن الحكومة من توفير مكان بديل أوسع .
قدم القوانين
واستمعت "الرسالة" لامتعاض العاملون في الأجهزة الأمنية الذين يخوضوا مغامرات لإلقاء القبض على المتهمين سواء بقضايا المخدرات أو أخلاقية ، ويفاجئوا بإطلاق سراح المتهم بعد عدة أيام .
واتفقت شهادات المحامين معهم حيث أكدوا أن بعض القوانين القديمة لا تتناسب مع تطورات العصر وتطورات المرحلة .
لكن النائب في المجلس التشريعي يحيى موسى عضو رئيس لجنة الرقابة وحقوق الإنسان قال أن المجلس منشغل بتعديل كثير من القوانين ، وأضاف " على أية جهة تشتكي من قصور بقانون ما ، رفع التعديلات أو مشروع القانون الى المجلس التشريعي وسنتعامل معه بايجابية وبمنتهى الجدية".
وبحسب موسى فان التعديل على القوانين يكون إما من خلال مشاريع تقدمها الحكومة أو نقابات أو أعضاء المجلس التشريعي ، لكنه شدد على أن الجهة التي تعاني من خلل أو قصور في القانون تعد الأقدر على اقتراح المشكلة ، كي يباشر المجلس التشريعي مناقشتها.
وفي السياق ذاته ترى النائب هدى نعيم أن القصور في بعض القوانين من النقاط التي أثرت على مستوى أداء القضاء.
وقالت " بعض القوانين قديمة وغير رادعة ولا تتناسب مع تطورات العصر ، وهناك جرائم لم تكن موجودة في السابق "كجرائم الانترنت" وبعض القضايا المالية ، وبالتالي لم يشملها القانون" .
وتشير نعيم الى أن التشريعي عدّل بعض مواد قانون العقوبات كالزنا والمخدرات والجرائم المالية حيث كان القانون عاجزا عن التعامل معها.
وأكدت على تجاوب المجلس مع أي طرح يتقدم له سواء من خلال وزارة العدل أو القضاء،
وتضيف نعيم " نعمل على حماية المجتمع من خلال تطوير القانون ، وفي حال كان هناك قصور في القوانين فذلك يعني أننا غير قادرين على حماية المجتمع" ، كما أبدت استعدادها للتفاعل في إطار تعديل أو إيجاد قوانين جديدة .
وكشفت نعيم النقاب عن أن المجلس يدرس حاليا قانونا جديدا خاصا بالمعلومات وكيفية الحصول عليها وذلك له علاقة مباشرة بالانترنت.
نظرة تقييمية
ولم يستثن الحصار قطاع القضاء -كما يقول الحلبي- حيث حرم القضاة من الابتعاث للخارج والاستفادة من الخبرات الوافدة .
وتقول النائب نعيم " رغم عدم توفر أماكن مناسبة للقضاة بسبب الحصار ، وقلة الموازنة إلا أن القضاء شهد قفزة نوعية بالأداء، وبالذات على صعيد عدد القضايا المنجزة" .
لكن نعيم أضافت " هذا لا ينفي أن القضاء مرهون بالخبرة، والقاضي بمثابة تراكم للخبرات والتجارب" ، ورأت أن القضاة الحاليين يبذلون جهودا جبارة لتطوير أنفسهم وذلك يجب أن تقابله جهود حكومية للارتقاء بهم وتأهيلهم، وتوسيع غرف المحاكم ليكون المكان أكثر ملائمة للعمل".
وتعزو نعيم طول المدة التي تستغرقها القضايا لقلة الخبرة والضعف اللوجستي فيما يتوفر داخل المحاكم، وذلك يحتاج لاهتمام الحكومة ، وتابعت " ورغم هذا ومن خلال اطلاعي على بعض القضايا، تبين أن القضاء تمكن من انجاز مئات القضايا المكدسة من العهد السابق".
وعادت نعيم لتشدد على أن واقع القضاء تحسن عن ذي قبل ، ويحتاج لمزيد من الجهد.
وفي الصدد ذاته اعتبر وزير العدل محمد فرج الغول أن الحكومة تولي اهتماما خاصا في قطاع القضاء سواء على صعيد المحاولات لإيجاد مبان جديدة للمحاكم وإصلاح المباني الحالية ، أو توفير عدد إضافي من القضاة والموظفين.
ويضيف الغول " لا شك أن القوانين القديمة تحتاج لمواكبة العصر، ، وأية ملاحظات من جانب القضاة نعالجها أمام المجلس التشريعي ".
ويشير وزير العدل الى أن عددا من القوانين تناقش حاليا داخل المجلس التشريعي في إطار تعديلها.
عصام يونس مدير مركز الميزان لحقوق الإنسان رأى أن تقييم قطاع القضاء في غزة يحتاج لدراسة تقييمية من طرفهم ، موضحا أن ذلك لم يحدث حتى اللحظة ، وقال " هناك تفاصيل مهمة يجب التطرق إليها حول مرجعية القضاء ، وذلك من خلال الدراسة" .
لكنه يعتقد أن الأهم يكمن في وحدة القضاء ، وقال " نحن نتحدث عن سلطة قضائية قائمة بذاتها ، وهناك مشكلة في تشكيل القضاء بغزة ، مما أدى لوجود قضاءين ونظامين ، وهناك مشكلة أساسية أفرزها الانقسام ".
وأوضح أنه رغم الحالة السياسية المنقسمة إلا أن القضاء كان يجب ألا يخضع للانقسام.
ورغم الاعتراف بقصور بعض القوانين وقلة خبرة القضاة ، والحاجة للإضافات اللوجستية داخل المحاكم إلا أن هناك شبه إجماع على تحسن طرأ على قطاع القضاء وانجاز كم هائل من الملفات التي كانت متراكمة ، فيما يبقى القضاء الغزي في ميزان التقييم.