غزة - شيماء مرزوق
يعيش قطاع غزة حالة من الانتعاش الاقتصادي وخاصة في مجالي البناء والعقارات بفعل إدخال السلع والبضائع ومواد البناء عبر الأنفاق, والتي حرم منها القطاع لحوالي خمس سنوات من الحصار مما أدى لتدهور الوضع الاقتصادي وتوقف حركة العمران والإنشاء في حين تصارع الضفة المحتلة حالة الركود التي تعاني منها بفعل غلاء الأسعار وفرض الضرائب والأزمة المالية للسلطة هناك عدا إجراءات الاحتلال والحواجز والقيود التي تفرضها لشل حركة الأفراد والبضائع.
وقد حذّر مؤخرا تقرير للبنك الدولي حول الاقتصاد الفلسطيني من تعمّق أزمات السلطة المالية إذا استمرت مساعدات المانحين في الانخفاض، وفي المقابل أفاد التقرير أن الاقتصاد الغزي شهد انتعاشا في عام 2011، ونموا في الناتج المحلي الإجمالي، "وقد بلغ مستوى منزلتين رقميتين".
طفرة الإنشاء
الخبير الاقتصادي د. نائل موسى أكد أن قطاع غزة شهد انفراجا بعد الثورة المصرية بفعل تدفق السلع من مصر لغزة، "وهذا ما زاد من حركة الإنشاء والبناء وخاصة بعد الحرب على القطاع التي خلفت دمارا كبيرا", معتبرا أن قطاع الإنشاءات تشابكاته كثيرة مع القطاعات الأخرى، "وهذا ما يحدث الانتعاش الاقتصادي".
وذكر موسى أن عيوب الاستثمار العقاري تكمن في أنها مؤقتة، فالنمو الذي تعيشه غزة سينتهي في حال اكتفائها من قطاع الإعمار والانشاء.. "إلا في حال استفادت الحكومة من هذا الوضع في إنشاء قطاعات توسيعية أخرى وتوجيه الاستثمار للقطاعات الأخرى المنتجة".
وأكد المحلل الاقتصادي جعفر صدقة بدوره أن ما حدث في غزة من نمو في النصف الثاني من العام 2011 يعود لبعض التسهيلات، "سواء بإدخال البضائع وزيادتها أو إدخال بعض المواد لمشاريع الإنشاءات (...) نظرا لما كان يعيشه القطاع من أوضاع متدهورة وصلت لحافة الانهيار فإن أي تطور إيجابي سيجد له صدى كبيرا", معتبرا أن هذا الانتعاش يدل في جانبه الآخر على الوضع السيئ الذي تعيشه غزة في ظل الحصار.
وأوضح صدقة أن قطاع الإنشاءات ساهم في ارتفاع النمو الاقتصادي بحوالي 15% في العام 2011، "وذلك لارتفاع حجم البضائع الداخلة للقطاع والسماح بتصدير بعض البضائع من غزة إلى الخارج, ولكن هذا النمو يعكس الوضع المأساوي الذي وصل له الاقتصاد الغزي"، مشددا على ضرورة رفع الحصار عن قطاع غزة، "وأن تأخذ الدور الاقتصادية مداها حتى تعكس حجم النمو الحقيقي".
وذكر التقرير الدولي -المذكور سالفا- أن النمو في الضفة قد تباطأ فعليا في عام 2011 مقارنةً بالسنة الماضية، "وذلك لانخفاض مستوى الدعم الذي تقدّمه الجهات المانحة وأزمة المالية العامة، وفرض (إسرائيل) نظام القيود على الضفة الذي يمنع التدفّق الحر للحركة التجارية والسلع".
وهنا لفت موسى إلى أن الضفة تعيش حالة من الركود الاقتصادي، "وذلك لانخفاض الدخل والحالة السيئة التي تمر بها الضفة بالإضافة إلى انخفاض المساعدات والمنح التي كانت تدفع للسلطة, فقد أعلن كثير من المانحين أنهم لن يقدموا مساعدات لها هذا العام"، موضحا أن سياسات فياض الاقتصادية زادت من حالة الركود الاقتصادي في الضفة.
بينما أشار صدقة إلى أن الضفة تعاني حالة ركود بفعل الأزمة المالية الخانقة التي تعانيها السلطة, "وبفعل اعتماد النمو الاقتصادي خلال السنوات الماضية على المساعدات الخارجية, وهذا ما جعل النمو غير مستدام لاعتماده الكبير على الانتعاش الحكومي والمساعدات الخارجية؛ لذلك فإن أي خلل في أداء الحكومة ينعكس مباشرة على الاقتصاد"، لافتا إلى أن الارتفاع الكبير في أسعار المواد والسلع حدّ من القدرة الشرائية للمواطن الفلسطيني، "وهذا ما انعكس سلبيا على الأسواق".
القطاع الواعد
ويؤكد تقرير البنك الدولي أنه لا يمكن التوسع والنمو في الاقتصاد الفلسطيني إلا في حال رفعت (إسرائيل) القيود المتبقية على إمكانية الوصول إلى الأراضي والمياه.. وإلى مجموعة متنوعة من المواد الخام وأسواق التصدير.
وفي هذا الجانب نبّه موسى إلى أن الإجراءات (الإسرائيلية) هي العائق الأكبر الذي يواجه الاقتصاد الفلسطيني، "لكن بطرق مختلفة؛ ففي غزة يجري ذلك عن طريق العدوان والقصف والتدمير أما في الضفة فبفرض القيود والحواجز التي تعوق حركة البضائع والأفراد", مشيرا إلى أن الفلسطينيين محكومون بنظام "جمركي مشوه" يخدم مصالح الاقتصاد (الإسرائيلي).. "بدلا من أن يقوم على المصلحة المتبادلة".
واتفق صدقة مع موسى في أن الاجراءات (الإسرائيلية) هي المعوق الأول لأي انتعاش اقتصادي, لافتا إلى وجود القيود والحواجز التي تفرضها (إسرائيل) على حركة البضائع والأفراد، "وهذا ما يحد من قدرة الاقتصاد الفلسطيني على النمو".
ودعا التقرير السلطة لتحسين بيئة الأعمال وجذب الاستثمارات التي تحتاج إليها، وذلك عبر تدابير مثل توسيع نطاق تسجيل الأراضي في الضفة، "وإصلاح القوانين الراهنة التي تحكم قطاع الأعمال، وبناء قدراتها الذاتية بغية تنظيم الاقتصاد وضمان المنافسة".
وهنا يقول موسى: "القطاع الخاص هو الواعد في الأراضي الفلسطينية لأن استثمارات الحكومة غير مدرة للدخل وكلها تقوم على الإصلاح والترميم وتعبيد الشوارع, فالسياسات الحكومية لا تشجع الاستثمار والإنتاج".
ويضيف: "على الحكومة أن تنشئ (الكود الفلسطيني) لأن كثيرا من المشاريع الفلسطينية أغلقت لمصلحة المنتجات الصينية غير المطابقة للمواصفات العالمية", مطالبا بتوفير بيئة استثمارية صحية، "وتأمين إجراءات التصدير والاستيراد وفتح أسواق للقطاع الخاص في الخارج".
وشدد على ضرورة دعم المنتج الوطني وتفضيله وشرائه بدلا من المنتجات الأجنبية وتخفيض الضرائب عن المستثمرين؛ "وذلك لإعطاء الأفضلية للمنتج المحلي".
أما صدقة فأكد ضرورة أن يكون للقطاع الخاص دور أساسي في دعم الاقتصاد الفلسطيني الذي يعاني تشوهات في هيكليته.