حريّة.. حافلة.. واحتفال!

الرسالة نت -محمد بلّور

شقت الحافلة المحررة طريقها وسط خطين من البشر يتسعان ويضيقان حسب سرعة الحافلة وكأنهما أحجار دومينو يستجيبان للعزف. رأيت في الحافلة وجوها مجهدة وأصابع معقوفة وقابلت رجالا سمعت بهم منذ عشرين سنة وسعدت بصحبتهم طوال ساعة ونصف.

التصقت وجوه مستبشرة بالنوافذ مطلقة عبارات متشابكة "أهلا بكم .. حمدا لله على السلامة.. نوّرت غزة", وكانت كلما انخفضت سرعتها انطلقت فرقعة ناتجة عن ارتطام أكف المهنئين براحات الأسرى المحررين المطلة من النوافذ ممزوجة بآلاف الابتسامات. 

المحررون كانوا ينظرون من النافذة كأنهم سيّاح في وطنهم, يستعينون بترجمة الأشياء من حولهم على نقر الذاكرة المحررة والمبعدة قسرا منذ سنوات طويلة.

طعم الحريّة

عندما قفزت إلى إحدى العربات التي تقلّهم مقابل مخيم النصيرات قرأت معالم الفرح والحرية طازجة في حركاتهم وإيماءاتهم.

يا الله !! كيف يبدو مذاق الحرية في ملامحهم وعيونهم المفتشة في الطرقات تبحث عن كل شيء لتشبع من تلقائيته وقد استمر بهم المقام حتى وصلوا أرض الكتيبة وهناك اختلف المذاق بنحو أكثر عذوبةً!!. 

واختلطت داخل الحافلة أحاديث المحررين عن معالم تركوها منذ سنوات طويلة وتغيّرت الآن.كان كل شيء بالنسبة لهم مهما وجميلا مثل مفترق الشهداء الذي ما إن وصلوه حتى شرع بعضهم في الحديث عنه وتكرر الأمر بالنسبة لشارع المجمع الإسلامي وطريق البحر.

أما المحررون من الضفة ومعظمهم من الخليل فقد اكتفوا بمراقبة الطريق والرد على هتافات المهنئين التي اقتحمت النافذة بين لحظة وأخرى.

أبو عمران

جلست خلف رجل في الخمسين, لاحظت أن جبهته ترتفع وتنخفض انفعالا مع ما يرى, الخطوط المجهدة حول عينيه تضيق وتتسع بانتظام كلما مرّت عيناه على شوارع غزة التي تحييه بآلاف الوجوه. راحته اليمني تقبض على بندقية آلية m16 وقد أخرج طرف فوهتها من النافذة وبجوارها التصقت به سيدة أظنها زوجته وخلفه أقاربه. 

عرّف نفسه بصوت واهن: محمود جابر الغول, أبو عمران أمضيت 24 سنة وأسبوعا في الأسر كنت محكوما بالمؤبد وخرجت بفضل الله ثم بفضل القسام وفصائل المقاومة الذين استطاعوا أن يرغموا الاحتلال على إطلاق سراحي وسراح إخواني وأخواتي المجاهدات.

استحضرت فورا من ذاكرتي بعض المعلومات عن أبي عمران , ربطتها بصداقته مع الشهيد يحيى الغول والأسير المحرر محمد حسّان وعلما بمدى حبه لقريته المغراقة سألته ما هو شعورك برؤية البساتين الزراعية قرب المغراقة الآن؟ فأجاب: شعوري لا يوصف وهو يوم من أيام الله اعتبره مثل فتح مكة, أنا تركت غزة والمنطقة منذ زمن طويل ولي الآن 3 ساعات ومن كثرة الناس والقسام في الطريق لم نصل بعد فالشباب والشيب والرجال خرجوا لملاقاتنا".

عاد أبو عمران بعد إجابته الأخيرة ليغرق مجددا في نشوة الحرية وهو يطل برأسه من النافذة, المرأة التي بجواره همست له كثيرا والشاب الذي خلفه عمل كمرشد سياحي لكن أبو عمران كان يومئ برأسه فقط مع تزاحم المشاهد من حوله ومئات الراحات التي تصافحه من النافذة طوال الطريق. 

لؤي قفيشة

بجوار باب الحافلة حافظ المحرر لؤي قفيشة على مشاعره متفاعلا بانتظام مع الأيدي المطلّة من النافذة.

أرخى وشاحا ملونا بالعلم وشعار صفقة وفاء الأحرار على قميصه بينما تبعثرت خصلات شعره فوق رأسه وهو يحيي المواطنين على طريقته الخاصة, كان يفرد راحته ويضعها فوق رأسه ثم يتمتم بلهجته الخليلية المعروفة.

