☰
✕

قائمة الموقع

من يصنع البولسونارية، وإلى أين تقود البرازيل؟

2026-10-20T09:54:00+03:00
الرسالة نت- أحمد شحادة - برازيليا

قراءة في انتخابات 2026، وصعود اليمين الإنجيلي، والعلاقة مع الولايات المتحدة و(إسرائيل)، ومستقبل القضية الفلسطينية

لا تختزل الانتخابات الرئاسية البرازيلية هذه المرة في منافسة بين لويس إيناسيو لولا دا سيلفا وفلافيو بولسونارو. فالمواجهة تتعلق أيضاً برؤية كل طرف لموقع البرازيل في العالم، ولمعنى السيادة الوطنية، ولحدود العلاقة بين الدين والسياسة، وللدور الذي ينبغي أن تؤديه حقوق الإنسان في توجيه السياسة الخارجية.

في الجولة الأولى، التي جرت في الرابع من أكتوبر/تشرين الأول، حصل فلافيو بولسونارو على 47.03% من الأصوات الصحيحة، مقابل 45.16% للولا، ليتنافسا مجدداً في الجولة الثانية المقررة في 25 أكتوبر. وتشير استطلاعات الأيام الأخيرة إلى تقارب واضح بينهما، من دون أن تسمح باعتبار النتيجة محسومة.

لكن النظر إلى هذه الانتخابات باعتبارها منافسة بين اسمين فقط لا يفسّر ما يجري. ففلافيو لا يخوضها كسياسي مستقل يحمل مصادفةً اسم بولسونارو؛ بل يسعى إلى إعادة تقديم مشروع سياسي واجتماعي تشكّل على مدى سنوات، وقام على تحالف بين العائلة، وقطاعات من اليمين الديني، وشبكات الإعلام والمنصات الرقمية، ومصالح اقتصادية وأمنية، وروابط وثيقة مع التيار اليميني الذي يقوده دونالد ترامب في الولايات المتحدة.

لذلك، لا يقتصر السؤال على هوية الفائز، بل يمتد إلى شكل البرازيل التي ستخرج من هذه الانتخابات: من سيؤثر في قراراتها، وأي ثمن قد يدفعه المجتمع البرازيلي وعلاقات البلاد الدولية إذا عاد هذا التحالف إلى السلطة؟

عائلة سياسية تتجاوز حدود العائلة

لم يصل جايير بولسونارو إلى الرئاسة بجهده الفردي وحده. فقد جمع مخاوف ومصالح متباينة في خطاب مشترك يقوم على رفض اليسار، والتشكيك في المؤسسات، والتشديد على الأمن، وتصوير القيم المحافظة باعتبارها خط الدفاع الأخير عن المجتمع. وساعدت بعض الكنائس الإنجيلية البنتكوستالية على نقل هذا الخطاب إلى ملايين البيوت بلغة دينية مؤثرة، فيما أتاحت وسائل التواصل الاجتماعي بناء جمهور واسع خارج قنوات الأحزاب التقليدية والإعلام الكبير.

ومع مرور الوقت، لم تعد العائلة مجرد دائرة تحيط بالرئيس، بل غدت جزءاً من بنية المشروع السياسي. ففلافيو، السيناتور والمرشح للرئاسة، وإدواردو، الذي جعل علاقاته باليمين الأميركي ومواقفه الخارجية محوراً من حضوره السياسي، وكارلوس، المعروف بدوره في الحضور الرقمي للعائلة، ورينان الشاب اليافع، الذي دخل بدوره المجال السياسي حديثا، يمثلون وجوهاً مختلفة لهذا الامتداد. أما ميشيلي بولسونارو، زوجة الرئيس السابق، فقد بنت حضوراً خاصاً في أوساط إنجيلية، مستفيدة من اسم العائلة ومن قدرتها على مخاطبة جمهور ديني واجتماعي واسع.

المسألة، إذن، ليست أن أفراد العائلة يشغلون مواقع سياسية فحسب؛ فالاسم نفسه أصبح رصيداً انتخابياً يمكن أن يفتح أبواباً في مناطق لا يملك فيها المرشح بالضرورة سجلاً ً من العمل المحلي أو صلة متينة بقضايا السكان.

