٣ أعوام على الإبادة.. غزة تتنفس الحياة ٣ أعوام على الإبادة.. غزة تتنفس الحياة

باحث سياسي: رحيل نتنياهو لن يغيّر جوهر السياسة الإسرائيلية تجاه الفلسطينيين

الرسالة نت - متابعة

لم يعد الخلاف بين بنيامين نتنياهو وخصومه في إسرائيل، وفق قراءة الأكاديمي والباحث الفلسطيني في الشأن الإسرائيلي محمد هلسة، يدور حول الاعتراف بالحقوق الوطنية الفلسطينية أو إقامة دولة مستقلة، بل حول كيفية إدارة الصراع وتقديمه للعالم.

فسنوات حكم نتنياهو، بحسب هلسة، لم تُرسّخ صعود اليمين المتطرف فحسب، بل دفعت مواقف كانت تُعدّ متشددة إلى قلب المشهد السياسي، ووسّعت مساحة التوافق الإسرائيلي على الاستيطان والسيطرة العسكرية ورفض الدولة الفلسطينية، بما يجعل رحيله عن الحكم غير كافٍ، بحد ذاته، لتغيير جوهر السياسة الإسرائيلية.

ويرى الأكاديمي والباحث الفلسطيني في الشأن الإسرائيلي هلسة أن سنوات حكم بنيامين نتنياهو أحدثت تحولات عميقة في بنية النظام السياسي والمجتمع الإسرائيلي، تمثلت في صعود التيارات اليمينية المتطرفة وتراجع مساحة التعددية، بالتوازي مع تصاعد النزعات العنصرية والإقصائية. ويؤكد أن هذه التحولات تجاوزت حدود الائتلاف الحاكم، لتنعكس على مواقف قطاعات واسعة من المجتمع والأحزاب الإسرائيلية، بما يجعل الرهان على رحيل نتنياهو وحده لإحداث تغيير جوهري في السياسة تجاه الفلسطينيين رهاناً غير مضمون.

ويشير هلسة إلى أن نتنياهو أعاد شخصيات وتيارات كانت توصف داخل إسرائيل بالتطرف إلى قلب السلطة، وفي مقدمتها التيار الكهاني الذي عاد إلى الواجهة عبر إيتمار بن غفير وبتسلئيل سموتريتش، بعد أن كان قد أُقصي من النظام السياسي في ثمانينيات القرن الماضي. ويرى أن هذا المسار لم يقتصر على منح تلك الشخصيات مواقع حكومية، بل شمل توسيع نفوذها وإتاحة المجال أمام أفكار تقوم على التهجير والاستيطان واستخدام القوة ضد الفلسطينيين.

وبحسب هلسة، أسهمت هذه السياسات في دفع المجتمع الإسرائيلي نحو مزيد من اليمينية والتشدد، وهو ما يربطه بمواقف شرائح من الإسرائيليين وبالمخاوف من تحوّل إسرائيل إلى دولة تحكمها مرجعيات دينية متشددة، أو ما يُعرف بدولة «الهلاخاه»، أي الدولة القائمة على الشريعة اليهودية.

وفي هذا السياق، يستشهد هلسة بأرقام أوردها عن مغادرة نحو 270 ألف إسرائيلي البلاد، استناداً إلى بيانات منسوبة إلى جامعة تل أبيب، معتبراً أن دوافع المغادرة لا تقتصر على الاعتبارات الأمنية والاقتصادية، بل تشمل أيضاً مخاوف تتعلق بمستقبل الحياة السياسية والاجتماعية، وحرية التعبير والشعور بالأمان.

ويلفت إلى أن القلق داخل المجتمع الإسرائيلي يمتد إلى احتمال ارتداد سياسات اليمين المتشدد على فئات إسرائيلية أخرى، بعد أن استهدفت آثارها الفلسطينيين بصورة أساسية. ويرى أن الهوامش التي كانت تفصل بين مكونات المجتمع تتآكل، بما يشمل العلمانيين والمتدينين والجماعات الإثنية والعرقية والنساء والمثليين ومؤسسات المجتمع المدني.

وعلى الصعيد الدولي، يتحدث هلسة عن تراجع صورة إسرائيل واتساع عزلتها، مشيراً إلى أن تداعيات ذلك باتت تظهر في صعوبات يواجهها إسرائيليون خلال السفر وفي تراجع قدرة الرواية الإسرائيلية على الحفاظ على حضورها السابق. ويقول إن أصواتاً داخل إسرائيل باتت تنظر إلى أزمة السردية وصورة الدولة دولياً بوصفها أحد أبرز التحديات التي تواجه مستقبلها، بالتوازي مع الانقسام الداخلي المتزايد.

المعارضة ونتنياهو

يعتبر هلسة أن أحد أبرز التحولات التي كرّسها عهد نتنياهو هو اتساع التوافق داخل السياسة الإسرائيلية على رفض إقامة دولة فلسطينية مستقلة، بحيث لم يعد هذا الموقف مقتصراً على اليمين الحاكم، بل امتد إلى قوى معارضة تختلف معه في طريقة إدارة الصراع وخطابه السياسي.

