☰
✕

قائمة الموقع

السحايا والأمراض المعدية تحاصر أطفال غزة

2026-11-03T10:32:00+02:00
الرسالة نت - متابعة

تتسع دائرة المخاطر الصحية في قطاع غزة مع تزايد الإصابات بالأمراض المعدية، وفي مقدمتها التهاب السحايا بنوعيه الفيروسي والبكتيري، وسط ظروف معيشية وبيئية قاسية، واكتظاظ مخيمات النزوح، وتدهور خدمات المياه والصرف الصحي، ونقص الأدوية والمستلزمات الطبية، ما يضع حياة الأطفال، ولا سيما الرضع، أمام تهديدات متصاعدة.

وتكشف المؤشرات الصحية عن تصاعد مقلق في الإصابات بالتهاب السحايا، إذ قال مدير وحدة المعلومات في وزارة الصحة بغزة، زاهر الوحيدي، إن النوع الفيروسي هو الأكثر انتشارًا، في حين يشكل الالتهاب البكتيري الخطر الأكبر، مشيرًا إلى تسجيل نحو 20 إصابة بكتيرية شهريًا.

وتتضاعف المخاوف من هذه الأرقام مع صعوبة توفير التشخيص المخبري والعلاج المناسب، في وقت تعاني فيه المستشفيات من نقص الإمكانات والضغط المتزايد على أقسام الأطفال والعناية المركزة، فضلًا عن محدودية القدرة على عزل المرضى ومتابعة حالاتهم.

ولا تبدو خطورة التهاب السحايا محصورة في ارتفاع أعداد المصابين، بل تمتد إلى المضاعفات التي قد تترتب على تأخر اكتشافه وعلاجه، خصوصًا في الإصابات البكتيرية التي تتطلب تدخلًا طبيًا سريعًا، وقد تؤدي إلى مضاعفات عصبية وفقدان السمع أو البصر، بل وتهدد الحياة.

وفي مؤشر على خطورة الوضع، تحدث رئيس قسم الأطفال في مجمع ناصر الطبي، الطبيب أحمد الفرا، عن استقبال المجمع ست حالات إصابة بالتهاب السحايا البكتيري خلال شهر واحد، توفي أربعة أطفال منها أثناء تلقيهم العلاج في العناية المركزة، مقارنة بمعدل كان يتراوح بين حالة وحالتين سنويًا قبل الحرب، وفق ما نقلته تقارير صحفية.

ظروف النزوح تهيئ لانتشار الأمراض

ويرتبط تصاعد الإصابات بتدهور البيئة الصحية والمعيشية التي يعيش فيها مئات آلاف النازحين، حيث تكدس العائلات داخل الخيام ومراكز الإيواء، وغياب المساحات الكافية والتهوية، وصعوبة توفير المياه النظيفة ومواد النظافة الشخصية، إلى جانب سوء التغذية وضعف المناعة.

وتزيد هذه الظروف فرص انتقال العدوى، خصوصًا بين الأطفال الذين يعيشون في أماكن مكتظة، ويضطرون إلى الاختلاط المستمر داخل الخيام ومراكز الإيواء، في ظل محدودية القدرة على عزل المصابين أو الحد من مخالطة الآخرين.

وحذر مختصون من أن الرضع والأطفال في الأشهر الأولى من العمر أكثر عرضة لمضاعفات التهاب السحايا، مشيرين إلى أن تأخر وصول المرضى إلى المستشفيات، أو تأخر التشخيص وبدء العلاج، قد يفاقم حالتهم الصحية ويقلل فرص تعافيهم دون آثار طويلة الأمد.

وفي هذا السياق، رصد مكتب الأمم المتحدة لتنسيق الشؤون الإنسانية ارتفاعًا في الحالات المحتملة لالتهاب السحايا الفيروسي والبكتيري منذ سبتمبر/أيلول الماضي، ولا سيما في محافظة غزة، موضحًا أن التحقيقات الوبائية والفحوص المخبرية لا تزال جارية، وأن توفير مستلزمات المختبرات يمثل ضرورة أساسية للاستجابة للمرض.

أمراض تنفسية وجلدية

ولا يقتصر المشهد الصحي في القطاع على التهاب السحايا، إذ تنتشر أمراض معدية أخرى في ظل تدهور ظروف السكن والنظافة العامة، وتراجع القدرة على توفير مياه آمنة وخدمات صرف صحي منتظمة.

وتشير بيانات الرصد الصحي التي أوردها مكتب تنسيق الشؤون الإنسانية عن الفترة من 14 إلى 20 سبتمبر/أيلول، إلى أن الأمراض المعدية شكّلت 18% من إجمالي 279 ألفًا و419 استشارة طبية أُجريت في 215 موقعًا صحيًا نشطًا، وتصدرت التهابات الجهاز التنفسي قائمة الأمراض المبلغ عنها بنسبة 52%، تلتها الأمراض الجلدية بنسبة 28%، ثم الإسهالات المائية الحادة بنسبة 20%.

وتزداد مخاطر الأمراض التنفسية مع الاكتظاظ وضعف التهوية داخل الخيام ومراكز الإيواء، حيث يصعب الحد من انتقال العدوى، خصوصًا بين الأطفال وكبار السن والأشخاص الذين يعانون من أمراض مزمنة.