وتظهر هذه المسألة بوضوح في حالة كارلوس بولسونارو ومساره الانتخابي خارج قاعدته الأصلية. فعندما ينتقل سياسي من دائرة محلية إلى ولاية أخرى، يبرز سؤال مشروع: هل يصوّت الناس بناءً على معرفتهم بالمرشح وعمله في منطقتهم، أم بدافع الولاء لمشروع وطني تحمله العائلة؟

يُقدَّم فلافيو أحياناً بوصفه نسخة أكثر هدوءاً من والده جايير بولسونارو، وكأن اختلاف النبرة يعني بالضرورة اختلاف المشروع. لكن الهدوء النسبي لا يكفي دليلاً على الاعتدال. فلفلافيو أسلوبه الخاص، إلا أنه يخوض الانتخابات بدون برنامج إنتخابي واضح, مستنداً إلى جزء كبير من القاعدة السياسية والدينية نفسها، وإلى إرث والده وشبكة العلاقات التي تشكّلت خلال سنوات حكمه وبعد مغادرته الرئاسة.

قد يكون فلافيو أقدر على التفاوض مع بعض قطاعات الوسط السياسي والاقتصادي، وربما يضطر، إذا فاز، إلى مراعاة مؤسسات الدولة وموازين القوى في الكونغرس. لكن المرونة في الحملة لا تعني بالضرورة مراجعة المواقف الأيديولوجية. لذلك، ينبغي ألا نكتفي بنبرة المرشح؛ بل علينا مراقبة السياسات التي يتبناها، والحدود التي يرسمها بين مؤسسات الدولة ومصالح حلفائه.

وتكتسب هذه المسألة أهمية خاصة عندما يتداخل الدين مع السلطة. فعندما يقدّم سياسي نفسه باعتباره ممثلاً للإرادة الإلهية أو الحارس الوحيد للقيم الدينية، يصبح من السهل تصوير معارضته وكأنها خروج على الإيمان، لا اختلاف في الرأي أو البرنامج. وعندها، يُخشى أن يُنظر إلى المواطن المختلف باعتباره خصماً أخلاقيا و دينياً، لا مواطناً يتمتع بالحقوق نفسها.

ليس جميع الإنجيليين البنتكوستاليين من مؤيدي البولسونارية، كما أن التدين لا يعني تأييد توظيف الدين في الانتخابات. فداخل الكنائس نفسها آراء اجتماعية وسياسية متعددة. ومع ذلك، لا يمكن تجاهل دور قيادات إنجيلية نافذة في تعبئة الناخبين وتقديم خيارات سياسية محددة بلغة دينية مؤثرة.

وتشير عودة فلافيو إلى التقارب مع القس سيلاس مالافايا، بعد خلافات وانتقادات متبادلة، إلى أن الحسابات الانتخابية قد تعيد جمع أطراف تباعدت في السابق. فالأمر لا يتعلق بالقناعات الشخصية وحدها، بل أيضاً بالقدرة التنظيمية للكنائس، وشبكاتها الاجتماعية، وحضورها اليومي في حياة أتباعها.

أما ميشيلي بولسونارو، فلا يصح اختزال دورها في الظهور إلى جانب زوجها أو أفراد العائلة. فقد رسّخت مكانة لها لدى قطاعات من الجمهور الإنجيلي، ويمكن أن تمثل رصيداً انتخابياً له وزنه، حتى عندما لا يكون جايير أو فلافيو في واجهة المشهد. وهذا يوضح أن قوة العائلة لا تُقاس بالمناصب التي يشغلها أفرادها فقط، بل أيضاً بقدرتها على الجمع بين الاسم السياسي والرمز الديني والتأثير الإعلامي.

عندما تجتمع هذه العناصر، تتجاوز الانتخابات مسألة اختيار رئيس؛ إذ تصبح اختباراً لقدرة مشروع سياسي كامل على تجديد نفسه، حتى مع تغيّر الشخص الذي يتصدره.

وتكشف قضية إدواردو بولسونارو جانباً مهماً من هذا المشروع. فهو لم يكتفِ بالدفاع عن والده أو مساندة شقيقه، بل جعل علاقاته باليمين الأميركي ومواقفه الأيديولوجية في السياسة الخارجية جزءاً أساسياً من نشاطه السياسي.

وهو يفيم في الولايات المتحدة منذ مارس/آذار 2025، بعدما غادر البرازيل في سياق المواجهة مع القضاء البرازيلي. وفي أكتوبر/تشرين الأول 2026، قررت المحكمة العليا بدء تنفيذ حكم بسجنه أربع سنوات وشهرين في قضية إكراه مرتبط بمحاولات الضغط على السلطات البرازيلية من الخارج. هذه وقائع قضائية عرضها كما هي، مع الإشارة إلى أن إدواردو يرفض الاتهامات ويصف ما يتعرض له بالاضطهاد السياسي.

