قررت الكنيست في الأسبوع الماضي حل نفسها وإجراء انتخابات مبكرة في الثاني والعشرين من كانون الثاني المقبل فدخلت الحلبة السياسية (الإسرائيلية) في دوامة الانتخابات، خصوصا التمهيدية منها.
ورغم أن الصورة الإجمالية للانتخابات العامة المقبلة معروفة سلفاً وهي فوز معسكر اليمين بأغلبية مطلقة تسمح له من دون عناء بتشكيل الحكومة المقبلة إلا أن البعض يمني نفسه باحتمالات أخرى. فحزب العمل، بقيادة شيلي يحيموفيتش يحقق نجاحات في الاستطلاعات، والحزب يشعر أنه اليوم أقرب من أي وقت مضى لاستعادة مكانته كحزب كبير أو كحزب المعارضة الرئيس.
ولكن استطلاعات الرأي، وفق الرئيس (الإسرائيلي) شمعون بيريز الذي كان يلقب بـ«الخاسر» لأنه لم يحقق أبداً حلمه بالفوز برئاسة الحكومة في أية انتخابات، هي مثل العطر يستحسن شمه وليس شربه. فلا أحد يبني على استطلاعات الرأي وعليه انتظار النتائج الفعلية للانتخابات. وأي قراءة موضوعية للواقع (الإسرائيلي) تظهر أن الميل العام في (إسرائيل) لا يزال ينحو بدأب نحو اليمين لاعتبارات تاريخية وأن الحالة التي كسر فيها حزب الوسط - كديما - المعادلة قبل سنوات كانت استثناء يؤكد القاعدة. فمعسكر اليمين تعزز حتى في صفوف الوسط بحيث تصعب إزاحته من دون حدوث صدمة سياسية أو اقتصادية تقلب المعادلات والتوجهات القائمة.
وليس صدفة أن زعيم حزب الوسط الصاعد يائير لبيد رأى أن عليه إظهار قراءته وفهمه للواقع الجديد باختيار جامعة مستوطنة أرئيل قرب نابلس لعرض برنامجه السياسي. وبديهي أن هذا الاختيار يظهر أن الوسط يريد من الآن مغازلة المستوطنين والاقتراب من أفكارهم. بل أن زعيم اليمين، بنيامين نتنياهو، خشي على نفسه من ازدياد قوة المشاعر الأشد يمينية فأعلن عن أنه سيقدم تقرير القاضي ليفي الذي نظر لفكرة أن الأراضي الفلسطينية ليست محتلة وفق فهمه للقانون الدولي وبالتالي يمكن تسويغ المستوطنات غير المرخصة فيها. وطبيعي أن هذه رسالة أخرى تبين أن مشاعر اليمين لا يستهان بها لا من الوسط ولا من اليمين. ويمكن القول إن حزب العمل نفسه وخشية من ردود أفعال من جانب الجمهور يحاول إبعاد النظر عن السياسة موضوعيها الأبرز في (إسرائيل): الأمن والتسوية والتركيز على البعد الاجتماعي والاقتصادي. وهو يرى أن تردي الأوضاع الاقتصادية مؤخراً يمكن أن يكون قد أحدث زعزعة في التفاف الجمهور (الإسرائيلي) حول الليكود واليمين الحاكم. وهذا ما يراهن عليه اليوم أكثر من أي شيء آخر.
ومن المثير للاهتمام مقدار اليأس الذي أصاب الحلبة السياسية (الإسرائيلية) وتحديداً معسكر الوسط - اليسار من ترسيخ هيمنة اليمين لدى الناخبين والعجز عن تغيير الوجهة. وأبرز دليل على ذلك أن هذا المعسكر ينظر حوله فلا يرى منافساً «حقيقياً» لنتنياهو سوى رئيس الحكومة الأسبق إيهود أولمرت. ولا يمكن معرفة دلالات ذلك من دون استذكار أن أولمرت بلغ الدرك الأسفل من الشعبية إثر فضائح الفساد التي لاحقته والتي يعود بعضها إلى حوالي عقدين من الزمان. ورغم تبرئة أولمرت من أغلب هذه القضايا، أحياناً بسبب الشك، فإنه لا يزال يتعرّض لمحاكمة في قضية العقارات الكبرى المسماة «هوليلاند». ومن المؤكد أن أولمرت هو الشخص الأكثر عرضة للانتقادات إذا قرر خوض الانتخابات ومن شبه المؤكد أنه بعيد عن منازعة نتنياهو فعلياً على رئاسة الحكومة. ولكن اليأس يدفع بالقوى المناهضة لليمين إلى التمسك بمثل هذه الأفكار حتى لو كانت مجرد أوهام. ويكتب شالوم يروشلمي في «معاريف» أن «ايهود اولمرت لن يتنافس لأن الحملة الأفضل التي يمكن أن تخاض ضده جاهزة منذ الآن. وهذه هي 700 صفحة قرار حكم المحكمة المركزية التي تصف انساناً عانى على مدى سنوات من سلوك مرفوض. والأمور واردة في القضايا التي خرج فيها بريئاً، مثل قضية تلنسكي أو قضية ريشون تورز، والتي أدينت فيها امرأة سره الأقرب. في أثناء الانتخابات ستضاف الى قرار المحكمة ايضا لوائح استئناف النيابة العامة على التبرئات الكفيلة بان تنتهي بفرض العار على اولمرت، الامر الذي سيجعل المنافسة نكتة قانونية سيئة».
وهكذا فجأة تقرأ في الصحافة (الإسرائيلية) تعابير من نوع «الأسبوع الحاسم»، لأن أولمرت سيتخذ قراره بخوض الانتخابات ضد نتنياهو من عدمه هذه الأيام. وتعرض الصحافة سيناريوهات لتشكيلات ائتلافية يصعب تحقيقها لإظهار أن هناك فرصة حقيقية للتغيير. ولكن أغلب هذه التقديرات تنبع إما من رغبة في المناكفة أو محاولة، ولو فكرية، لتسخين الأجواء الانتخابية العامة. ولا تركز الصحافة حالياً، لكنها ستركز لاحقاً، على الصراعات الدائرة داخل معسكر اليمين نفسه. فالانتخابات التمهيدية في الليكود توفر أرضية لمعركة حقيقية تتساقط فيها الرؤوس من أجل أن لا يبقى في الميدان سوى الأقوى. والصراع بين الليكود وباقي أحزاب اليمين سيكون على أشده أيضاً لأن الليكود لا يريد أن يترأس معسكر اليمين وهو ضعيف، أن يكون الأول بين أنداد مثل «(إسرائيل) بيتنا» أو شاس. وبالتالي فإنه يسعى بشدة لمنع أحد في اليمين من الوصول إلى خانة التوازي.
ويجري أيضاً تسخين الجبهة مع شاس التي خرجت بترويكا قيادية بعد صراع شديد بين رئيس الحزب الحالي إيلي يشاي وزعيم الحزب الأسبق أرييه درعي. وهناك من يشيع، لأسباب انتخابية وربما لتمييز شاس أو إضعافها، إلى احتمال أن يقودها أرييه درعي إلى التحالف مع معسكر الوسط في مواجهة اليمين. ولكن معطيات المجتمع (الإسرائيلي) تظهر أنه إذا كان مثل هذا الأمر مقبولاً حينما كان التوازي سيد الموقف في موازين القوى بين اليسار واليمين فإنه لم يعد مقبولاً البتة بعد أن سيطر اليمين على الحلبة السياسية والمجتمعية.
المصدر: السفير