٣ أعوام على الإبادة.. غزة تتنفس الحياة ٣ أعوام على الإبادة.. غزة تتنفس الحياة

جوارديولا وغزة.. كلمات تفضح اعتياد العالم على المأساة

الرسالة نت - خاص

لم يتحدث بيب جوارديولا عن فلسطين من بوابة كرة القدم، ولم يحتج إلى استعراض مواقفه أو البحث عن عبارات كبيرة ليشرح ما يريد قوله. في فيديو مصور بالتعاون مع وكالة الأمم المتحدة لإغاثة وتشغيل اللاجئين الفلسطينيين «أونروا»، اختار مدرب مانشستر سيتي أن يبدأ من الإنسان، من الأطفال الذين يفقدون عائلاتهم تحت الأنقاض، ومن الضحايا الذين تتحول حياتهم إلى أرقام تتكرر في نشرات الأخبار حتى تكاد المأساة تفقد قدرتها على إيقاظ الضمير.

في رسالته، لا تبدو المشكلة في نقص المعلومات عما يعيشه الفلسطينيون، بقدر ما تكمن في قدرة العالم على مشاهدة المأساة والتعايش معها. هنا تحديدًا تكتسب كلمات جوارديولا أهميتها؛ فهو لا يكتفي بالتعبير عن الحزن، بل يحاول كسر حالة الاعتياد التي تجعل صور الدمار والجوع وفقدان الأطفال مشاهد متكررة، تمر أمام الجمهور ثم تختفي وسط زحام الأخبار.

من أرقام الضحايا إلى حكايات البشر

يضع جوارديولا الإنسان في قلب حديثه، رافضًا اختزال الضحايا في أعداد تُضاف إلى حصيلة يومية جديدة. خلف كل رقم عائلة، وطفل كان ينتظر أن يكبر، وأب وأم وأحلام لم تجد فرصة لاكتمالها. إنها محاولة لاستعادة ما تفقده الإحصاءات حين تُعرض منفصلة عن أصحابها: الحياة نفسها.

في غزة، حيث تتوالى أخبار القصف والضحايا والنزوح، يصبح خطر الاعتياد على المأساة جزءًا من المشكلة. فالتكرار قد يجعل الفاجعة أقل حضورًا في وعي المتلقي، حتى عندما تتضاعف آثارها على الأرض. ومن هذه النقطة، تبدو رسالة جوارديولا محاولة لإعادة المشاهد إلى السؤال الأساسي: ماذا يعني أن يكون لكل ضحية عالم كامل دُمّر، لا مجرد رقم جديد في خبر عاجل؟

ولا يحتاج هذا المعنى إلى مبالغة عاطفية؛ فالحياة التي تُسلب من طفل أو أسرة لا تختصرها حصيلة، مهما بلغت دقتها. لذلك يتجاوز حديث المدرب حدود التعاطف المباشر، ليطرح سؤالًا عن الطريقة التي يرى بها العالم الفلسطينيين، وعن قدرة الخطاب الإعلامي على إبقاء الإنسان حاضرًا وسط سيل الأرقام والصور.

الكلمات جزءًا من المعركة

من أبرز زوايا حديث جوارديولا رفضه اللغة التي تصوّر الأطفال الضحايا بوصفهم «أضرارًا جانبية». فالمصطلحات ليست دائمًا أوعية محايدة للوقائع؛ إذ يمكن لبعضها أن يخفف وقع المأساة، أو يحول الضحايا إلى تفصيل ثانوي في خطاب سياسي أو عسكري.

وحين يعترض جوارديولا على هذه اللغة، فإنه يلفت الانتباه إلى معركة أخرى تدور بالتوازي مع الأحداث على الأرض: معركة تسمية ما يحدث، وتحديد الكلمات التي يُقدَّم من خلالها الضحايا إلى العالم. فالطفل الذي يفقد أسرته ليس تفصيلًا في رواية أكبر، والجوع الذي يهدد حياة المدنيين ليس مجرد مشهد عابر يمكن تجاوزه إلى الخبر التالي.

هذه الزاوية تمنح الفيديو قيمة تتجاوز شهرة صاحبه. فالمسألة لا تتعلق بمدرب معروف يعلن موقفًا إنسانيًا فحسب، بل بمحاولة مواجهة اللغة التي قد تجعل المأساة قابلة للتطبيع مع مرور الوقت. وفي هذا السياق، تصبح استعادة أسماء الضحايا ووجوههم وقصصهم ضرورة إنسانية، حتى لا يتحول تكرار المأساة إلى مبرر لنسيانها.

من شهرة الملاعب إلى مسؤولية الموقف

لا يمكن فصل وقع رسالة جوارديولا عن مكانته في عالم كرة القدم. فالرجل الذي اعتاد الظهور في أكبر الملاعب والمؤتمرات الصحفية، أمام ملايين المشاهدين، يستخدم هذه المرة حضوره العام للحديث عن أشخاص لا يملكون المنصة نفسها، ولا يستطيع كثير منهم إيصال ما يعيشونه إلى العالم.

لكن أهمية الموقف لا تكمن في شهرة صاحبه وحدها، ولا في افتراض أن كلمات الرياضيين قادرة بمفردها على تغيير الوقائع. قيمته تكمن في توظيف هذه الشهرة لإبقاء قضية إنسانية حاضرة، وفي نقل النقاش من حدود التعاطف إلى مسؤولية الجمهور والمؤسسات تجاه ما يجري.

كما أن الفيديو لا يأتي منفصلًا عن مواقف جوارديولا السابقة المتضامنة مع الفلسطينيين؛ بل يندرج ضمن حضور علني متكرر للقضية في خطابه. وهذا يمنح الرسالة بعدًا يتجاوز التصريح العابر، ويطرح سؤالًا أوسع عن الدور الذي يمكن أن يؤديه الرياضيون في القضايا الإنسانية، وعن مسؤولية الشخصيات العامة عندما تمتلك القدرة على إيصال أصوات لا تجد المساحة نفسها في المشهد الإعلامي.

ويكتسب ختام الفيديو أهمية إضافية من دعوته إلى دعم «أونروا»، إذ يحاول وصل الكلام بإمكانية تقديم المساعدة، بدل الاكتفاء بالتعبير عن الحزن والغضب. فالتضامن، في هذه الحالة، لا يتوقف عند المشاهدة أو المشاركة، بل يمتد إلى دعم العمل الإنساني الذي يستهدف الفلسطينيين.

في النهاية، لا تكمن قوة رسالة جوارديولا في كونه مدربًا مشهورًا يتحدث عن فلسطين، بل في محاولته تذكير العالم بما ينبغي ألا ينساه: أن خلف كل صورة واسم ورقم إنسانًا يستحق الحياة. وبينما تستمر المأساة في فرض حضورها على الشاشات، يبقى التحدي الحقيقي ألا تتحول كثافة المشاهد إلى وسيلة للاعتياد عليها، وألا يصبح الألم الفلسطيني خبرًا آخر ينتهي بانتهاء دقائق البث. 

بث مباشر