لكن المسألة لا تتعلق بمصيره القضائي وحده؛ بل أيضاً بالدور الذي قد يسعى إلى أدائه إذا وصل شقيقه إلى الرئاسة، ولا سيما في وزارة الخارجية البرازيلية، المعروفة باسم «إيتاماراتي» (Itamaraty).

في نهاية سبتمبر/أيلول، هدّد إدواردو بإجراء ما سمّاه «تنظيفاً» أو «تطهيراً» داخل الوزارة، متوعداً دبلوماسيين اتهمهم بتخريب حكومة والده، ومشيراً إلى أنه وضع قائمة بأسماء السفراء والمسؤولين الذين يرى أنهم عارضوا تلك الحكومة. وخصّ بالذكر السفير البرازيلي في إسبانيا، قائلاً إنه سيكون من أوائل الذين سيغادرون مناصبهم إذا فاز فلافيو.

قدّم إدواردو تهديداته باعتبارها رداً على ما وصفه بتصرفات غير مهنية من بعض الدبلوماسيين. لكن تصريحاته أثارت مخاوف من تحويل وزارة الخارجية إلى ساحة لتصفية الحسابات السياسية. ونفى مقربون من المشروع وجود نية لملاحقة الموظفين لأسباب سياسية، فيما تحدثت تقارير عن تصور أوسع لإعادة هيكلة الوزارة على غرار إصلاحات يقودها ماركو روبيو في وزارة الخارجية الأميركية، بما يشمل الترقيات وتوزيع المهام وتحديد الأولويات.

وتطرح هذه التهديدات، عند وضعها في سياق توجهات البولسونارية الخارجية، سؤالاً يتجاوز الخلاف على المناصب: هل سيُقيَّم الدبلوماسي البرازيلي وفق كفاءته وخدمته لمصالح البلاد، أم وفق مدى توافقه مع أيديولوجيا الحكومة، بما في ذلك موقفه من (إسرائيل) وفلسطين؟

هذا السؤال ليس تفصيلاً جانبياً. فإدواردو من أكثر أفراد العائلة وضوحاً في انحيازه إلى الحكومة الإسرائيلية واليمين الصهيوني. وقد زار (إسرائيل) والتقى بنيامين نتنياهو في ديسمبر/كانون الأول 2025، مع أنه لم يكن يشغل منصباً حكومياً أو دبلوماسياً يخولّه تمثيل البرازيل رسمياً. كما عبّر في مداخلات سياسية سابقة عن مواقف شديدة العداء للفلسطينيين، ووضع القضية في إطار أيديولوجي وديني يتجاوز الخلاف المعتاد حول السياسة الخارجية.

لهذا، فإن التهديد بتطهير وزارة الخارجية يتجاوز مسألة توزيع المناصب. فإذا أصبح التوافق مع رؤية إدواردو وحلفائه شرطاً للترقية أو للاستمرار في الوظيفة، فقد يتعرض لضغوط دبلوماسيون دافعوا عن استقلال القرار البرازيلي، أو انتقدوا سياسات الاحتلال، أو حاولوا إبعاد العلاقات الخارجية عن الاصطفافات العقائدية.

لا يعني ذلك أن هذا هو الدافع الوحيد المعلن وراء التهديدات. لكن مواقف إدواردو وسجله يجعلان من المشروع السؤال عن مكانة القضية الفلسطينية ضمن معايير الولاء التي يريد فرضها. فالدبلوماسية مؤسسة للدولة، لا جهاز تابع لعائلة سياسية أو تيار ديني أو حكومة أجنبية.

إذا كان السفير يُعاقَب لأنه خالف رغبة الرئيس، فهذه مشكلة مؤسسية. وإذا كانت المخالفة تتعلق أيضاً برفض تحويل العلاقات مع (إسرائيل) إلى معيار للولاء السياسي، فالمشكلة تصبح أعمق: إنها تمسّ قدرة البرازيل على صياغة موقف مستقل من قضايا الحرب والسلام والقانون الدولي.