ويستدل على ذلك بموقف الأحزاب الإسرائيلية من الشراكة مع الأحزاب العربية، موضحاً أن نتنياهو أسهم في ترسيخ خطوط حمراء جعلت هذه الشراكة محرّمة سياسياً لدى قطاعات واسعة من المشهد الحزبي، حتى باتت قوى معارضة تتجنب تجاوزها.

وبحسب قراءة هلسة، يتجاوز هذا التوجه الخلافات الحزبية ليعكس مواقف راسخة لدى شرائح من المجتمع الإسرائيلي، تظهر في رفض الحقوق القومية الفلسطينية، وفي الخطاب المتداول عبر وسائل الإعلام ومنصات التواصل الاجتماعي. ويرى أن الفلسطينيين يُختزلون في كثير من الطروحات السياسية إلى سكان يخضعون للسيادة الإسرائيلية، من دون الاعتراف بحقهم في تقرير المصير أو إقامة دولتهم المستقلة.

ويشير إلى أن بعض الطروحات التي تقدمها قوى المعارضة لا تتجاوز، في أفضل الأحوال، تقديم تسهيلات اقتصادية أو تخفيف القيود المفروضة على الفلسطينيين، من دون تغيير بنية السيطرة الإسرائيلية. ويصف هذه المقاربة بأنها تُبقي الفلسطينيين في وضع خاضع، بدلاً من الاعتراف بهم شعباً يتمتع بحقوق قومية وسياسية كاملة.

ويؤكد هلسة أن الفوارق بين نتنياهو وخصومه تتضح بصورة أكبر في المقترحات المتعلقة بمستقبل الضفة الغربية وقطاع غزة. فقد طرح أفيغدور ليبرمان، زعيم حزب «إسرائيل بيتنا»، تصورات تتعلق بكونفدرالية مع الأردن وبإسناد مسؤوليات أمنية إليه في الضفة الغربية، فيما يرفض غادي آيزنكوت ونفتالي بينيت فكرة الضم، انطلاقاً من اعتبارات أمنية وسياسية ومخاوف تتعلق بصورة إسرائيل دولياً.

في المقابل، يتبنى اليمين الحاكم، وفق هلسة، نهجاً يقوم على فرض الوقائع من خلال ضم الأراضي وتوسيع الاستيطان وإخضاع الضفة الغربية لمزيد من السيطرة الإسرائيلية. ومع اختلاف هذه المقاربات، يرى الباحث أن القاسم المشترك بينها يتمثل في غياب طرح واضح لإقامة دولة فلسطينية مستقلة أو تسوية سياسية تنهي الصراع.

ويعزو هلسة هذا الغياب إلى الكلفة السياسية التي باتت تترتب على تبني مثل هذه المواقف داخل إسرائيل، إذ قد يتعرض السياسي الذي يدعو إلى الاعتراف بحق الفلسطينيين في إقامة دولتهم لاتهامات بالتفريط أو الضعف، بما يهدد رصيده الانتخابي داخل مجتمع يتجه، وفق تقديره، نحو مزيد من التشدد.

الحرب والاستيطان

ولا يحصر هلسة مظاهر التوافق بين الحكومة والمعارضة في الموقف من الدولة الفلسطينية، بل يراها حاضرة أيضاً في إدارة الحروب والعمليات العسكرية. ويقول إن قوى معارضة دعمت الحرب على غزة، كما تبنت مواقف متشددة في ملفات لبنان والضفة الغربية وإيران، بل نافست الحكومة أحياناً في تبني خيارات أكثر تشدداً.

ويشير إلى أن جانباً من انتقادات المعارضة للحرب على غزة تمحور حول ملف الأسرى الإسرائيليين، مع الدعوة إلى إعادتهم، ثم استئناف العمليات العسكرية. ويرى أن غياب بدائل سياسية واضحة لمستقبل القطاع والفلسطينيين في الضفة الغربية يعكس محدودية الخلاف بين المعسكرين بشأن جوهر الصراع.

ويستشهد هلسة بمواقف شخصيات معارضة من ممارسات بن غفير بحق الأسرى الفلسطينيين، معتبراً أن الاعتراض لم ينصب بالضرورة على جوهر تلك الممارسات، بل على الطريقة التي تُعرض بها أمام الجمهور الدولي وما تسببه من أضرار لصورة إسرائيل.

ويذكر، في هذا الإطار، أن آيزنكوت وصف ما فعله بن غفير بأنه «أمر ممتاز» خلال ظهوره في أحد برامج البودكاست، وفق روايته، مع انتقاده استعراض هذه الممارسات لما قد تتيحه من مادة تُستخدم ضد إسرائيل دولياً. ويرى هلسة أن هذا المثال يوضح، من وجهة نظره، أن الخلاف قد يتعلق بأسلوب تنفيذ السياسات وتقديمها إعلامياً أكثر من تعلقه بالانتهاكات التي يتعرض لها الفلسطينيون.

