☰
✕

قائمة الموقع

غزة.. تقليص المساعدات ونقص الخبز يعيدان شبح المجاعة

2026-10-23T16:45:00+03:00
الرسالة نت - خاص


لم يعد الخوف من الجوع في قطاع غزة مرتبطًا بنقص الغذاء وحده، بل بات يتفاقم مع تقليص المساعدات الإنسانية، وإغلاق مخابز أبوابها بسبب نقص الدقيق، واستمرار القيود المفروضة على دخول الإمدادات، في وقت فقدت فيه غالبية الأسر مصادر دخلها، وأصبحت عاجزة عن تأمين احتياجاتها الأساسية.

ومع إعلان برنامج الأغذية العالمي وقف مساعداته الشهرية لنحو 500 ألف فلسطيني في القطاع بسبب نقص التمويل، تتزايد المخاوف من تجدد المجاعة، خصوصًا أن مظاهر التحسن النسبي التي قد تبدو في الأسواق أو في تفاصيل الحياة اليومية لا تعكس بالضرورة قدرة السكان على توفير الغذاء بصورة منتظمة.

ويحذر الخبير في الزراعة والبيئة، المهندس نزار الوحيد، من أن استمرار تراجع الدعم الإنساني، بالتزامن مع تعطل القطاع الزراعي وتدهور الأوضاع الاقتصادية، ينذر بتفاقم الأزمة الغذائية، مؤكدًا أن انحسار بعض مظاهر الحرب لا يعني انتهاء آثارها المعيشية والإنسانية.

تقليص المساعدات موجة جديدة من المجاعة

ووصف الدكتور تيسير محيسن، مستشار مكتب الإعلام الحكومي في قطاع غزة، قرار برنامج الأغذية العالمي تقليص مساعداته لنحو نصف مليون شخص بأنه «كارثي وصادم»، محذرًا من تداعياته على قدرة آلاف الأسر على تأمين احتياجاتها الأساسية، في ظل استمرار العدوان الإسرائيلي والقيود المفروضة على إدخال البضائع والمساعدات بالكميات الكافية.

وقال محيسن إن القرار يأتي في وقت لا تزال فيه الأوضاع المعيشية بالغة الصعوبة، رغم تسجيل قدر من الاستقرار النسبي في الحد الأدنى من قدرة المواطنين على تأمين قوت يومهم، مشيرًا إلى أن شريحة واسعة من الأسر تعتمد بصورة أساسية على المساعدات الإنسانية، في ظل انهيار مصادر الدخل وارتفاع معدلات البطالة إلى نحو 90%.

وأضاف أن تقليص المعونات يوسع الفجوة بين احتياجات السكان وإمكاناتهم المادية، ويهدد بحرمان آلاف الأسر من الغذاء، محذرًا من أن استمرار هذا المسار قد يقود إلى موجة جديدة من المجاعة، تعجز خلالها عائلات عن توفير وجبة واحدة يوميًا.

ولا يقتصر التراجع، وفق محيسن، على مساعدات برنامج الأغذية العالمي، بل يأتي ضمن مسار أوسع من تقلص الخدمات الإنسانية المقدمة لسكان القطاع خلال الأشهر الماضية، بعدما تراجع دعم المخابز، واضطرت منشآت إلى العمل بصورة تجارية بأسعار لا تتناسب مع القدرة الشرائية لكثير من المواطنين، إلى جانب تراجع خدمات مؤسسات إغاثية أخرى، من بينها المطبخ العالمي.

وأشار إلى أن الأزمة تتزامن مع الضغوط التي تواجهها وكالة غوث وتشغيل اللاجئين الفلسطينيين «أونروا»، التي اعتمد نحو 60 إلى 65% من سكان القطاع على خدماتها، معتبرًا أن تراجع دعم المؤسسات الإنسانية، إلى جانب استهداف الاحتلال لهذه المؤسسات، يزيد هشاشة الأوضاع المعيشية ويعمق الفجوة بين الاحتياجات ومصادر الدخل المحدودة.

نقص الدقيق يهدد بتوقف مزيد من المخابز

وتتزامن أزمة المساعدات مع نقص حاد في الدقيق والمواد الغذائية الأساسية، وسط تحذيرات من تدهور إمدادات الخبز، الذي يمثل أحد أهم مكونات الغذاء اليومي للأسر في غزة.

وقال رئيس جمعية أصحاب المخابز في القطاع، عبد الناصر العجرمي، إن عشرة مخابز من أصل 17 كانت تعمل أغلقت أبوابها بسبب نقص الدقيق التجاري، محذرًا من احتمال توقف منشآت أخرى خلال الأيام التالية ما لم تصل إمدادات جديدة.

وأضاف العجرمي أن شحنات الدقيق لم تدخل القطاع لمدة عشرة أيام، ما دفع المواطنين إلى الانتظار ساعات طويلة أمام المخابز للحصول على الخبز، في ظل تراجع المعروض واشتداد الأزمة الغذائية.

وتزداد خطورة هذه التطورات مع محدودية قدرة السكان على شراء المواد الغذائية من الأسواق، بفعل البطالة وفقدان مصادر الدخل واستنزاف المدخرات. وبذلك، تتداخل أزمة نقص المعروض مع ضعف القدرة الشرائية، لتصبح حتى السلع المتوافرة بعيدة عن متناول أسر كثيرة.