القدس وفلسطين: الاختبار الأكثر وضوحاً

قد تبدو لغة السياسة الخارجية بعيدة عن الحياة اليومية للمواطنين، لكن فلسطين تجعل أثر الخيارات الدبلوماسية ملموساً. فهي تكشف الفرق بين سياسة تستند إلى القانون الدولي، وأخرى تحددها التحالفات الأيديولوجية.

فلافيو أعلن أنه يريد نقل السفارة البرازيلية لدى (إسرائيل) من تل أبيب إلى القدس، وإعادة العلاقات إلى مستوى أكثر انسجاماً مع الحكومة الإسرائيلية. وقال إن البرازيل، في ظل رئاسته المحتملة، ستتجه إلى تحالف أوثق معها.

هذا ليس إجراءً بروتوكولياً عابراً. فالقدس في قلب القضية الفلسطينية، ووضعها مرتبط بحقوق الشعب الفلسطيني وبقرارات دولية. لذلك، فإن نقل السفارة إليها يحمل رسالة سياسية تتجاوز تغيير عنوان البعثة الدبلوماسية، بل انحيازاً في مسألة لم يُحسم وضعها النهائي.

ليس المطلوب من البرازيل قطع علاقاتها مع دولة لمجرد الاختلاف معها، بل التعامل مع الجميع وفق معايير واحدة، وألا تحصل أي حكومة على حصانة سياسية بسبب التقارب الديني أو الأيديولوجي. فالعلاقات الدولية لا ينبغي أن تتحول إلى مكافأة للحلفاء أو عقوبة للخصوم.

في هذا السياق، يبرز اختلاف في الخطاب بين المرشحين. فقد أكدت حكومة لولا أهمية التعددية الدولية، والتقارب مع مجموعة بريكس ودول الجنوب العالمي، واستمرار الاعتراف بالحقوق الفلسطينية. ومع ذلك، لا ينبغي تقديم هذا الموقف في صورة مثالية؛ فسياسات أي حكومة يجب أن تُقيَّم أيضاً على أساس قراراتها العملية ومدى اتساقها مع تصريحاتها.

أما فلافيو، فقد ربط خطابه صراحةً بالتقارب مع (إسرائيل)، وطرح نقل السفارة إلى القدس. وهذا يجعل موقفه أكثر وضوحاً في هذه المسألة، ويمنح الناخب البرازيلي سبباً إضافياً للنظر في الآثار الخارجية المحتملة لخياره الانتخابي.

وبالنسبة إلى الفلسطينيين، قد تتجاوز النتائج اختلاف اللغة الدبلوماسية. فالدعم السياسي غير المشروط للحكومة الإسرائيلية قد يحدّ من قدرة البرازيل على الضغط لوقف الانتهاكات، أو المطالبة بالمحاسبة، أو الدفاع عن الحقوق الفلسطينية في المحافل الدولية. كما أن نقل السفارة يعتبر تراجعاً عن الموقف الذي يقتضي ترك وضع المدينة النهائي للتسوية وفق القانون الدولي.

لذلك، ليست فلسطين ملفاً خارجياً بعيداً عن المواطن البرازيلي. فالسؤال هو: هل تطبّق الدولة مبادئ القانون الدولي على الجميع، أم تصبح الحقوق قابلة للتجزئة بحسب هوية الحليف؟

ترامب والبرازيل: التحالف أم التبعية؟

لا يمكن فهم هذا التوجه من دون النظر إلى الصلة بين البولسونارية والتيار الذي يمثله دونالد ترامب. فالتقارب بينهما لا يقتصر على المجاملات أو التشابه في الخطاب؛ بل يستند إلى رؤية تجمع بين القومية المحافظة، والتشكيك في المؤسسات الدولية، وتقديم اليمين الديني بوصفه حارساً للهوية الوطنية.

وأظهرت التطورات الأخيرة أن العلاقة مع واشنطن قد تؤثر في الحسابات الانتخابية البرازيلية. فقد تناولت تقارير صحفية مخاوف من استخدام الضغوط الاقتصادية والسياسية الأميركية للتأثير في مسار الانتخابات، في وقت تتنافس فيه الولايات المتحدة والصين على النفوذ الاقتصادي والاستراتيجي في المنطقة.

البرازيل ليست دولة هامشية. إنها قوة اقتصادية, صناعية و زراعية، وعضو مؤثر في بريكس، وشريك تجاري رئيسي للصين والولايات المتحدة، ودولة لها وزن كبيرفي أميركا اللاتينية والجنوب العالمي. وأي تحوّل في سياستها الخارجية ستكون له انعكاسات تتجاوز حدودها.

