القاهرة – الرسالة نت
شيعت الجماهير المصرية اليوم السبت جثمان الشاب المجهول ذي الوجه المبتسم الذي قُتل أثناء الثورة المصرية في جنازة شعبية مهيبة. وأقيمت صلاة الجنازة على جثمانه بمسجد السيدة نفيسة بالعاصمة المصرية القاهرة.
وظل جثمان شهيد الثورة حائرا يتنقل ما بين ثلاجة مستشفى الهلال ومشرحة "زينهم" لا يملك إلا أن يبتسم.. لا يبوح بأسراره أو آلامه ولا يشكو إلا لله.. يتيما ليس له أسرة تبحث عن حقه وتسأل من قتله.. أو تعطيه حق الدفن أو تقف في طوابير صرف التعويضات.
الجثمان للشاب مبتسم الوجه الذي قُتل في جمعة الغضب يوم كانون الثاني الماضي تبنّت "الأهرام" قصته منذ شباط الماضي بحثا عن أسرته.. حتى توصلت الصحيفة إلى إحدى الأسر من محافظة الشرقية التي حضرت إلى مستشفى الهلال وتعرفت أمه وقتها إليه في مشهد إنساني صعب حمل دموعا وصراخا وآلاما لتبدأ بعدها الإجراءات القانونية بتحويل جثمانه إلى مشرحة "زينهم" لإجراء تحاليل DNA لإثبات نسبه إلى أسرته، لكن المفاجأة جاءت بعدم تطابق التحاليل بينه وبين والده الذي ظل مصرا على موقفه من أن الشهيد ابنه واستغاث بـ"الأهرام" مرة أخرى خاصة بعد أن كشف عن بعض العلامات الموجودة على الجسد من جرح في وجهه وقدمه وآثار عملية قديمة لاستئصال الزائدة الدودية.
وبإنسانية استجاب الدكتور أشرف الرفاعي -مدير دار التشريح بمشرحة زينهم- لطلب "الأهرام" بإعادة التحليل مرة أخرى مع إضافة عينة من الأم إلى التحاليل لتتكرر المأساة مرة أخرى ولا تتطابق العينة لتعود الأسرة إلى قريتها بالشرقية وهي راضخة لقوة العلم والقانون مطالبين بمعرفة مكان دفن الجثمان لزيارته والترحم عليه لأنهم ما زالوا على إصرارهم بأن من يقطن ثلاجة "زينهم" هو ابنهم المختفي.
ويبقى الجثمان بعدها أياما يعاني من برودة ثلاجته منتظرا أن يأتي أحد ليسأل عنه أو يكشف عن سره، أو يذهب وحيدا إلى مقابر "الصدقة" التابعة للمشرحة، ورغم طول الغياب ومرارة الانتظار وفقدان الأمل فإن كثيرين من قراء "الأهرام" ظلوا متابعين بصورة شخصية لقصته حتى الساعات الأخيرة مطالبين بنيل شرف دفن الجثمان في مقابرهم الخاصة ومتبرعين بأكفان أو أعلام ليلتف بها جثمانه إيمانا منهم بأنه ابن مصر دفع حياته ثمنا لحريتنا دون أن يسأل عن أبسط حقوقه.
وبعد طول انتظار تحركت إحدى القارئات المصريات -التي رفضت ذكر اسمها- لتتقدم بطلب إلى المشرحة لاستلام جثمانه لدفنه إلى جوار والدها في مقابر الأسرة لتحيل المشرحة بعدها الأمر إلى المحامي العام لمنطقة وسط القاهرة، والذي وافق على الطلب وأحاله إلى نيابة قصر النيل التي أيدت الموافقة بروح القانون والإنسانية، مع اشتراطها أن تتم عملية الدفن بمحضر إجراءات رسمي وبإشراف الطب الشرعي. ليتحدد بعد هذا كله اليوم السبت موعدا لتشييع جثمانه من المشرحة إلى مثواه الأخير بعد الصلاة عليه في مسجد السيدة نفيسة؛ ليسدل الستار أخيرا وبعد مرور أكثر من شهرين على واحدة من أكثر قصص شهداء الثورة التي تحمل معاني الفخر والألم.