٣ أعوام على الإبادة.. غزة تتنفس الحياة ٣ أعوام على الإبادة.. غزة تتنفس الحياة

أزمة الكاش .. تجار يغيّرون قواعد الدفع والمواطنون يتحملون الخسائر

الرسالة نت - خاص

بعدما كان الحصول على النقد الورقي في قطاع غزة معركة يومية، يدفع خلالها المواطنون عمولات تجاوزت 45% في بعض الفترات، انقلب المشهد خلال أقل من عام، ليصبح الكاش عبئًا على حامله، بعدما أخذ عدد من التجار والباعة يرفضون استلامه، مفضلين الدفع عبر المحافظ الإلكترونية والتحويلات البنكية.

هذا التحول يضع سكان القطاع أمام مفارقة قاسية؛ إذ بات بعضهم عاجزًا عن شراء احتياجاته رغم امتلاكه المال، فيما يضطر آخرون إلى التنازل عن جزء من قيمته لتحويله إلى رصيد إلكتروني. وبينما تتعدد أسباب الأزمة، تبرز تساؤلات بشأن دور كبار التجار في تغيير قواعد التعاملات، وانتقال كلفة اضطراب السيولة إلى المواطنين وأصحاب الأعمال الصغيرة.

من التهافت على الكاش إلى التخلص منه بالخسارة

يقول المواطن سالم أحمد إن المشهد تغير بصورة لافتة؛ فبعدما كان الجميع يبحثون عن النقد الورقي، بات التخلص منه صعبًا، موضحًا أنه اضطر إلى تحويل ألف شيكل نقدًا إلى محفظته الإلكترونية مقابل 960 شيكلًا فقط، بخسارة بلغت 4%.

ورغم سهولة الشراء عبر التطبيقات البنكية والمحافظ الإلكترونية، فإن أحمد يحذر من مخاطر الاعتماد الكامل عليها، في ظل احتمالات توقف الحسابات والمحافظ أو تعرضها للقرصنة، فضلًا عن الأعطال التقنية وانقطاع الإنترنت والاتصالات، ما قد يحرم المواطنين من الوصول إلى أموالهم عند الحاجة.

ولا تقتصر الأزمة على صعوبة استخدام النقد، بل تمتد إلى الفئات الأكثر هشاشة، التي لا تمتلك وسائل الدفع الإلكتروني. ويقول المواطن الستني عليان فارس إنه يواجه صعوبة كبيرة في التسوق بعدما بات الباعة يفضلون التحويلات الإلكترونية، موضحًا أنه لا يمتلك محفظة أو تطبيقًا بنكيًا بعدما فقد جواله خلال الحرب، ما يجعل رفض الكاش عائقًا أمام شراء احتياجاته اليومية.

كبار التجار يحددون قواعد السوق

في الأسواق، يتهم باعة كبار التجار بتغيير شروط التعاملات المالية وفق مصالحهم؛ إذ يقولون إن بعضهم كان يشترط الدفع النقدي خلال أزمة شح السيولة، قبل أن يتحول إلى تفضيل التحويلات الإلكترونية.

ويقول صاحب بسطة في مدينة غزة إن عددًا من التجار باتوا يرفضون استقبال النقد، ما اضطر الباعة الصغار إلى اتباع النهج نفسه، لأنهم يحتاجون إلى الأموال التي يحصلون عليها من المواطنين لشراء بضائع جديدة من تجار الجملة.

ويضيف أن أصحاب البسطات والمحال الصغيرة لا يملكون خيارات واسعة، إذ تحدد شروط الموردين قدرتهم على قبول وسائل الدفع المختلفة، ما يجعلهم ينقلون أثر هذه الشروط إلى المستهلكين.

كما يربط باعة بين رفض بعض التجار فئات نقدية، ومنها فئة العشرة شواكل، وتراجع استخدامها في التعاملات اليومية. وسبقت ذلك أزمة الفكة، التي كانت تجبر بعض المواطنين على شراء سلع بقيمة ورقة نقدية كبيرة، مثل 200 شيكل، لعدم قدرة البائع على إعادة الباقي.