إن حصر العلاقات الدولية في محور واحد قد يحدّ من قدرة البرازيل على المناورة ويجعلها أكثر عرضة للضغوط في مجالات التجارة والتكنولوجيا والمعادن الاستراتيجية. أما تنويع العلاقات فلا يعني معاداة واشنطن أو بكين، بل الحفاظ على حق البرازيل في التعامل مع كل طرف وفق مصالحها الوطنية.

وتظهر أهمية فلسطين هنا أيضاً. فإذا حُدّد الموقف من (إسرائيل) على أساس التقارب الديني والسياسي مع حكومتها، لا على أساس تقييم أفعالها وفق القانون الدولي، فقد تتحول السياسة الخارجية إلى امتداد لصراعات الهوية الداخلية، وتصبح القرارات الدبلوماسية رهينة الولاء الأيديولوجي بدلاً من الحس وتستحق اتفاقيات التعاون الأمني اهتمامًا خاصًا أيضًا. فقد وُقّع بين البرازيل و(إسرائيل) عام 2019 اتفاق للتعاون في الأمن العام والوقاية من الجريمة المنظمة ومكافحتها، كما أثار مشروع «درع الأمريكتين» (Escudo das Américas)، بقيادة واشنطن، نقاشًا حول حدود التعاون الأمني واحترام السيادة. لا يعني التعاون الأمني في حد ذاته انتهاكًا للحقوق، لكن تبادل المعلومات وتقنيات المراقبة وتوسيع صلاحيات الأجهزة قد يخلّف آثارًا خطيرة إذا غابت الرقابة القضائية والشفافية وضمانات حماية البيانات. وقد تتضرر من الاستخدام التمييزي لهذه الأدوات فئاتٌ مثل الفلسطينيين والعرب، والسود البرازيليين، والمهاجرين والأجانب، أو كل من يُصنَّف خطأً بوصفه موضع اشتباه. لذلك ينبغي إخضاع هذه الاتفاقيات لرقابة ديمقراطية مستقلة، والتأكد من ألا تتحول مكافحة الجريمة إلى ذريعة للتجسس أو التمييز أو تقييد الاحتجاج السلمي.

وفيما يتعلق بـ«درع الأمريكتين»، فإن احتمال انضمام البرازيل إلى المبادرة إذا فاز فالفيو، كما ألمح في تصريحاته، يطرح سؤالًا إضافيًا: هل ستكون الأولوية لتعاون إقليمي يحترم القانون والسيادة، أم لنهج أمني قد يوسّع نفوذ واشنطن يلاحق و يجرم منقدي الأحتلال.

 

الخوارزميات الرقمية والانتخابات: حين تصبح التكنولوجيا طرفًا في الصراع السياسي

لم تعد المنافسة السياسية تجري في الحملات الانتخابية والكنائس والبرلمانات ووسائل الإعلام التقليدية وحدها. فقد أصبحت المنصات الرقمية جزءاً أساسياً من المشهد، إذ تؤثر خوارزمياتها في المحتوى الذي يراه الناس، وما يمكنهم الوصول إليه، وما ينتشر بينهم على نطاق واسع.

وفي هذا السياق، تستحق الواقعة المرتبطة بأداة الذكاء الاصطناعي التابعة لشركة «ميتا» خلال الحملة الرئاسية البرازيلية لعام 2026 اهتماماً خاصاً. فقد عرض موقع «ICL Notícias» في اختبارات مباشرة حالات رفضت فيها الأداة طلبات لإنشاء صور انتخابية مؤيدة للولا، بينما استجابت لطلبات مماثلة مؤيدة لفلافيو بولسونارو. وقد أظهرت اختبارا ومتكررة أن الطلبات المتكافئة تُعامل على نحو مختلف.

عزت الشركة المشكلة إلى أخطاء تقنية ونفت وجود انحياز متعمد. لكن هذا التفسير لا ينبغي أن ينهي النقاش؛ بل يستدعي التحقق من سبب الاختلاف، ومدى تكراره، وما إذا كانت الإجراءات التصحيحية قد عالجته فعلاً.

