قائمة الموقع

(إسرائيل)... إذ تحاول نزع الشرعية عن حكم مرسي

2012-07-05T07:51:43+03:00
د. صالح النعامي

بانتخاب الدكتور محمد مرسي لرئاسة جمهورية مصر العربية، تحاول (إسرائيل) نزع الشرعية الدولية عن حكمه، حتى قبل أن يعطى الوقت ليكشف عن مواقفه السياسية بشكل أوضح. وآلية التحرك التي تتبعها (إسرائيل) هو التشكيك العام في توجهات الحركات الإسلامية، وشيطنة الثورات العربية على اعتبار أنها التطور التاريخي الذي منح الإسلاميين الفرصة للوصول للحكم.

إن هناك الكثير من الدلائل التي تؤكد أن (إسرائيل) حريصة على إثارة الفزع من الثورات العربية عبر التحذير من صعود الإسلاميين يأتي كتعبير عن المرارة من خسارة (إسرائيل) " مزايا " الأنظمة الديكتاتورية في العالم العربي التي كانت ترتبط بها. وهناك فيض من التصريحات (الإسرائيلية) الرسمية التي تشير إلى تعلق (تل أبيب) بشكل أساسي بأنظمة الحكم الديكتاتورية.

 ومما يدلل على أن التحذير من الإسلاميين يهدف بشكل أساسي للحفاظ على الأنظمة الديكتاتورية التي لم تشكل تحدياً لـ(إسرائيل)، حقيقة أن نتنياهو – الذي يخرج عن طوره في التحذير من أن تفضي الثورات العربية إلى سيطرة الإسلاميين – هو تحديداً الذي سعى بكل قوة للحفاظ على  الأنظمة الديكتاتورية.

فقد أقام نتنياهو في ديوانه خلية عمل أواخر يناير الماضي بهدف تنظيم حملة سياسية ودبلوماسية هدفت بشكل أساسي إلى إقناع دول العالم بعدم السماح بخلع مبارك. ولم يتردد نتنياهو في الإفصاح عن سر حرصه على بقاء مبارك، حيث أوضح أن مبارك كان حليفاً حيوياً جداً لـ(إسرائيل) وأن هناك مخاطر تتربص باتفاقية كامب ديفيد "  في حال تنحى.

ومما يدلل على أن نتنياهو غير معني بتولي أنظمة حكم ديمقراطية مقاليد الأمور في العالم العربي، حقيقة أنه كان يحرص في كل لقاء له مع الزعماء والصحافيين والمفكرين الأجانب الذين يلتقيهم في (إسرائيل) وخارجها على التفاخر أمامهم بأن (إسرائيل) تمثل الديمقراطية الوحيدة في منطقة تسود فيها الديكتاتوريات.

فإن كان نتنياهو معني بتحول المنطقة إلى الديمقراطية، فلماذا كان الوحيد من بين زعماء العالم الذي بذل جهوداً هائلة من أجل الحفاظ على نظام مبارك.

 وقد كان رئيس هيئة أركان الجيش (الإسرائيلي) المنصرف جابي إشكنازي أكثر المسؤولين (الإسرائيليين) وضوحاً في التعبير عن ارتباط المصالح (الإسرائيلية) بالأنظمة الديكتاتورية، عندما قال: " في كل ما يتعلق بالشرق الأوسط، فإن الاستقرار-بالنسبة لـ(إسرائيل) - أفضل من الديمقراطية ".

ومن الأهمية بمكان استذكار العبارة الشهيرة التي صدرت بشكل عفوي ومعبر عن وزير البنى التحتية (الإسرائيلي) بنيامين بن إليعاز، الذي وصف الرئيس مبارك بأنه كان " كنز إستراتيجي لـ(إسرائيل) "، فمن الواضح أن (إسرائيل) لا يمكنها أن تتوقع أن يخلف مبارك في حكم مصر سياسي سيجاريه في مراعاة مصالح (إسرائيل)، وبالتالي جاء التحذير من تداعيات وصول الإسلاميين للحكم. ويؤكد رئيس تحرير صحيفة "هارتس" (الإسرائيلية) أن مصر في عهد مبارك كانت بمثابة "حارس لـ(إسرائيل)"، مشيراً إلى أن (إسرائيل) وجدت مصلحتها في استقرار الأنظمة الاستبدادية في الدول العربية المجاورة.