وبحسب البيانات الواردة في التقارير المتعلقة بالأزمة الغذائية، أفاد برنامج الأغذية العالمي بأن نحو 1.4 مليون شخص في غزة، أي قرابة ثلثي السكان، يواجهون مستويات حرجة أو أسوأ من انعدام الأمن الغذائي، بينهم نحو 200 ألف شخص يعانون مستويات طارئة منه.

الزراعة المعطلة تعمّق الاعتماد على الإغاثة

ولا تقتصر أزمة الغذاء على نقص المساعدات والسلع الواردة إلى القطاع، بل تمتد إلى تراجع القدرة على إنتاج الغذاء محليًا، في ظل الأضرار التي لحقت بالقطاع الزراعي وصعوبة الوصول إلى الأراضي وتشغيل المنشآت الإنتاجية وتأمين مستلزمات الزراعة.

ويرى المهندس نزار الوحيد أن الحديث عن تحسن الأوضاع المعيشية، من دون النظر إلى قدرة العائلات الفعلية على شراء الغذاء وتوفير احتياجاتها، قد يؤدي إلى التقليل من حجم الأزمة، في وقت لا تزال فيه مقومات التعافي الاقتصادي والإنتاجي غائبة أو محدودة.

ويشير إلى أن الحرب لم تنتهِ آثارها على حياة الفلسطينيين، في ظل استمرار المخاطر الأمنية والقيود المفروضة على المعابر، وتعطل الزراعة واتساع البطالة وتراجع مصادر الدخل، وهي عوامل أبقت قطاعات واسعة من السكان رهينة للمساعدات الإنسانية، التي أصبحت بالنسبة إلى كثير من الأسر وسيلة أساسية لتأمين قوتها اليومي.

ويحذر من الخلط بين التحسن النسبي في بعض تفاصيل الحياة اليومية وبين التعافي الحقيقي، مؤكدًا أن عودة بعض مظاهر الحياة لا تعني أن السكان استعادوا القدرة على العيش بكرامة أو تأمين احتياجاتهم بصورة مستقرة.


الأطفال في دائرة الخطر

ومع تراجع المساعدات وتفاقم صعوبة الحصول على الغذاء، تتزايد المخاوف من انعكاس الأزمة على صحة السكان، ولا سيما الأطفال والمرضى وكبار السن.

وحذر محيسن من أن استمرار تدهور الأوضاع الإنسانية سيرفع معدلات سوء التغذية، مشيرًا إلى تحذيرات وزارة الصحة في غزة من احتمال تعرض أكثر من 74 ألف طفل لسوء التغذية بحلول بداية الربع الأول من العام المقبل، إذا استمر التدهور المرتبط بدخول المساعدات والأغذية، بما قد يؤدي إلى مضاعفات صحية خطيرة تصل إلى الوفاة.

ورأى أن تداعيات تقليص الدعم لن تقتصر على الأسر الأشد فقرًا، بل قد تمتد إلى شرائح أوسع من المجتمع، في ظل تراجع القدرة الشرائية وارتفاع الاحتياجات الأساسية وتقلص فرص الحصول على الخدمات الإنسانية.

واعتبر أن استمرار القيود على إدخال البضائع والمستلزمات الأساسية، بالتوازي مع تقليص المساعدات، يزيد صعوبة استعادة مقومات الحياة، ويبقي السكان في مواجهة يومية مع نقص الغذاء والخدمات الضرورية.

الإغاثة المستدامة شرط للتعافي

ويحذر الوحيدي من تكرار نمط تتصاعد فيه الاستجابة الإنسانية مع اشتداد الكارثة، قبل أن يتراجع الاهتمام والتمويل بينما تظل أسباب الأزمة قائمة، ما يترك السكان أمام معاناة متجددة ويحد من قدرتهم على استعادة الحد الأدنى من الاستقرار المعيشي.

ويشدد على أن غزة لا تزال بحاجة إلى إغاثة مستدامة وتمويل كافٍ، وضمان دخول المساعدات والسلع التجارية بالكميات اللازمة، فضلًا عن إعادة تشغيل القطاعات الإنتاجية، وفي مقدمتها الزراعة، بما يسهم في توفير الغذاء وفرص العمل وتقليص الاعتماد على المعونات.

وتتطلب مواجهة الأزمة، وفق المعطيات الواردة في التقرير، تأمين إمدادات منتظمة من الدقيق والوقود ومستلزمات تشغيل المخابز، إلى جانب ضمان وصول المساعدات إلى الفئات المحتاجة، وتهيئة الظروف اللازمة لاستعادة النشاط الاقتصادي والإنتاجي.

وفي ظل الظروف الراهنة، لا يُقاس التعافي بعودة بعض مظاهر الحياة أو بتراجع مشاهد الدمار في مناطق معينة، بل بقدرة العائلات على الحصول على غذاء كافٍ وآمن، وتأمين احتياجاتها الأساسية دون الارتهان الدائم للمساعدات.

فانحسار بعض مشاهد الحرب لا يعني انحسار الجوع، وأي تحسن لا يرافقه تدفق كافٍ للغذاء واستعادة مصادر الإنتاج والدخل يظل هشًا، فيما تبقى مخاطر تجدد المجاعة قائمة ما دامت أسباب الأزمة مستمرة.

اخبار ذات صلة