☰
✕

قائمة الموقع

«فلسطيني للبيع».. صورة مهينة تقود أمًّا في غزة إلى خيط الأمل

2026-10-22T09:42:00+03:00
خاص-الرسالة نت

كانت عبارة «فلسطيني للبيع» المكتوبة بالعبرية فوق صورة رجل فلسطيني جزءًا من مشهد قاسٍ اختُزلت فيه كرامة إنسان إلى ما يشبه سلعة معروضة للبيع. لكن بالنسبة إلى الحاجة زهر شراب، لم تكن الصورة صادمة فحسب؛ بل كانت أول خيط يقودها إلى ابنها محمد، الذي اختفى في قطاع غزة خلال حرب الإبادة، وتركها لأشهر طويلة معلّقة بين احتمالين لا تستطيع الأم التعايش مع أيٍّ منهما: أن يكون حيًا ولا تعرف مكانه، أو أن يكون قد استشهد من دون أن تعرف كيف انتهت حكايته.

وبين الصورة والانتظار، وجدت الأم نفسها تتمسك بكل خبر، وكل شهادة، وكل إشارة يمكن أن تقودها إلى الحقيقة. ثم جاءها، بحسب الرواية التي تداولتها عائلته، خبر من أمٍّ أخرى فقدت ابنها، حمل إليها ما كانت تنتظره منذ اختفاء محمد: الأمل في أنه ما زال حيًا في سجون الاحتلال.

في 20 أغسطس/آب 2024، خرج محمد ربيع سعيد شراب من منزل عائلته في خان يونس جنوب قطاع غزة، متوجهًا لأداء صلاة العشاء. كان يومًا عاديًا في ظاهره، لكنه تحول إلى بداية غياب طويل لم تعرف الأسرة كيف تضع له نهاية.

كان محمد، البالغ من العمر 41 عامًا وفق تقارير نُشرت يعاني من حالة صحية نفسية تستدعي الرعاية والمتابعة المستمرتين من أسرته. وفي ذلك اليوم، شوهد في منطقة المواصي، ثم رافقه أقارب إلى محيط جامعة الأقصى في خان يونس. بعد ذلك، انقطعت أخباره، ولم يعد إلى المنزل.

بدأت الأسرة البحث عنه، ووزعت صوره وناشدت الناس مساعدتها في العثور عليه، وتواصلت مع جهات إنسانية، بينها اللجنة الدولية للصليب الأحمر. لكن الأيام مرّت من دون أن تعرف ما إذا كان محمد قد اعتُقل، أو أصيب، أو استشهد، أو أصبح واحدًا من المفقودين الذين ابتلعت الحرب أخبارهم.

بعد نحو خمسة عشر شهرًا من اختفائه، ظهر خيط لم تكن الأسرة تتوقع أن يأتي بهذه الصورة.

في 18 نوفمبر/تشرين الثاني 2025، نشر جندي إسرائيلي يُدعى هاريل أمشيكا صورًا على حسابه في إنستغرام. ومن بين الصور، ظهرت صورة رجل فلسطيني جالس على الأرض، مكبّل اليدين والقدمين، حافي القدمين ومعصوب العينين بقطعة قماش خضراء، ويرتدي لباسًا أبيض كُتب عليه الرمز «B4». وفوق الصورة ظهرت عبارة بالعبرية تعني «للبيع».

كانت الصورة كافية لتفتح جرح العائلة من جديد. فقد تعرّفت زهر شراب إلى ابنها من ملامح جسده وشعره ويديه وقدميه، رغم أن العصابة حجبت عينيه.