وعلى غير ترتيب بدأ قفيشة حديثه بالإشارة لمن تركهم في الأسر داعيا لهم بالثبات وتفريج الكرب قريبا.وقال: انأ الأسير المحرر لؤي قفيشة من الخليل شعوري لا يوصف نهائيا بتاتا لا يوصف نسأل الله أن يبارك في أهل غزة فهم أهل الخير.. غزة أهل عزة , غزة هي الرنتيسي والياسين.

أرخى منظاره الطبي على أنفه وبدت عيناه محمرّة وهو يناجي أسرى قابعين خلف القضبان لم تشملهم الصفقة: لا أستطيع أن أصف لك شعوري بتركهم خلفي , فلا زال كل أسرى خلية صوريف في الأسر سوى واحد ولازال كبار الأسرى وآخرين محكومين بالمؤبدات في الأسر فقط أقول الله يثبتهم..

محمد الجولاني

خلف لؤي جلس شاب متوسط الطول يرتدي سروالا وقميصا أسودا, إذا نظرت إليه للحظة يرد مسرعا بابتسامة محببة.

الناظر إليه يترجم شخصيته بأنه شجاع وبنيته قوية ومع ذلك تشير ملامحه أنه طيب على كل حال.أرخى المحرر محمد الجولاني جسده على مقعد الحافلة رافعا ساقه المتعبة من ضيق المساحة بين المقعدين وهو يتابع حركة المرور صامتا لا يتدخل سوى عندما يكتظ الشارع بالمهنئين فيهاجموه بعبارات الترحيب ويرد هو بصوته الخافت: حياكم الله, بارك الله فيكم.

ابتسم ثم عرف بنفسه: "حمد الجولاني من الخليل محكوم 5 مؤبدات أمضيت منها 6 سنوات وشعوري الآن هو شعور عزّة ونصر للإسلام والمسلمين وهذا نصر للمقاومة ونصر للبلد العزيزة والحمد لله.

نافذ حرز

في المقعد قبل الأخير التصق المحرر نافذ حرز بالنافذة لا يشده عنها سوى تلك المرأة التي تجذبه بالحديث نحوها وهي دائمة الابتسام. 

وتبدو معالم الإجهاد واضحة على المحرر حرز بينما ساءت أحوال هندامه نظرا لمئات الأيادي التي تناولته بالسلام والتحية ومئات الشفاه التي طبعت القبلات على خديه قبل أن تجذبه للمعانقة.

وقال حرز: "أنا المحرر نافذ حرز أمضيت 26 سنة في الأسر بالتمام والكمال وأقول إن المقاومة هي الوسيلة الوحيدة لتحرير فلسطين ولازال هناك أسرى في سجون الاحتلال تتعرض إنسانيتهم للاغتيال!.

وأشهر حرز سبابته كأنه يحذر من خطورة ما يدلي به وأضاف: "هناك أسرى من الضفة وغزة والقدس لهم 20 و30 سنة في الأسر يتعرضون للقتل البطيء وقد حملوني رسالة للمقاومة الإسلامية والشعبية أن يعملوا بكل الوسائل لتحريرهم".

وأكد أن إدارة السجون بالاشتراك مع المخابرات (الإسرائيلية) يدبرون مؤامرة لتصفية الأسرى واغتيالهم بصورة بطيئة.

وبارك صفقة الأسرى مشيرا أنه ترك أسرى يعانون مضيفا: "أوجه رسالة لخالد مشعل وكل القادة أن يعملوا بكل الوسائل فأبناؤكم في الحركة الأسيرة أمانة في أعناقكم!

الاحتفال

فضّل موكب حافلات الأسرى أن يسلك طريق الساحل , حتى هتف أحدهم في الحافلة هذا هو البحر , مباشرة امتدت أعناقهم خاصةً أسرى الضفة نحوه باشتياق!

قال احد المحررين من غزة لزملائه من الضفة: "هذا هو بحر غزة الذي حدثتكم عنه", رد أحدهم من المقعد الخلف مبتسما: هذا هو عن حق وحقيقة!!

ثارت نكتة بين اثنين من المحررين متفق عليها يبدو أنها تخص البحر فعلا صوتهما بالضحك, ضحك من القلب!! ومضاف عليه فرحة النصر والتحرير.

تكرر المشهد على طريق الساحل. الآلاف اصطفوا على جانبي الطريق، أحدهم اقترب بدراجة نارية وخلفه شاب رفع راية فتح الصفراء.

اقترب سائق الدراجة النارية من الحافلة وقال لا فرق بين حماس وفتح أهلا بكم ثم ابتلعته الطريق وهكذا تكرر مرور الدارجات النارية من حول الحافلة كلهم يدلي بجملة أو كلمتين للحافلة مرحبا بالأسرى ثم يختفي.