أما الأمراض الجلدية، فتجد بيئة مناسبة للانتشار في ظل نقص المياه ومواد التنظيف، وصعوبة الاستحمام وغسل الملابس بصورة منتظمة، فضلًا عن انتشار الطفيليات والحشرات في أماكن النزوح، وما يرافق ذلك من التهابات جلدية وأمراض معدية.

وتشكل الإسهالات المائية الحادة خطرًا إضافيًا، لا سيما على الأطفال، في ظل تراجع جودة المياه وصعوبة ضمان سلامة الأغذية، وما قد يترتب على الإصابة بها من جفاف ومضاعفات صحية، خصوصًا عندما يتعذر الحصول على الرعاية الطبية في الوقت المناسب.

 بيئة مفتوحة للأوبئة

ويشكل تدهور شبكات المياه والصرف الصحي وتراكم النفايات أحد أبرز العوامل التي تغذي انتشار الأمراض في القطاع، إذ يعيش النازحون في مناطق مكتظة تفتقر إلى الحد الأدنى من الخدمات الأساسية، بينما تواجه البلديات والجهات الإنسانية صعوبات في تشغيل مرافق المياه وجمع النفايات ومعالجة مياه الصرف الصحي.

وحذرت منظمة الصحة العالمية من تزايد المخاطر الصحية مع اقتراب فصل الشتاء، في ظل انتشار مياه الصرف الصحي وتراكم النفايات ومحدودية الوصول إلى المياه الآمنة، مشيرة إلى أن تلوث المياه قد يؤدي إلى زيادة انتشار الأمراض، خصوصًا مع احتمالات اختلاط مياه الأمطار بمياه الصرف في المناطق المكتظة.

وتتفاقم هذه المخاطر مع تعطل أجزاء من البنية التحتية للمياه والصرف الصحي، ونقص الوقود وقطع الغيار والمواد اللازمة لتشغيل محطات المعالجة، ما يحد من قدرة الجهات المختصة على الاستجابة للاحتياجات المتزايدة.

وتأتي هذه التطورات في وقت لا تزال فيه المنظومة الصحية في غزة تعاني آثار التدمير الواسع الذي طال المستشفيات والمراكز الطبية، إلى جانب نقص الأدوية والمستهلكات الطبية وتعطل أجهزة التشخيص، ما يقلص قدرة الطواقم على التعامل مع الارتفاع في أعداد المصابين.

ووفق تقرير لوكالة غوث وتشغيل اللاجئين الفلسطينيين "أونروا" صدر في أغسطس/آب الماضي، فإن القطاع الصحي يواجه أزمة ممتدة نتيجة تدمير البنية التحتية، وتكرار النزوح، والقيود المفروضة على وصول المساعدات، والنقص المزمن في الأدوية والمستلزمات الطبية والوقود. وأشار التقرير إلى أن تدهور المياه والصرف الصحي والتغذية والمأوى أسهم في تسريع انتشار الأمراض المعدية، وزيادة سوء التغذية، وتقويض قدرة السكان على الوصول إلى الخدمات الصحية.

كما أن نقص مستلزمات المختبرات يعرقل تشخيص الأمراض وتحديد مسبباتها، وهو ما يكتسب أهمية خاصة في التعامل مع التهاب السحايا، إذ يتطلب التمييز بين النوعين الفيروسي والبكتيري فحوصًا طبية دقيقة لتحديد العلاج المناسب.

ولا تتوقف الأزمة عند حدود الأمراض المعدية، بل تمتد إلى مرضى السرطان والأمراض المزمنة، الذين يواجهون صعوبات في الحصول على الأدوية والفحوص الدورية والعلاج التخصصي، في ظل تعطل الخدمات الطبية والحاجة إلى السفر للعلاج خارج القطاع.

الأطفال في دائرة الخطر

ويظل الأطفال الفئة الأكثر عرضة لتداعيات هذا الواقع، سواء بفعل انتشار الأمراض المعدية أو سوء التغذية أو نقص الرعاية الطبية، خصوصًا أن أجسادهم أكثر تأثرًا بالجفاف والالتهابات والمضاعفات الناتجة عن تأخر العلاج.

كما يواجه الأطفال النازحون ظروفًا تزيد من هشاشتهم الصحية، تشمل الاكتظاظ، وتلوث البيئة المحيطة، ونقص الغذاء المتوازن، وغياب مقومات النظافة، فضلًا عن الضغوط النفسية التي خلفتها الحرب وتجارب النزوح المتكررة.

وفي ظل هذه المعطيات، لم تعد مواجهة الأمراض في غزة مسألة توفير أدوية داخل المستشفيات فحسب، بل باتت مرتبطة بإعادة تأهيل المنظومة الصحية، وضمان دخول المستلزمات الطبية والمخبرية، وتوفير المياه النظيفة، وتحسين خدمات الصرف الصحي، والحد من الاكتظاظ، وتعزيز برامج الرصد والتشخيص المبكر.

وتحذر المؤشرات الصحية من أن استمرار الظروف الحالية قد يوسع دائرة الأمراض ويضاعف أعباء المستشفيات، في وقت يحتاج فيه القطاع إلى استجابة صحية وبيئية عاجلة تحول دون تفاقم الإصابات، وتحمي الأطفال والفئات الأكثر هشاشة من أمراض يمكن الوقاية من كثير منها وعلاجها إذا توافرت الإمكانات اللازمة.

اخبار ذات صلة