قائمة الموقع

خلفيات تواطؤ أثينا مع تل أبيب لإحباط "الحرية 2"

2011-07-07T06:40:00+03:00

صالح النعامي  

حتى وقت قريب كانت اليونان أكثر الدول الأوروبية مناصرة للقضية الفلسطينية، وكانت الأحزاب اليونانية تتنافس فيما بينها للتعبير عن تضامنها مع الشعب الفلسطيني. لقد كانت مشاركة الساسة والنخب اليونانية في الفعاليات التضامنية مع الشعب الفلسطيني واضحة للعيان، وكان يتم في العاصمة اليونانية أثينا الكثير من المؤتمرات المؤيدة للقضية الفلسطينية.

ومن المفارقة أن تكون اليونان تحديداً هي الدولة الأوروبية التي تتطوع لإنقاذ إسرائيل من ورطتها وتعلن أنها لن تسمح لسفن أسطول الحرية بمغادرة اليونان. وقد سوغت الحكومة اليونانية هذا الموقف بالقول أنه ينسجم مع متطلبات الأمن القومي لليونان.

إن السلوك اليوناني غير مرتبط بالأزمة الاقتصادية الخانقة التي تمر بها اليونان، وحاجة أثينا لدعم دول العالم، إنما مرتبط أساسا بتحولات واضحة على البيئة الاستراتيجية في منطقة البلقان وعلى رأسها اليونان، أدت إلى التقارب اليوناني الإسرائيلي.

إن التحول في الموقف اليوناني جاء في الأساس نتاج تحرك إسرائيلي للبحث عن حلفاء جدد بعد تدهور العلاقات الإسرائيلية التركية في أعقاب أحداث أسطول الحرية 1، وهي الأحداث التي قتل فيها سلاح البحرية الإسرائيلي تسعة من المتضامنين الأتراك الذين كانوا في طريقهم لفك الحصار عن قطاع غزة.

وكما قال وزير الخارجية الإسرائيلي أفيغدور ليبرمان فإنه توجب على إسرائيل عندها العمل بسرعة فائقة لمحاولة تعويض ما خسرته من مزايا بتراجع التحالف الاستراتيجي مع تركيا، وعلى رأس ذلك تعزيز العلاقات مع دول البلقان.

ويشير ليبرمان إلى إن الخسائر الإسرائيلية الناجمة عن تراجع التحالف مع تركيا تتمثل في توقف تركيا عن منح إسرائيل التسهيلات العسكرية، وعلى رأسها السماح لطائرات سلاح الجو الإسرائيلي بالتدرب على الطيران في أجواء تركيا الواسعة، بالإضافة للتعاون الاستخباري الوثيق الذي كان يربط الأجهزة الأمنية في كل من أنقرة وتل أبيب، علاوة على توقف تركيا عن فتح مجالها الجوي أمام الطيران المدني الإسرائيلي، إلى جانب خسارة الخزانة الإسرائيلية عدة مليارات من الدولارات سنوياً جراء تراجع تركيا عن إبرام صفقات شراء السلاح الإسرائيلي، وتوجه أنقرة لمصادر تسليح أوربية وروسية.

لقد كانت أعين إسرائيل مركزة على اليونان، لذا فقد حرص رئيس الوزراء الإسرائيلي بنيامين نتنياهو على عقد لقاءات سرية مع رئيس الحكومة اليونانية بباندريو، حيث تم الاتفاق على فتح المجال الجوي اليوناني أمام الطيران الحربي الإسرائيلي للتدريب، حيث أن صغر مساحة إسرائيل يجعل من الصعب جداً على الطيران الإسرائيلي أن يتدرب على تنفيذ مهام قتالية معقدة، تضطر الطائرات فيها إلى قطع مسافات كبيرة.

لقد كانت إسرائيل تجري تدريباتها في تركيا، واضعة في حسابها إمكانية قيامها بقصف المنشآت النووية الإيرانية معنية الآن وأكثر من أي وقت مضى باستغلال المجالات الجوية لدول أخرى ليتدرب الطيارون الإسرائيليون على هذه المهمة، وفي ظروف طبوغرافية تشبه إلى حد كبير الظروف الطبوغرافية لإيران. وبعد إغلاق نافذة الفرص التركية، فإن إسرائيل وجدت ضالتها في عدد من دول البلقان التي بادر بعضها لعرض خدماته على إسرائيل مقابل الحصول على تعويض اقتصادي.