ويظهر التوافق، بحسب هلسة، كذلك في ملف الاستيطان، إذ يتحدث سموتريتش عن توسيع المشروع الاستيطاني، بما يشمل نقل التجربة إلى مناطق أخرى مثل الجليل والنقب. ويرى الباحث أن الحكومة الحالية تستغل الظروف السياسية والأمنية الراهنة لتوسيع الاستيطان وتعزيز السيطرة على الأراضي الفلسطينية، من دون أن تشكل الانتقادات الدولية رادعاً كافياً لهذه السياسات.

هل يستطيع خلفاء نتنياهو تغيير المسار؟

يستبعد هلسة أن يؤدي وصول قوى أخرى إلى الحكم إلى تراجع جوهري عن السياسات التي كرّسها نتنياهو، حتى لو شهدت المرحلة الجديدة انخفاضاً في بعض مظاهر التشدد أو تغيراً في الخطاب السياسي. ويرى أن أي حكومة مقبلة ستواجه ضغوطاً داخلية تحول دون التراجع عن المكاسب التي حققها المشروع الاستيطاني، أو إزالة البؤر الاستيطانية، أو التخلي عن مناطق خضعت لسيطرة المستوطنين.

ويشير إلى أن نتنياهو، حتى في حال انتقاله إلى صفوف المعارضة، قد يواصل الضغط على خصومه واتهامهم بالتفريط، خصوصاً إذا اتخذوا خطوات يمكن تصويرها على أنها تفتح الطريق أمام إقامة دولة فلسطينية أو الانسحاب من أراضٍ تسيطر عليها إسرائيل.

ويعتقد هلسة أن هذه الضغوط قد تدفع القوى التي تخلف نتنياهو إلى التشدد في ملفات الأمن والاستيطان والعمليات العسكرية، سعياً إلى إثبات أنها لا تقل عنه تمسكاً بالمواقف الصهيونية، وتجنباً لاتهامات اليسارية أو التساهل. ويشير إلى أن شخصيات مثل ليبرمان وبينيت وآيزنكوت تسعى، وفق تقديره، إلى تأكيد مواقفها المتشددة في هذه الملفات.

ولا يستبعد الباحث أن تتجه حكومة مقبلة إلى تخفيف بعض القيود العسكرية أو السماح بدخول مزيد من العمال الفلسطينيين أو الحد من بعض مظاهر اعتداءات المستوطنين، لكنه يحذر من تفسير هذه الخطوات باعتبارها تحولاً في جوهر السياسة الإسرائيلية. ويرى أن مثل هذه الإجراءات قد تستهدف تحسين صورة إسرائيل دولياً واحتواء الانتقادات، من دون المساس بأسس الاستيطان والسيطرة العسكرية.

ويربط هلسة استمرار هذا النهج بتحولات اجتماعية وسياسية وفكرية داخل إسرائيل، وباتجاه قطاعات من المجتمع نحو اليمين، إلى جانب الظروف الإقليمية والدولية وضعف المواقف العربية المشتركة وانشغال دول المنطقة بأزماتها.

ويستشهد بمواقف يائير غولان من مشاركة سامي أبو شحادة في الانتخابات الإسرائيلية، وبمواقفه الداعية إلى استخدام مزيد من القوة في أعقاب هجمات للمستوطنين، معتبراً أنها تعكس، في قراءته، اتساع التداخل بين مواقف قوى المعارضة وتوجهات اليمين الحاكم.

ويرى هلسة أن المشهد الإسرائيلي لا ينقسم ببساطة بين يمين ويسار، بل يشهد منافسة بين تيارات يمينية تختلف في درجة التشدد وفي أساليب إدارة الصراع، بينما تظل القوى التي تتبنى مواقف أكثر وضوحاً في دعم الحقوق القومية الفلسطينية محدودة التأثير.

ويحذر من أن الرهان الفلسطيني على تغيير الحكومة الإسرائيلية قد يقود إلى تكرار التعويل على قيادة جديدة من دون فحص السياسات التي تتبناها فعلياً. فالتخفيف المحدود للقيود أو تقديم تسهيلات اقتصادية قد يُقدَّم دولياً باعتباره دليلاً على تغير المسار، في حين تبقى قضايا الاستيطان والسيادة والحقوق الوطنية الفلسطينية خارج أي معالجة جوهرية.

ويخلص هلسة إلى أن رحيل نتنياهو، بحد ذاته، لا يضمن تحولاً في السياسة الإسرائيلية تجاه الفلسطينيين، محذراً من أن الاكتفاء بانتظار تبدل الحكومات قد يضعف الموقف الفلسطيني إذا لم يقترن بتقييم واضح للسياسات والمواقف الفعلية. فالمعيار، وفق هذه القراءة، ليس هوية رئيس الحكومة المقبل، بل ما إذا كانت سياساته ستعترف بحق الفلسطينيين في تقرير مصيرهم وتنهي منظومة السيطرة المفروضة عليهم.

بث مباشر