لكن التعرف إلى محمد في الصورة لم يبدد الحيرة؛ بل نقلها إلى مستوى آخر. فإذا كان الرجل الظاهر فيها هو ابنها، كما تعتقد الأم، فمن الذي قيّده؟ وأين التُقطت الصورة؟ وماذا حدث له بعدها؟ وهل نُقل إلى أحد أماكن الاحتجاز؟

كانت عبارة «فلسطيني للبيع» أكثر من كتابة على صورة بالنسبة إلى أم تبحث عن ابنها. لقد وضعت إنسانًا مقيّدًا ومعصوب العينين في مشهد ساخر ومهين، فيما بقيت أسرته عاجزة عن الوصول إليه أو معرفة مصيره.

وفي تصريحات نقلتها تقارير صحفية، عبّرت زهر عن وجعها من المشهد، متسائلة كيف يمكن أن يُعامل الفلسطيني على هذا النحو، ومؤكدة أن ابنها إنسان له كرامته، وأن مطلبها الأول هو معرفة ما إذا كان حيًا أم ميتًا، وأين يوجد إن كان محتجزًا.

لم تتوقف رحلة البحث عند الصورة. فقد بقيت الأسرة تتشبث بأي معلومة يمكن أن تفسر اختفاء محمد، وتبحث بين أخبار الأسرى والمفرج عنهم وشهادات العائلات التي مرّت بتجارب مشابهة.

وبحسب الرواية التي أوردتها الأسرة، عثرت والدة محمد على خبر يفيد بأن ابنها لا يزال حيًا، بعد أن زارت عائلة فلسطينية لتقديم واجب العزاء باستشهاد ابنها الذي كان قد خرج من سجون الاحتلال.

هناك، وفي مجلس العزاء الذي اجتمعت فيه عائلة أخرى حول ألم الفقد، سمعت زهر، وفق هذه الرواية، ما لم تكن تتوقعه. أخبرتها والدة الشهيد أن ابنها، قبل استشهاده، كان قد قال لها إن محمد شراب لا يزال حيًا في سجون الاحتلال.

وهنا بدأ الأمل. لم تعد زهر تتشبث فقط باحتمال أن يكون الرجل في الصورة ابنها، بل أصبح لديها ما يدفعها إلى اليقين بأنه لا يزال حيًا، وأن غيابه قد لا يكون نهاية حكايته. وبينما كانت أمٌّ أخرى تودّع ابنها الشهيد، حملت شهادتها إلى أم محمد احتمالًا جديدًا، أعاد إلى الانتظار وجهًا مختلفًا.

في فبراير/شباط 2026، تقدمت مؤسسة «هموكيد» الحقوقية الإسرائيلية، بالتعاون مع شبكة العمل القانوني العالمي (GLAN)، بطلب رسمي إلى مصلحة سجون الاحتلال للاستفسار عن مكان محمد. لكن المصلحة قالت إنها لم تعثر في سجلاتها على ما يشير إلى احتجازه في منشآتها.

وفي مارس/آذار من العام نفسه، وجهت شبكة GLAN استفسارًا إلى وحدة المتحدث باسم جيش الاحتلال، مطالبة بالكشف عن مصيره وتوضيح ظروف الصورة. وفي رد نقلته تقارير لاحقة، ادعى الاحتلال إنه لم يعثر على شخص بهذا الاسم محتجزًا حاليًا أو سبق احتجازه .

وتشير بيانات فريق المتابعة لملف المفقودين التابع لوزارة العدل الفلسطينية، المنشورة في أكتوبر/تشرين الأول 2026، إلى أن أكثر من 10 آلاف شخص فُقدوا في قطاع غزة منذ أكتوبر 2023، يُعتقد أن أكثر من 8 آلاف منهم ما زالوا تحت الأنقاض، فيما تشمل الحالات الأخرى أشخاصًا انقطعت أخبارهم خلال النزوح، وآخرين يُشتبه في احتجازهم أو دفنهم دون التعرّف إلى هوياتهم. وتختلف التقديرات بحسب الجهات ومنهجيات التوثيق، ما يجعل الأرقام غير نهائية.

 

اخبار ذات صلة
فِي حُبِّ الشَّهِيدْ
2018-04-21T06:25:08+03:00