بقية دول البلقان

سرعان ما أدركت إسرائيل الطاقة الكامنة في تطوير علاقاتها مع كل دول البلقان، فعمدت إلى استثمارها بشكل معمق. فقد كان من المفاجئ بالنسبة للكثير من الإسرائيليين أن تنشر الصحف البلغارية قبل خمسة أشهر صورة يظهر فيها رئيس الوزراء البلغاري بويكو بورويسوف مع رئيس جهاز الموساد الإسرائيلي المنصرف مئير دجان في مكتب بورويسوف في العاصمة صوفيا، فقد جرت العادة ألا يتم توثيق اللقاءات والأنشطة التي يقوم بها رئيس الموساد في زيارته لدول العالم، لكن ومع ذلك فإن هناك شعورا عارما بالرضا يسود دوائر صنع القرار في تل أبيب لنتائج هذه الزيارة، وما تلاها من زيارات لدول البلقان.

ومثلت تلك الجولة بالنسبة للنخب الإسرائيلية الحاكمة نافذة فرص استراتيجية كبيرة ونادرة، مما دفع كلاً من نتنياهو وليبرمان للطلب من مراكز الأبحاث التابعة للأجهزة الاستخبارية ووزارة الخارجية اعداد دراسات شاملة حول كيفية استثمار الطاقة الكامنة في تعاظم حجم العلاقات بين إسرائيل ودول البلقان، وتحديداً اليونان وبلغاريا في أعقاب التدهور الشديد الذي طرأ على العلاقات بين إسرائيل وتركيا.

تبادل مصالح

يكشف الصحافي الإسرائيلي باراك رفيد في صحيفة "هارتس " النقاب عن أن رئيس الوزراء البلغاري بورويسوف نفسه هو الذي زار إسرائيل وطلب الاجتماع مع كل من نتنياهو ودجان وعرض عليهما تقديم خدمات، وتحديداً فتح المجال الجوي أمام الطيران الإسرائيلي للتدريب، بالإضافة لتعزيز التعاون الأمني والاستخباري مع إسرائيل.

ويشير رفيد إلى أن بلغاريا تأمل في المقابل أن توافق إسرائيل على تطوير قدراتها في مجال التقنيات المتقدمة، بالإضافة إلى إقناع السياح الإسرائيليين بالتوجه لبلغاريا بدلاً من تركيا، مع العلم أن الأخيرة كانت البلد الأكثر تفضيلاً في العالم بالنسبة للسياح الإسرائيليين.

وهناك مؤشرات على أن دول البلقان الأخرى أبدت مؤشرات " إيجابية " تجاه التعاون مع إسرائيل، وتضم هذه الدول: رومانيا التي فتحت مجالها الجوي بالفعل أمام إسرائيل، صربيا، مونتنيغرو، مقدونيا، وكرواتيا.

ولا خلاف على أن العوامل الاقتصادية ليست العوامل الوحيدة التي أقنعت دول البلقان بالتعاون مع إسرائيل واستعدادها لتعويضها عن النقص الناجم عن تراجع مظاهر التعاون الاستراتيجي مع تركيا.

ويشير رافيد بشكل خاص إلى العوامل التاريخية والثقافية والدينية، حيث أن معظم هذه الدول تكن مشاعر العداء لتركيا لأنها وقعت تحت الحكم التركي المباشر لأكثر من خمسة قرون، أثناء عهد الخلافة العثمانية، بالإضافة إلى تنامي الإسلام فوبيا في أوروبا التي جعلت الكثير من النخب في أوروبا تشعر بتضامن مع إسرائيل في مواجهتها العالم الإسلامي، وضمنه تركيا.

ولا يخفي السفير الإسرائيلي في صوفيا نحجال جانلر تأثير الإرث التاريخ والثقافي في دفع دول البلقان للتعاون مع إسرائيل، ومسارعة إسرائيل لاستغلال نافذة الفرص هذه بكل قوة.

وتؤكد محافل في وزارة الخارجية الإسرائيلية أنه في كل ما يتعلق باليونان فإن المؤسسة الأمنية والعسكرية اليونانية مارست ضغوطاً كبيرة على المستوى السياسي للتعاون مع إسرائيل بعد توتر العلاقات بينها وبين تركيا، بسبب الصراع المتواصل بين الدولتين الجارتين حول مستقبل جزيرة قبرص، في نفس الوقت فإن الأزمة الاقتصادية التي عصفت باليونان مؤخراً أقنعت حكومة ببناندريو بالبحث عن بديل آخر في التعاون الاقتصادي مع إسرائيل.

اخبار ذات صلة