 ويهدف التحذير من صعود الإسلاميين بشكل خاص إلى الحفاظ على الرواية الرسمية (الإسرائيلية) القائلة أن زوال أنظمة الاستبداد في العربي سيكون مقترناً بالضرورة بصعود حتمي وخطير للحركات الإسلامية، مما يوجب على العالم عدم المساعدة في تحقيق هذا السيناريو. 

ويقر يوسي بيلين  بأن الحكومات (الإسرائيلية) المتعاقبة كانت دوماً تفضل الأنظمة الديكتاتورية، على اعتبار أن هذه الأنظمة تكون في العادة " برغماتية " تكتفي بدفع ضريبة كلامية في دعمها للفلسطينيين، لكنها في الخفاء لا تتردد في إقامة تحالفات مع (إسرائيل)، وذلك بعكس الأـنظمة الديمقراطية التي تخضع للرقابة وتكون مطالبة بأن تتخذ قراراتها على أساس شفاف.

ويدلل بيلين على ما يقول بما تضمنته وثائق " ويكيليكس "، التي أظهرت بشكل واضح أن الأنظمة العربية كانت معنية بمواجهة إيران وبرنامجها النووي أكثر مما هي معنية بمواجهة (إسرائيل)، وأنها لا تلقي في الواقع بالاً لمعاناة الفلسطينيين، ولا تأبه كثيراً بحل القضية الفلسطينية.

ولقد ارتبط مفهوم " استقرار الشرق الأوسط " في الخطاب السياسي (الإسرائيلي) ببقاء أنظمة الحكم الديكتاتورية في العالم العربي، بحيث أن (إسرائيل) اعتبرت أن أي محاولة لإسقاط هذه الأنظمة تهديداً لـ " استقرار " المنطقة. ويستدل من خلال الجدل الداخلي (الإسرائيلي) على أن النخب الحاكمة في (تل أبيب)ت تميل بشكل واضح إلى تفضيل بقاء الأنظمة الشمولية في العالم العربي، حتى لو كانت تنتمي إلى ما يعرف بـ "محور الممانعة "، كما هو الحال بدول "الاعتدال"، على اعتبار أنها " ضمانة للاستقرار".

ومن نافلة القول أن "استقرار" المنطقة يضمن ل(تل أبيب) تحقيق مصالحها الاستراتيجية، بغض النظر عن المعاناة التي يكابدها مئات الملايين من المواطنين العرب تحت سيطرة الأنظمة الديكتاتورية. ويعني "الاستقرار" أن تواصل (إسرائيل) التملص من استحقاقات أية تسوية سياسية للصراع حتى في حدودها الدنيا بالنسبة للعرب والفلسطينيين، فهي تعي أن كل ما يعني أنظمة الاستبداد في العالم العربي هو بقاؤها فقط، وبالتالي فهي لن تبادر لتغيير أنماط العلاقة القائمة مع (إسرائيل) لمجرد إن حكوماتها ترفض الوفاء بمتطلبات تسوية الصراع، حتى في حدودها الدنيا.

لقد أثبت الرئيس مرسي ذكاءً سياسياً في التعاطي مع الملفات الدولية، التي كانت (إسرائيل) تتطلع لأي خطأ يصدر منه بشأنها حتى تهاجمه بشكل مباشر، في مسعى لنزع الشرعية الدولية عن حكمه. لكن لأن مرسي لم يمنحها هذه الفرصة، فإن (إسرائيل) باتت تكتفي بمحاولة شيطنة حكمه من خلال الطعن في الحركات الإسلامية ودورها وأهدافها.

 

اخبار ذات صلة