حذّر نقيب الموظفين العموميين في قطاع غزة، خليل حمادة، من تفاقم الأزمة المعيشية التي تعصف بنحو 45 ألف موظف حكومي، مؤكدًا أنهم لم يتلقوا سوى ثلاث دفعات مالية محدودة منذ بداية العام الجاري، في ظل انقطاع الرواتب وتراكم الالتزامات المالية وتدهور الأوضاع الاقتصادية والإنسانية في القطاع.
وقال حمادة لـ"الرسالة نت" إن عشرات آلاف الموظفين باتوا يواجهون ظروفًا معيشية غير مسبوقة، بعدما فقدوا قدرتهم على توفير أبسط الاحتياجات الأساسية لأسرهم، مشيرًا إلى أن الأزمة لا تقتصر على الموظفين أنفسهم، بل تمتد إلى نحو 400 ألف مواطن يعتمدون عليهم في تأمين متطلبات حياتهم اليومية.
وأوضح أن الدفعات المالية الثلاث التي تلقاها الموظفون منذ مطلع العام لا يمكن اعتبارها رواتب فعلية، نظرًا لمحدودية قيمتها وتباعد مواعيد صرفها، لافتًا إلى أن أكثر من 77 يومًا مضت على صرف آخر دفعة مالية، ما فاقم معاناة الموظفين وأسرهم ودفع العديد منهم إلى الاستدانة والاعتماد على المساعدات الإنسانية.
وأضاف أن الموظف الحكومي الذي أمضى سنوات طويلة في خدمة أبناء شعبه بات اليوم عاجزًا عن توفير الطعام والدواء والملابس لأطفاله، أو تأمين أجرة المواصلات للوصول إلى مكان عمله، في مشهد يعكس حجم الانهيار الذي أصاب الأوضاع المعيشية لهذه الشريحة الواسعة من المجتمع.
وأشار حمادة إلى أن أزمة الرواتب انعكست بصورة مباشرة على مختلف جوانب الحياة الاجتماعية والتعليمية والصحية، إذ لم تعد أسر كثيرة قادرة على تسديد الرسوم الجامعية لأبنائها أو شراء المستلزمات المدرسية، فيما اضطرت عائلات أخرى إلى تأجيل العلاج والتخلي عن احتياجات أساسية نتيجة انعدام الدخل المنتظم.
وبيّن أن استمرار هذا الواقع يهدد بدفع آلاف الأسر إلى مستويات أشد من الفقر والعوز، خصوصًا في ظل ارتفاع أسعار السلع والخدمات، وتراجع المساعدات الإنسانية، واستمرار القيود المفروضة على إدخال الاحتياجات الأساسية إلى قطاع غزة.
وكشف نقيب الموظفين العموميين أن نحو 12 ألف موظف حكومي استشهدوا خلال الحرب الإسرائيلية على قطاع غزة، تاركين خلفهم أسرًا فقدت معيلها ومصدر دخلها، الأمر الذي يضاعف حجم المسؤولية الإنسانية والاجتماعية تجاه عائلاتهم وضرورة ضمان حقوقهم ومستحقاتهم المالية.
وأكد أن الموظفين الحكوميين واصلوا أداء واجباتهم طوال سنوات الحرب رغم الظروف الاستثنائية، مشيرًا إلى أن العاملين في القطاعات الصحية والتعليمية والأمنية والخدمية والإدارية تحملوا أعباء جسيمة لضمان استمرار الخدمات الأساسية للمواطنين.
ولفت إلى أن آلاف الموظفين ظلوا على رأس عملهم تحت القصف وفي ظل النزوح والجوع وفقدان المأوى، بينما اضطر آخرون إلى قطع مسافات طويلة سيرًا على الأقدام للوصول إلى المؤسسات والمرافق الحكومية، رغم انقطاع رواتبهم وعجزهم عن تلبية احتياجات أسرهم.
وشدد حمادة على أن الموظف العام يمثل ركيزة أساسية لاستمرار عمل المؤسسات وحماية المجتمع من الانهيار، وأن الحفاظ على حقوقه المالية والوظيفية ليس مطلبًا نقابيًا فحسب، بل ضرورة لضمان استمرار الخدمات وإعادة بناء المؤسسات التي تضررت خلال الحرب.
وفي السياق، رفض نقيب الموظفين العموميين ربط حقوق الموظفين بالتجاذبات السياسية أو الترتيبات المتعلقة بإدارة قطاع غزة، مؤكدًا أن الموظف الحكومي يؤدي وظيفة مدنية لخدمة المجتمع، وأن حقوقه المالية لا يجوز أن تكون رهينة لأي خلافات أو حسابات سياسية.
وأوضح أن الموظفين وأسرهم دفعوا أثمانًا باهظة خلال الحرب، سواء بفقدان أفراد من عائلاتهم أو منازلهم وممتلكاتهم أو مصادر دخلهم، الأمر الذي يجعل انتظام صرف الرواتب والمستحقات ضرورة إنسانية عاجلة لا تحتمل المزيد من التأجيل.
وطالب حمادة الجهات الحكومية القائمة والجهات المعنية بالترتيبات الإدارية المستقبلية لقطاع غزة بتحمل مسؤولياتها تجاه الموظفين، والعمل على وضع آلية واضحة ومستدامة لصرف مستحقاتهم المالية، بما يضمن الحد الأدنى من الاستقرار المعيشي لعشرات آلاف الأسر.
كما دعا إلى إعطاء ملف رواتب الموظفين أولوية في أي ترتيبات مقبلة لإدارة القطاع وإعادة إعمار مؤسساته، محذرًا من أن استمرار تجاهل هذه القضية سيعمّق الأزمة الاجتماعية والاقتصادية، وينعكس على قدرة المؤسسات العامة على مواصلة تقديم خدماتها للمواطنين.
وأكد حمادة أن إنصاف الموظفين وصون كرامتهم وتأمين حقوقهم المالية يمثل استحقاقًا لا يمكن تجاوزه، مشددًا على ضرورة الانتقال من الوعود إلى إجراءات عملية تنهي معاناة عشرات آلاف العائلات التي تنتظر منذ أشهر طويلة الحصول على أبسط حقوقها المعيشية.