استيقظ أهالي مدينة الخليل جنوبي الضفة الغربية المحتلة، على وقع اشتباكات مسلحة دوّت عند المدخل الشمالي للمدينة، بعدما نفّذ فلسطينيان عملية إطلاق نار استهدفت قوات الاحتلال الإسرائيلي، وأسفرت عن مقتل جنديين وإصابة ستة آخرين، بينهم مصابون بجروح حرجة، قبل أن يرتقي المنفذان خلال اشتباك مسلح استمر أكثر من 20 دقيقة.
وأعلن أن منفذَي العملية في جبل الخليل هما حمودة جعبة وفراس جعبة، وكلاهما يبلغ من العمر 27 عامًا وينتمي إلى العائلة نفسها، ويقيمان في مدينة الخليل.
وبدأت المواجهة في محيط مفترق يهودا، حيث سُمعت أصوات إطلاق النار وسط حالة من الاستنفار الأمني والعسكري، فيما تحدث شهود عيان عن تنفيذ العملية على مرحلتين؛ استهدفت الأولى برجًا عسكريًا، تلتها مواجهة عند حاجز عسكري، استمر خلالها تبادل إطلاق النار فترة طويلة، قبل استشهاد المنفذين.
ونقلت إذاعة جيش الاحتلال الإسرائيلي أن الاشتباك استمر نحو 20 دقيقة، ما أعاق إجلاء المصابين، فيما أفادت مصادر إسرائيلية بارتفاع عدد المصابين إلى ستة جنود، تراوحت إصاباتهم بين الحرجة والمتوسطة والطفيفة.
وأعلن جيش الاحتلال، في بيان، تلقيه بلاغًا عن عملية إطلاق نار في منطقة مفترق يهودا، مدعيًا أن قواته قتلت شخصين، وأنها تواصل عمليات البحث والتمشيط في المنطقة، بالتزامن مع فرض طوق أمني على عدد من القرى المحيطة بموقع العملية.
بن غفير يدعو إلى تفكيك السلطة
وعقب العملية، وصل وزير الأمن القومي الإسرائيلي إيتمار بن غفير إلى موقعها، داعيًا إلى تشديد القيود المفروضة على الفلسطينيين، ونشر الحواجز العسكرية ومنعهم من التنقل بحرية.
وقال بن غفير إن الاحتلال «يجب ألا ينتظر السابع من أكتوبر آخر انطلاقًا من الضفة الغربية»، مدعيًا أن المواجهة المقبلة ستندلع منها، وداعيًا إلى التحرك قبل فوات الأوان، وتفكيك السلطة الفلسطينية ونزع سلاحها، والقضاء على البنية التحتية للمقاومة، وفق تعبيره.
وتأتي تصريحات بن غفير في أعقاب العملية التي كشفت، بحسب مراقبين، عن تحديات تواجه المنظومة الأمنية الإسرائيلية، رغم الإجراءات المشددة والانتشار العسكري في الضفة الغربية، وما تشهده المنطقة من حملات اعتقال وإغلاقات وحواجز متحركة.
اجتماع أمني وطوق على الخليل
وفي أعقاب العملية، ترأس رئيس حكومة الاحتلال بنيامين نتنياهو اجتماعًا أمنيًا عاجلًا بمشاركة قادة الأجهزة الأمنية الإسرائيلية، لبحث تداعيات العملية والإجراءات اللاحقة.
كما فرضت قوات الاحتلال طوقًا عسكريًا على مدينة الخليل وعدد من القرى المحيطة بها، وسط مخاوف من تشديد القيود على حركة الفلسطينيين وتوسيع نطاق المداهمات والاعتقالات والإغلاقات في المنطقة.
دلالات أمنية وسياسية
من جانبه قال المختص في الشأن الأمني رامي زبيدة إن رئيس حكومة الاحتلال بنيامين نتنياهو واليمين المتطرف قد يوظفان عملية الخليل في الحسابات السياسية والانتخابية، عبر تصعيد الخطاب الأمني وتضخيم المخاوف من تكرار العمليات، بما يعزز رواية الحكومة بشأن ضرورة تشديد الإجراءات العسكرية والأمنية في الضفة الغربية.
وأوضح أن استثمار العملية في هذا الاتجاه قد يمنح نتنياهو فرصة لتقديم نفسه بوصفه قادرًا على مواجهة التحديات الأمنية، في ظل اقتراب الاستحقاق الانتخابي وتزايد الضغوط على حكومته.
وأضاف زبيدة أن هذا التوظيف السياسي قد يفتح الباب أمام مزيد من الملاحقات والاغتيالات والاستهدافات والإغلاقات، تحت عنوان تعزيز الردع واستعادة السيطرة الأمنية، مشيرًا إلى أن اليمين المتطرف يسعى إلى استثمار حالة الخوف لتبرير سياسات أكثر تشددًا تجاه الفلسطينيين.
ولفت إلى أن تحويل العملية إلى ورقة انتخابية قد يؤدي إلى تصعيد ميداني أوسع، لا سيما إذا اتجهت الحكومة إلى اتخاذ إجراءات جماعية بحق السكان، بما يجعل التداعيات الأمنية للعملية جزءًا من الصراع السياسي الداخلي في "إسرائيل".
وفي ذات السياق قال المحلل السياسي محمد القيق إن عملية إطلاق النار تحمل دلالات أمنية وسياسية، لا سيما أنها وقعت في ظل استنفار عسكري وإجراءات أمنية مشددة وحملات اعتقال وإغلاق في المنطقة.
وأوضح القيق عبر تصريحات صحفية أن وقوع العملية في الخليل، التي شهدت هدوءًا نسبيًا خلال الفترة الماضية، واستمرار الاشتباك وسقوط هذا العدد من الإصابات في صفوف قوات الاحتلال، يطرح تساؤلات بشأن فاعلية الإجراءات الأمنية والعسكرية الإسرائيلية، وينعكس على صورة المنظومة الأمنية للاحتلال.
وأشار إلى أن طبيعة الإجراءات الإسرائيلية المقبلة ستتوقف، إلى حد كبير، على خلفية المنفذين والجهة التي قد تكون وراء العملية، لافتًا إلى احتمال أن تحاول حكومة الاحتلال توظيفها سياسيًا وأمنيًا، سواء عبر تحميل جهات خارجية المسؤولية، أو استغلال أي ارتباط محتمل لتبرير إجراءات تستهدف السلطة الفلسطينية.
وأضاف أن الاحتلال قد يستغل العملية لتوسيع الإغلاقات والاعتقالات وتشديد الإجراءات العسكرية، بما يشمل فرض عقوبات جماعية على الفلسطينيين، إلى جانب توفير غطاء لتصعيد اعتداءات المستوطنين والاستيلاء على الأراضي.
ورأى القيق أن السياسة الإسرائيلية تميل إلى التركيز على التداعيات الأمنية للعملية بدلًا من معالجة الأسباب التي تقف وراء التصعيد، مع توظيف الأحداث بما يخدم الحسابات السياسية والأمنية لحكومة الاحتلال.
وتأتي العملية في وقت تشهد فيه الضفة الغربية تصعيدًا متواصلًا في الاعتداءات والإجراءات العسكرية الإسرائيلية، وسط مخاوف من أن تتحول تداعياتها إلى مزيد من القيود على حياة الفلسطينيين، ولا سيما في الخليل والقرى المحيطة بها.