انسحبت قوات الاحتلال الإسرائيلي، صباح اليوم الاثنين، من عدد من أحياء مدينة الخليل جنوب الضفة الغربية، عقب عملية عسكرية وحصار مشدد استمرا 10 أيام، وأسفرا عن تهجير مئات العائلات الفلسطينية، وتدمير منازل ومنشآت، وتخريب واسع للممتلكات والبنية التحتية.
وشمل الانسحاب مناطق عين دير بحة والجلدة ومحيط جامعة القدس المفتوحة، بعد عملية عسكرية فرضت خلالها قوات الاحتلال حصارًا على المدينة ومناطق محيطة بها، وأجبرت ما لا يقل عن 500 عائلة على مغادرة منازلها قسرًا، في محافظة يقطنها نحو 800 ألف فلسطيني.
وأعلن محافظ الخليل خالد دودين، صباح الاثنين، انسحاب قوات الاحتلال من المدينة، مؤكدًا أن الأجهزة الأمنية الفلسطينية باتت تسيطر على المنطقة بالكامل، وأن بإمكان العائلات التي أُجبرت على مغادرة منازلها العودة إليها، فيما تتابع الجهات المختصة الأوضاع الميدانية وتعمل على توفير الظروف اللازمة لعودتهم بأمان.
وخلفت العملية العسكرية مشهدًا واسعًا من الدمار والتخريب، إذ أقدمت قوات الاحتلال على تفجير وهدم عدد من المنازل والمنشآت، فيما حولت منازل أخرى إلى ثكنات عسكرية، ورفعت الأعلام الإسرائيلية فوق بعضها، قبل انسحابها من الأحياء المستهدفة.
وسارعت العائلات المهجرة إلى تفقد منازلها عقب الانسحاب، لتكتشف حجم الأضرار التي لحقت بممتلكاتها، وسط شهادات أولية عن تعرض أموال ومقتنيات للسرقة من داخل المنازل.
وأظهرت جولات ميدانية داخل المباني السكنية آثار تفتيش وتخريب واسعة، شملت الأثاث والمقتنيات الشخصية، إلى جانب ترك مخلفات الطعام داخل بعض المنازل التي استخدمتها قوات الاحتلال مواقع عسكرية.
وقال سكان إن قوات الاحتلال أمهلتهم خمس دقائق فقط لمغادرة منازلهم، عقب اقتحامها بعد منتصف الليل، وسمحت لهم بأخذ الأدوية والهواتف والوثائق الشخصية، دون إتاحة الوقت الكافي لإخلاء ممتلكاتهم أو الاستعداد للنزوح.
وفي أعقاب الانسحاب، حذر الدفاع المدني من خطورة الاقتراب من بعض المباني المتضررة، في ظل تصدع الجدران والأسقف واحتمال انهيارها، نتيجة التفجيرات المتكررة التي شهدتها المنطقة خلال العملية العسكرية.
أجندة سياسية وعقوبات جماعية
وفي قراءة لأبعاد العملية، قال الخبير في الشأن الإسرائيلي عادل شديد إن ما جرى في الخليل لا يندرج ضمن عقيدة عسكرية نظامية، وإنما يرتبط بصراع داخلي وأجندة سياسية يقودها التيار الديني المتشدد في الحكومة الإسرائيلية، ممثلًا ببتسلئيل سموتريتش وإيتمار بن غفير وأوريت ستروك، المنحدرين من مستوطني الخليل.
وأوضح شديد أن توسيع نطاق العقوبات الجماعية يستهدف ضرب البنية المجتمعية والنفسية للفلسطينيين، ومحاولة نقل الصراع إلى الداخل الفلسطيني، مشيرًا إلى أن هذه السياسات لم تثبت جدواها في تحقيق أهدافها على مدار التجارب السابقة.
وأضاف أن المستوى السياسي الإسرائيلي، بقيادة بنيامين نتنياهو وشركائه في الائتلاف الحكومي، دفع نحو إطالة أمد العمليات وتوسيع نطاقها، في سياق حسابات سياسية داخلية ومحاولات لترميم صورة الحكومة أمام جمهورها.
وأشار إلى وجود تباينات بين المستوى السياسي والمؤسسة العسكرية الإسرائيلية بشأن إدارة التصعيد، لافتًا إلى أن الجيش لا يبدو معنيًا بإطالة أمد المواجهة في الخليل أو توسيع نطاقها، في ظل التحديات التي تواجهه على صعيد القوى البشرية والجاهزية العسكرية.
ولفت شديد إلى أن المؤسسة العسكرية تواجه نقصًا في أعداد الجنود والضباط، إلى جانب تداعيات الإصابات الجسدية والنفسية منذ السابع من أكتوبر/تشرين الأول 2023، فضلًا عن أزمة رفض التجنيد في أوساط بعض الفئات داخل المجتمع الإسرائيلي، ولا سيما الحريديم.
وبيّن أن المؤسسة العسكرية تدرك كذلك التداعيات القانونية والدولية لمثل هذه الإجراءات، في ظل حاجة إسرائيل إلى الغطاء الأميركي والدولي، وتزايد مخاطر الملاحقات القانونية الدولية على خلفية الانتهاكات المرتكبة بحق الفلسطينيين.
خسائر اقتصادية وتعطيل التعليم
ولم تقتصر تداعيات العملية العسكرية على التهجير والدمار الميداني، بل امتدت إلى القطاعات الاقتصادية والتعليمية والصحية، في ظل الإغلاق المشدد الذي فرضته قوات الاحتلال على المدينة ومناطق محيطة بها.
وبحسب معطيات بلدية الخليل، تسبب العدوان في نزوح وتضرر أكثر من 3300 مواطن، وهدم 15 منزلًا ومنشأة، وإغلاق 327 متجرًا، فيما قاربت الخسائر اليومية المباشرة 12 مليون شيكل، أي نحو 3.8 ملايين دولار.
كما حُرم نحو 80 ألف طالب وطالبة من الوصول إلى مدارسهم، نتيجة الإغلاق والقيود العسكرية المفروضة على المدينة، الأمر الذي أضاف أعباءً تعليمية واجتماعية جديدة على السكان.
وتأتي هذه التطورات في وقت تشهد فيه الضفة الغربية تصاعدًا في الاقتحامات والاعتداءات الإسرائيلية، بالتزامن مع استمرار الانتهاكات في قطاع غزة، وسط مخاوف من اتساع نطاق العمليات العسكرية وسياسات التضييق والتهجير بحق الفلسطينيين.
بداية العملية العسكرية
وكانت قوات الاحتلال قد بدأت عمليتها العسكرية في الخليل يوم 23 أكتوبر/تشرين الأول الماضي، عقب عملية إطلاق نار نفذها فلسطينيان، وأسفرت عن مقتل جنديين إسرائيليين وإصابة ثلاثة آخرين، قبل أن يقتلهما جيش الاحتلال ويهدم منزليهما في المدينة.
وفرضت قوات الاحتلال منذ ذلك الحين إغلاقًا مشددًا على مدينة الخليل وعدد من القرى المحيطة بها، واستولت على منازل فلسطينية في حيي الجلدة وعين دير بحة، وحولتها إلى ثكنات عسكرية، بالتزامن مع تنفيذ عمليات تهجير قسري وهدم منازل ومنشآت ومحال تجارية، وتدمير أجزاء من البنية التحتية، ورفع الأعلام الإسرائيلية فوق عدد من المنازل التي سيطرت عليها.