ولا يمكن عزل المسألة عن السياق السياسي الأوسع. فقد شهدت العلاقة بين مارك زوكربيرغ ودونالد ترامب تقارباً علنياً، كما أثارت تغييرات سياسات الإشراف على المحتوى في منصات «ميتا» نقاشاً حول مسؤولية الشركات الرقمية وحدود سلطتها. وتستحق علاقات شركات التكنولوجيا بمراكز النفوذ السياسي تدقيقاً وشفافية أكبر.

عندما تملك شركة واحدة أدوات للذكاء الاصطناعي وأنظمة لتوزيع المحتوى يستخدمها ملايين الأشخاص، فإنها تملك قدرة مؤثرة في البيئة التي تتشكل فيها الآراء السياسية. وحتى الخلل غير المتعمد قد تكون له آثار سياسية إذا أدى، أثناء حملة انتخابية، إلى معاملة مختلفة لطلبات متشابهة.

ليس المطلوب أن تنحاز المنصات إلى مرشح أو ضده، بل أن تطبق قواعد واضحة ومتسقة، وأن تتيح شفافية كافية تسمح بفحص أدائها بصورة مستقلة. فالحياد لا يُثبت بمجرد إعلان الشركة عنه؛ بل يجب أن يكون قابلاً للاختبار والمساءلة.

وتكشف هذه الواقعة عن تحدٍّ يتجاوز البرازيل: حين تصبح الخوارزميات جزءاً من البيئة التي يتخذ المواطنون داخلها قراراتهم السياسية، تصبح الرقابة الديمقراطية على الشركات التي تدير هذه الأدوات جزءاً من حماية نزاهة الانتخابات.

العلاقات العربية والإسلامية ليست ملفاً ثانوياً

تربط البرازيل بالدول العربية والإسلامية علاقات تجارية وسياسية وثقافية واسعة. ولا تقتصر هذه العلاقات على القضية الفلسطينية، بل تشمل التجارة والاستثمار والطاقة والأمن الغذائي والتعاون العلمي والثقافي، فضلاً عن الروابط الإنسانية مع ملايين المواطنين البرازيليين من أصول عربية وإسلامية.

ومن شأن أي تحوّل حاد في السياسة الخارجية البرازيلية أن يؤثر في طبيعة هذه العلاقات، خصوصاً إذا اقترن بخطاب يُفهم منه أن التقارب مع (إسرائيل) أهم من الحفاظ على التوازن الدبلوماسي واحترام حقوق الفلسطينيين.

لا نتوقع طبعا أن الدول العربية والإسلامية ستقطع علاقاتها بالبرازيل إذا فاز فلافيو، أو أن المصالح الاقتصادية ستختفي بين ليلة وضحاها؛ فالعلاقات الدولية أكثر تعقيداً. لكن الثقة السياسية تتأثر بالقرارات والرموز، كما تتأثر بالاتفاقيات والتجارة. لكن قد تعيد بعض الحكومات النظر في أولوياتها إذا شعرت بأن البرازيل تبتعد عن الأسس التي قامت عليها تفاهماتها معها.

وفي المقابل، يمكن لاستمرار العلاقات المتوازنة واحترام القانون الدولي والدفاع عن حقوق الشعب الفلسطيني أن يعزز مكانة البرازيل شريكاً مستقلاً، لا تابعاً لمحور دولي واحد.

وتكتسب الانتخابات أهمية خاصة لدى أبناء الجاليات العربية والإسلامية في البرازيل. لكن هذه المجتمعات ليست كتلة متجانسة سياسياً، ولا يصح افتراض أن الأصل العربي أو الانتماء الديني يحددان الخيار الانتخابي تلقائياً. فمنهم من يصوّت للولا، ومن يؤيد فلافيو، ومن يرفض المرشحين معاً، ومن يعطي الأولوية للاقتصاد والأمن والخدمات العامة.

لكن من حق هذه المجتمعات أن تسأل المرشحين عمّا تعنيه برامجهم بالنسبة إلى حقوق الفلسطينيين، والعلاقات مع الدول العربية والإسلامية، وسياسات الهجرة، ومكانة التعددية الدينية والثقافية في البلاد.

ولا ينبغي التعامل مع المواطن البرازيلي من أصل عربي أو مسلم باعتباره امتداداً لسياسة دولة أخرى، أو اختزاله في موقفه من الشرق الأوسط. فهو مواطن يتمتع بالحقوق نفسها، ومن حقه الدفاع عن فلسطين وانتقاد حكومة أجنبية من دون أن يصبح ولاؤه للبرازيل موضع تشكيك.

