لم يؤدّ استئناف إدخال البضائع إلى قطاع غزة بعد إعادة فتح المعابر إلى انخفاض ملموس في الأسعار، إذ لا تزال الأسواق تعاني نقصا في السلع الأساسية وارتفاعا في تكاليف المعيشة، وسط استمرار القيود الإسرائيلية المفروضة على حركة التجارة وعدم انتظام تدفق الإمدادات بالكميات والأصناف التي يحتاج إليها السكان.
وبينما تتوافر بعض السلع الأقل إلحاحا تغيب أصناف غذائية ومواد أساسية عن الأسواق أو تطرح بكميات محدودة، في مشهد يعكس اختلالا عميقا في بنية السوق، لا يمكن معالجته بمجرد إعادة فتح المعابر.
وتكشف هذه المفارقة عن أزمة اقتصادية تتجاوز شح المعروض إلى تشوه آليات السوق نفسها، بفعل التحكم في الواردات وتراجع الإنتاج المحلي وانهيار القدرة الشرائية، ما يجعل أي تحسن في حركة الشاحنات غير كافي لإعادة التوازن بين العرض والطلب أو لخفض الأسعار التي ارتفعت إلى مستويات تفوق قدرة معظم الأسر على تحمّلها.
ارتفاعات جنونية
بدوره، قال مدير عام الغرفة التجارية في قطاع غزة، ماهر الطباع، إن الأسواق تعاني اختلالا حادا بين احتياجات السكان وما يتاح من بضائع، في ظل القيود المفروضة على الواردات، موضحا أن السلع الموجودة لا تعكس الأولويات الفعلية للمستهلكين، إذ تتوافر بعض الأصناف غير الضرورية بالتزامن مع نقص المواد الغذائية والسلع الأساسية.
وأضاف الطباع أن ما يدخل القطاع لا يتجاوز نحو 200 صنف، مقارنة بآلاف الأصناف التي كانت تصل إلى الأسواق قبل الحرب، الأمر الذي يحد من الخيارات المتاحة أمام المواطنين ويضعف قدرة التجار على تلبية الطلب.
وأشار إلى أن محدودية المعروض تسببت في ارتفاعات استثنائية في الأسعار، مع تسجيل زيادات تتراوح بين 500% و600% في بعض أصناف الفواكه والمواد الغذائية، فيما تجاوزت الارتفاعات في سلع مُنع دخولها أو شحّت بشدة مستويات 2000%، ووصلت في حالات إلى 3000%، مقارنة بما كانت عليه قبل الحرب.
ولفت إلى أن تداعيات نقص الإمدادات تمتد إلى قطاعات تتجاوز الغذاء، من بينها البناء والنقل، إذ يعرقل غياب مواد البناء عمليات ترميم المنازل المتضررة وإعادة استخدامها للسكن، بينما أدى نقص زيوت المحركات وقطع الغيار والبطاريات إلى رفع تكاليف صيانة المركبات وتعطيل عدد منها.
تشوه اقتصادي
من جانبه، قال المختص في الشأن الاقتصادي أحمد أبو قمر إن استمرار الأسعار المرتفعة بعد إعادة فتح المعابر يعكس حالة من التشوه الاقتصادي الذي أصاب أسواق غزة، نتيجة السياسات الإسرائيلية التي تتحكم في تدفق البضائع ونوعيتها وكمياتها.
وأوضح أبو قمر أن السوق لا تحتاج إلى فتح المعبر بصورة شكلية فحسب وإنما إلى تدفق منتظم وكافٍ للسلع الأساسية، بما يشمل الخضروات والفواكه والطحين والبيض واللحوم والدواجن إلى جانب الوقود ومستلزمات الإنتاج والتشغيل.
وأضاف: "عودة الشاحنات لا تعني بالضرورة عودة التوازن إلى السوق، خصوصا عندما تدخل سلع لا تمثل أولوية غذائية، بينما تستمر أزمة نقص المواد الأكثر احتياجا وقد تصل تداعياتها إلى توقف بعض المخابز عن العمل بسبب نفاد الطحين".
وبيّن أن هذا التباين بين الأصناف المتاحة والاحتياجات الفعلية يفسر بقاء الأسعار عند مستويات مرتفعة، إذ لا يكفي تحسن حركة الإمدادات جزئيا لإحداث انخفاض مستدام ما دامت السلع المطلوبة لا تصل بالكميات اللازمة.
وأشار إلى أن حجم الواردات لا يزال بعيدا عن الاحتياجات المقدرة للقطاع، إذ يحتاج قطاع غزة إلى أكثر من 800 شاحنة يوميا، في حين يبلغ متوسط الشاحنات الداخلة نحو 200 شاحنة، مقارنة بنحو 600 شاحنة ينص عليها البروتوكول الإغاثي.
ويعني ذلك أن التدفق الحالي لا يغطي سوى نحو ربع الاحتياجات المقدرة، كما يقل بنحو الثلثين عن العدد الوارد في البروتوكول، ما يبقي فجوة كبيرة في المعروض ويحول دون استعادة الأسواق قدرتها على تلبية الطلب.
وشدد أبو قمر على أن الأزمة تتفاقم بفعل تراجع الإنتاج المحلي وانكماش الطلب الناجم عن الفقر والبطالة، إلى جانب اعتماد نحو 95% من الأسر على المساعدات، وفق المعطيات التي أشار إليها، وتقليص برامج الإغاثة، بما فيها مساعدات غذائية كانت تصل إلى مئات آلاف الأشخاص.
المعابر تُفتح والأسعار لا تنخفض.. أسواق غزة رهينة التشوه الاقتصادي
الرسالة نت - خاص