 تقليص الكاش يفاقم الركود

ويرى الباحث في الشأن الاقتصادي أحمد أبو قمر أن استمرار تقليص تداول النقد الورقي يرتبط، وفق تقديره، بمساعٍ (إسرائيلية) لمراقبة المنظومة المالية في قطاع غزة وإحكام السيطرة على حركة الأموال عبر الحسابات المصرفية، معتبرًا أن التعامل النقدي المباشر يتيح إجراء معاملات يصعب إخضاعها للرقابة ذاتها.

ويحذر أبو قمر من أن استمرار الحد من تداول الكاش دون توفير بدائل عملية سيزيد من تدهور الأوضاع الاقتصادية، في ظل الركود الذي تعانيه الأسواق وحاجة عمليات البيع والشراء إلى السيولة المتاحة لدى المواطنين والتجار.

ويشير إلى أن تراجع الثقة بالنقد أو رفض التعامل به قد يحوله إلى أموال خاملة، لا يستطيع أصحابها استخدامها بسهولة، ما يفاقم معاناتهم المعيشية ويعطل النشاط التجاري.

ويعتبر أن إلزام التجار بقبول نسبة تتراوح بين 25 و30% من المعاملات نقدًا قد يخفف الأزمة، لكنه يشكك في نجاح الخطوة دون وجود جهة رقابية تتابع التنفيذ، أو دور فاعل للبنوك في تنظيم التعاملات.

رجال الأعمال يحذرون من حصر الدفع إلكترونيًا

بدوره، حذر رئيس جمعية رجال الأعمال في قطاع غزة علي الحايك من مخاطر توقف تداول النقد الورقي والاعتماد الكامل على التحويلات الإلكترونية، مؤكدًا أن استمرار استخدام الكاش ضرورة للحفاظ على حركة الأسواق وتسهيل معاملات المواطنين.

وأوضح الحايك أن التجار يواجهون صعوبات في إجراء التحويلات المالية إلى الخارج، لكن هذه التحديات لا ينبغي أن تتحول إلى مبرر لوقف تداول النقد داخل القطاع، مشددًا على ضرورة الفصل بين احتياجات التجار للتحويلات الخارجية ومتطلبات السوق المحلية.

وأشار إلى أن الاعتماد الكامل على الدفع الإلكتروني قد يحرم شريحة واسعة من المواطنين من شراء احتياجاتها الأساسية، خصوصًا من لا يمتلكون الوسائل التقنية اللازمة، داعيًا التجار إلى مواصلة قبول النقد الورقي، ولو في المعاملات الداخلية.

كما اتهم الحايك الاحتلال الإسرائيلي بالسعي إلى زعزعة الاستقرار الاقتصادي في القطاع عبر أزمات متلاحقة تمس السيولة والسلع الأساسية، وهي اتهامات تظل منسوبة إليه، فيما يتطلب تحديد المسؤوليات فحص السياسات والإجراءات والبيانات المتاحة.

المواطن يدفع ثمن اختلال السوق

تكشف أزمة الكاش في غزة عن خلل يتجاوز المفاضلة بين الدفع النقدي والإلكتروني؛ إذ تتداخل فيها أزمة السيولة وصعوبات التحويلات المالية، مع تفاوت القدرة على تحديد شروط التعامل بين كبار التجار وصغار الباعة.

فعندما يفرض المورد شروطًا محددة للدفع، يجد البائع الصغير نفسه مضطرًا إلى التكيف معها، حتى لو كان المستهلك لا يمتلك سوى النقد الورقي. وعندما يضطر المواطن إلى تحويل أمواله بخسارة، أو يعجز عن الشراء رغم امتلاكه المال، تصبح كلفة الأزمة عبئًا إضافيًا على معيشته.

ولا يكمن الحل في استبدال وسيلة دفع بأخرى بصورة قسرية، بل في ضمان قبول النقد المتداول، وتيسير التحويلات، وتوفير وسائل دفع آمنة ومتاحة للجميع؛ ففي سوق تعاني الركود وتراجع القدرة الشرائية، لا تكفي حيازة المال ما لم يكن صاحبه قادرًا على استخدامه لشراء احتياجاته الأساسية.

بث مباشر