فضّل السائق أن يأتي من خلف منصة الحفل وقبيل الوصول ازداد الزحام حتى أن أحدهم حاول القفز للحافلة فنهره الوفد المرافق للمحررين لكنه أصرّ وقال إن والدي بالداخل.

حشر الشاب جسده وولج للحافلة في حين جاء دور آخر يحمل صورة لأحد ركاب الحافلة هتف باسمه وكأنه يملك تصريحا للدخول ثم دخل واستقر على مقعد بالحافلة.

وصلت الحافلة للجهة الخلفية من منصة الحفل فتكاثر الناس من حولها كل ما استطعت رؤيته النافذة الخلفية للحافلة التي أمامنا والتي حملت رقم 8.

بدأت ترتيبات نزول الكل من حول الحافلة متلهّفا ليشبع من وجوه المحررين, عشت دقائق معدودة وكأني أحدهم, شعور راق بالتقدير تقرأه في عيون الناظرين إليك ولولا سترة الصحافة التي أرتديها لتناولوني بالسلامات الحارّة مثلهم.

عشرات رجال الشرطة شبكوا أذرعتهم لإفساح الطريق حتى نزل المحررون بخط متعرج نحو منصة الحفل.

صعد المحررون إلى المنصّة آخرون استعانوا برجال الشرطة لمعاونتهم على الصعود, أرجلهم كانت لا تقوى على المشي بحرية وأكفهم كانت واهنة لا تقبض على الأشياء بسهولة نظرا لتدهور صحتهم من الإضراب عن الطعام طوال ثلاثة أسابيع.

بدأ المشهد بالتلويح بالأعلام والرايات التي كانت بأيدي المحررين, آخرون تقدموا نحو المنصّة وهم يرتدون أكاليل الزهور بينما احتضن رئيس الوزراء إسماعيل هنية أحد المحررين ورقص لدقيقة.

تفاعل الجمهور بحرارة معهم, نظرت للجهة المعاكسة تشتت الأحاسيس والنظرات، البعض يبحث عن محرر يعرفه.. آخر ينادي متشككا على محرر نسي ثلثي ملامحه ورجال وسيدات اختلطت مشاعر الحزن والفرحة في وجوههم.

اصطف المحررون على المنصّة بينما استمر رجال الشرطة في منع الطامعين في الوصول للمحررين ومعانقتهم, ببساطة كل شيء كان يغني في الحفل!.

تمكن المنشد عبد الرحمن العوينات من إثارة روح التفاعل من جديد على نفوس مستعدة أصلا, تمايلت الأجساد وهللت الأفواه ثم ارتفعت الأيادي مطالبة بالمزيد من النشيد العذب. طافوا بالمحرر القائد يحيى السنوار حتى يتمتع الحضور برؤيته أسفل المنصّة, وصل متحاملا على جسده المتعب وشرع في كلمته.

تكلم ببساطة وثقة, تحدث عن فرحته مخفيا ابتسامة الحرية وطالب بتحرير من خلفه بوضوح وكان كلما وصل لنقطة ساخنة من الحديث هلل الناس وكبروا. الفقرة الثانية التي سبقها تفاعل الجمهور وتصفيقهم هي كلمة رئيس الوزراء إسماعيل هنية, بدا هنية بشعره ولحيته البيضاء كفارس فضّي عاد للتو من أرض المعركة.

كان نجم الحفل والحرية وسط ضيوف الحافلات الواصلين للتوّ, اتسم خطابه بالوضوح وتحية مصر وتثمين تضحية الأسرى والوعد بتحرير المزيد. كعادته لوّح بسبابته وعندما وصل للقطعة المعنية بالتضحية التف بجسده نحوهم وقال: هؤلاء يستحقون منا كل التضحية.

وقبيل انتهاء المهرجان بربع ساعة بدأ أهالي المحررين يسحبونهم ليغادروا المنصة. في الأسفل تجدد المشهد.. قبلات وعناق ودموع تحجرت في الجفون وأخرى شقت طريقها.

في أقل من نصف ساعة كان المحررون برفقة ذويهم يعودون إلى منازلهم حيث شكلوا تجمعات على نقاط محددة لكل محرر ثم ساروا بمسيرة مركبات وأعلام نحو منزل كل محرر.وحدهم أسرى الضفة الغربية والأرض المحتلة ظلوا على المنصّة لمعرفة مكان إقامتهم وتوزيعهم على أماكن السكن الجديدة.

ولازالت غزة والضفة تستدعي من ذاكرتها مشاعر الاشتياق والفرحة لمن طالت غيبتهم فتواصل سلسلة احتفالات ميدانية وجماهيرية انطلقت منذ صباح الثلاثاء ولا أظن لها من نهاية لتعانق الفرحة بخروج الأسرى المحررين في المرحلة الثانية.