غزة-كمال عليان-الرسالة نت
كانت تتأمل في ولدها الصغير المتربع بين ذراعيها في السيارة، وتشعر بأنها آخر نظرات قد تغذي عيونها به، وكأنها تقول له: دعني أشبع منك يا بني ما استطعت في هذه الدقائق المعدودة، ودعني أحمل وجهك معي لأموت راضية مطمئنة، ويكتمل بك عمري.
على اعتاب الساعة الثانية عشر من مساء يوم الجمعة الماضي، حملت ابنها الصغير "سعيد"، ولملت اغراضها، وودعت بيت اهلها في مدينة رفح لتعود مع زوجها وطفلها إلى محل إقامتهم "المفترض" بمشروع بيت لاهيا شمال غزة، قبل أن يحول القدر دون ذلك.
لم يدرك "سعيد" أن أمه لن تراه بعد اليوم، أو أن تكون هذه هي "نظرات الوداع"، تركت كل تعاليمها بين يديه، وأبقته بلا موعد مع بسمة قادمة، فهو لن ينهض باكرا كعادته ليجد أمه التي كانت تلاعبه وتطعمه، لن يذهب معها مرة أخرى إلى بيت جده، أو إلى عيادة "الوكالة" ليأخذ إبرة التطعيم، أو أن تشتري له لعبته المفضلة، لن يحرس ظلال حلمه أمٌ كانت ترفع السماء بيديها طيلة العام والنصف الماضية كي ينام "الملاك".
توفيت أم سعيد وزوجها ليتركوا فلذة كبدهم يتيما، يتساءل الآن وهو يرقد على سريره الأبيض بالمستشفى، ما حاجتي للعيش بعد اليوم؟ أين أمي وأبي؟ لماذا تركوني؟ لماذا لم يأخذوني معهم؟ أرحلوا وأبقوني جسد بلا روح؟ أولست أنا من أحبوا؟ ألم يقولوا لي أن لي أخُ صغير سيولد اليوم؟ ماذا يحدث يا ترى؟ هل هذا ما يسمى الفراق؟.
حاول عقلُه فك شِفرات هذه اللوحة، لكنها ما تزالُ عصية على الفهم بالنسبة له، حتى أمضى نهارِه الأول بعيدا عن بيته، وعن كُرَته ومسدسِه الصغير، بعيداً عن التلفاز ومشاهدةِ الرسومِ المتحركة؛ ليبقى على أمل رؤيتهم من جديد..
وكان قد توفي أربعة مواطنين بينهم سيدة وأصيب طفل بحادث سير مروع وقع بعد منتصف الليل في بلدة القرارة شرقي مدينة خانيونس جنوب قطاع غزة، بعد اصطدام سيارة مدنية مسرعة حاولت تجاوز شاحنة كانت تسير على طريق خانيونس فاصطدمت بشجرة كبيرة مما أدى إلى تحطمها بالكامل ووقوع الإصابات.
وبحسب المصادر الحكومية فإن الضحايا هم: المواطن سعيد عودة (54 عاما) وابنه فادي عودة (25 عاما) وزوجته ألاء جهاد غنام (22 عاما)، وقائد سرايا القدس في شمال القطاع محمد الرزاينة (43 عاما)، بالإضافة إلى إصابة الطفل سعيد فادي عودة (عام ونصف) بجراح طفيفة.
"الرسالة" عرفت تفاصيل الحادثة، والتقت أقارب المتوفين الذين يقنطون في بيتهم في منطقة مشروع بيت لاهيا شمال غزة، جميعهم كانوا يكابرون حتى لا يذرفون دمعتهم أمام الغرباء.
الشاب العشريني محمد عودة ابن عم الفقيد بدأ حديثه حول تفاصيل الحادث بروح ألهبتها الفاجعة قائلا:" فادي وزوجته كانوا في زيارة إلى أهلها بمدينة رفح جنوب القطاع، وعندما عادوا عن طريق صلاح الدين حاول السائق تجاوز إحدى الشاحنات على الطريق ولكنه لم يكن يعلم بوجود سيارة "بيجو" أخرى، فاصطدم بشجرة كبيرة مما أدى إلى تحطمها بالكامل ووقوع الإصابات".
أطرق محمد رأسه وصمت هنيهة ثم أضاف :" جميعهم ماتوا جراء الحادث ولم يبق منهم سوى ابنه الصغير سعيد وهو مصاب حتى الآن ويرقد في مستشفى كمال عدوان".
وفي لحظة ألم جثمت على صدور من كانوا في المكان جميعا قطع الحاج الأربعيني أبو محمد عودة وهو عم الزوج المتوفى صمت الجميع وكانت دمعته تغطي عينيه بضباب حزن كثيف وقال أنه لم يصدق خبر وفاة أخيه أبو فادي وابن أخيه وزوجته حتى هذه اللحظة، واصفا الخبر بالفاجعة.
ويضيف محمد وقد خرجت منه حشرشة دمعة قاسية :" بعدما تم ابلاغنا بالحادث صدم الجميع وهرعنا إلى مستشفيات خانيونس لنتأكد من الخبر وكانت الصدمة أن جميعهم ماتوا".
صمت لؤي قليلا ثم استعاد قوته من جديد ليكمل :" كان ذلك المشهد هو أصعب مشهد رأيته في حياتي فلم أكن أتصور أن يحدث ما حدث ولكن الحمد لله على قضاء الله وقدره".
كثيراً ما كنا نسمع في طفولتنا القصص وهي تُروى لنا، كانت نسيج خيال سطرته أفواه أهلنا على مسامعنا، ربما كان الهدف منها التسلية أو تهذيب النفس وأخذ العبر، ولكن ما نكبر يوما حتى تصبح تلك القصص حقيقية، ومؤلمة، مفجعة تنتهي بسقوط أبطالها الكبار، ولكن بطل قصتنا هذه هو طفل صغير "سعيد" أتمنى أن يرى من اسمه جزءً من حياته، كلنا أمل بأن الليل مهما طال فلا بد من بزوغ فجر جديد يحمل في طياته كل البِشْرِ والخير والسلام.