كذلك، ينبغي ألا يتحول النقاش حول الهجرة إلى وسيلة لإثارة الخوف من الأجانب أو تصوير المهاجرين كأنهم عبء جماعي. فتنظيم الهجرة واحترام القانون لا يتعارضان مع صون الكرامة الإنسانية، كما أن حماية الأمن لا تبرر التمييز على أساس الأصل أو الدين.

في بلد متعدد الثقافات مثل البرازيل، لا يُقاس نجاح السياسة العامة بإرضاء جماعة واحدة، بل بحماية الحقوق المتساوية، وإدارة الاختلاف، ومنع استغلال الدين أو الهوية لتقسيم المجتمع إلى مواطنين متفاوتين في الحقوق.

ماذا تختار البرازيل في الخامس والعشرين من أكتوبر؟

تؤكد هذه الانتخابات أن البولسونارية لم تختفِ بخروج جايير بولسونارو من الرئاسة. لقد أعادت تشكيل نفسها وترتيب تحالفاتها، وتبحث عن طريق جديد إلى السلطة. وقد يكون ظهور فلافيو بنبرة مختلفة عن والده جزءاً من هذه المحاولة، لكن تغيّر الوجه لا يلغي الأسئلة الأساسية التي يطرحها المشروع.

من يملك القرار داخل الدولة؟ وهل تبقى المؤسسات المهنية بمنأى عن تصفية الحسابات الحزبية؟ وهل يُصان الدين باعتباره حقاً للمواطنين، أم يُستخدم لمنح الشرعية السياسية لفريق بعينه؟ وهل تستطيع البرازيل الحفاظ على علاقات متوازنة مع العالم، أم ستُختزل سياستها الخارجية في تحالفات أيديولوجية محددة؟

أما فلسطين، فالسؤال أكثر مباشرة: هل ستواصل البرازيل الدفاع عن الحقوق الفلسطينية باعتبار ذلك جزءاً من التزامها بالقانون الدولي، مع تطبيق المعايير نفسها على حكومات المنطقة جميعاً، أم ستتراجع عن هذا الدور لمصلحة تقارب سياسي وديني غير مشروط مع الحكومة الإسرائيلية؟

لا يحتاج الناخب البرازيلي إلى أن يكون فلسطينياً أو عربياً أو مسلماً كي تعنيه هذه الأسئلة. فالموقف من الحرب والاحتلال وحقوق الشعوب واستقلال القرار الوطني لا يخص جماعة بعينها؛ بل يرتبط بنوع الدولة التي يريد المواطنون أن يعيشوا فيها وبالمكانة التي يريدون لبلادهم أن تحتلها في العالم.

لن تتضح دلالة الانتخابات من تصريحات المرشحين عن أنفسهم، ولا من الصور التي تجمعهم بحلفائهم، بقدر ما ستتضح من القرارات التي تلي التصويت: من تعيين الوزراء والسفراء، إلى التعامل مع مؤسسات الدولة، والسياسة تجاه فلسطين، واحترام المواطنين المختلفين في الدين والأصل والرأي.

قد يتغير الرئيس وتتبدل التحالفات، لكن السؤال الذي سيبقى هو: هل تريد البرازيل سياسة خارجية تنطلق من مصالحها وقيمها المعلنة، أم سياسة تتحدد أولوياتها بمدى قربها من عائلة سياسية أو تيار ديني أو حليف خارجي؟

ومع ذلك، لا يزال الأمل قائمًا في أن يفوز لولا، وأن تختار البرازيل مواصلة الدفاع عن مؤسساتها الديمقراطية واستقلال قرارها، وعن مجتمع يتسع للاختلاف ولا يجعل الدين أو الأصل أو الموقف السياسي معيارًا للمواطنة. فالمطلوب ليس مجرد الانتصار لمرشح، بل حماية الديمقراطية من الاستقطاب ومن تركيز السلطة، وصون حق البرازيليين في اختيار مستقبلهم بحرية، مع استمرار التضامن مع الشعب الفلسطيني واحترام القانون الدولي.

هنا يكمن جوهر المعركة. ففلسطين ليست قضية هامشية في الانتخابات البرازيلية؛ بل هي إحدى القضايا التي تكشف بوضوح المعنى الذي ستمنحه البرازيل للعدالة والسيادة والقانون الدولي بعد الخامس والعشرين من أكتوبر.

 

 

اخبار ذات صلة