تكشف التطورات التي شهدتها أسواق قطاع غزة خلال الأيام الماضية، عقب إغلاق الاحتلال الإسرائيلي المتنفس الوحيد للغزيين "كرم أبو سالم" ستة أيام ثم إعادة فتحه جزئيا، عن حجم الاختلالات الهيكلية التي أصابت الاقتصاد الغزّي، في ظل استمرار القيود على دخول السلع الأساسية، مقابل السماح بإدخال بضائع أقل أولوية بالنسبة إلى احتياجات السكان اليومية.
فبعد إعادة فتح المعبر، لم تنعكس عودة حركة الشاحنات على توافر الغذاء بالقدر المطلوب، إذ دخلت شحنات من الفحم وسلع أخرى بينما ظلت الأسواق تعاني نقصا حادا في الخضروات والفواكه والطحين، ووصل الأمر إلى إغلاق مخابز أبوابها بسبب عدم توافر مستلزمات الإنتاج.
وتكشف هذه المفارقة أن المشكلة لا تتعلق بفتح المعبر أو إغلاقه فقط وإنما بطبيعة السلع المسموح بإدخالها وكمياتها ومدى ارتباطها بالاحتياجات الفعلية للسكان.
وتشير هذه التطورات إلى أن الاقتصاد الغزي يواجه تشوها يتجاوز نقص المعروض ليشمل اضطراب سلاسل التوريد والإنتاج وارتفاع تكاليف التشغيل وتراجع قدرة الأسواق على تلبية الطلب الأساسي. فحين تدخل بضائع لا تعالج النقص الغذائي بينما تغيب المواد الضرورية لإنتاج الخبز وتشغيل الأنشطة الاقتصادية، تصبح حركة التجارة محدودة الأثر في تخفيف الأزمة المعيشية.
وتزداد خطورة هذه الاختلالات في ظل استمرار القيود الإسرائيلية على حركة التجارة منذ اتفاق وقف إطلاق النار في أكتوبر/تشرين الأول 2025. فبينما تقدر احتياجات القطاع بأكثر من 800 شاحنة يوميا، لا يتجاوز متوسط ما يدخل الأسواق نحو 200 شاحنة يوميا، في وقت ينص فيه البروتوكول الإغاثي على دخول 600 شاحنة يوميا. ويؤدي هذا الفارق، إلى جانب القيود المفروضة على أصناف البضائع إلى إبقاء المعروض دون الاحتياجات الفعلية.
ولا تقتصر التداعيات على الغذاء وإنما تمتد إلى مستلزمات الإنتاج، مثل البطاريات ومواد اللحام والزيوت المعدنية، فضلا عن الوقود الذي يخضع لقيود على الكميات الواردة. ويؤدي نقص هذه المدخلات إلى رفع تكاليف الإنتاج والنقل والتشغيل ويحد من قدرة المنشآت على استئناف نشاطها بما يعمق الركود ويضعف فرص التعافي الاقتصادي.
وتتزامن هذه الأوضاع مع أزمة معيشية حادة، في ظل تقديرات تشير إلى تجاوز البطالة 80% وارتفاع الفقر إلى أكثر من 90% واعتماد نحو 95% من الأسر على المساعدات، وفق تقارير أممية. كما يواجه الأمن الغذائي ضغوطا متزايدة مع تحذيرات أممية من تفاقم الجوع إذا استمرت القيود على دخول الغذاء والمساعدات.
وتفاقم تراجع المساعدات هذه الأزمة إذ تعرضت مؤسسات الإغاثة لقيود متزايدة وتقلصت بعض برامج توزيع الوجبات والمساعدات الغذائية، كان آخرها برنامج الأغذية العالمي الذي قلّص المساعدات المقدمة لنحو 500 ألف شخص في القطاع. ويعني ذلك أن الأسر تواجه ضغوطا مزدوجة تتمثل في نقص السلع في الأسواق من جهة وتراجع قدرتها على الحصول على الغذاء عبر المساعدات من جهة أخرى.
ولعل ما تكشفه أزمة المعبر يتجاوز اضطرابا مؤقتا في حركة الشاحنات، ليعكس خللا عميقا في بنية الاقتصاد وآليات توفير السلع الأساسية. فالسماح بدخول كميات محدودة مع استمرار نقص الغذاء ومدخلات الإنتاج وتقليص المساعدات، يضع السكان أمام سوق عاجزة عن تلبية احتياجاتهم ويزيد مخاطر انعدام الأمن الغذائي.