☰
✕

قائمة الموقع

"ذاكرة القدس".. أرشيف بصري يوثّق تاريخ فلسطين وتراثها

2026-10-16T12:15:00+03:00
الرسالة نت - متابعة

من صور القدس التي التُقطت قبل أكثر من قرن، إلى مشاهد توثّق تفاصيل الحياة الفلسطينية وتحولاتها، تفتح مجموعة «ذاكرة القدس» نافذة على تاريخ فلسطين المعماري والاجتماعي، مستعيدة ملامح المكان والإنسان منذ أواخر القرن التاسع عشر وحتى اليوم.

وتوثّق المجموعة، التي جمعها المؤرخ والمعماري الأردني محمد هاشم غوشة على مدى سنوات من البحث، محطات تاريخية متعاقبة، بدءًا من العهد العثماني، مرورًا بالانتداب البريطاني والحكم الأردني، وصولًا إلى مسيرة المقاومة الفلسطينية والتحولات السياسية والاجتماعية التي شهدتها البلاد.

وتضم المجموعة صورًا تاريخية اختارها غوشة بعناية، وأُضيفت إلى أرشيف وكالة الأناضول، لتكون متاحة أمام الجمهور والباحثين والمهتمين بتاريخ القدس وفلسطين. كما تُرجمت المعلومات المرافقة لصور مختارة من المجموعة، المؤلفة من خمسة مجلدات، من نسختها العربية الأصلية، بما يتيح وصول هذه الشواهد البصرية إلى جمهور أوسع.

وحاز غوشة جائزة الملك فيصل لعام 2020، تقديرًا لأعماله الفكرية والبحثية المتعلقة بالقدس وتاريخها وتراثها.

من التهجير إلى استعادة الذاكرة

يرتبط مشروع غوشة البحثي بتجربته الشخصية مع القدس والتهجير؛ إذ اضطرت أسرته إلى مغادرة المدينة عام 1954، في أعقاب النكبة التي شهدت عام 1948 تهجير أعداد كبيرة من الفلسطينيين قسرًا من أرضهم، لتستقر لاحقًا في الكويت.

وجاء احتلال إسرائيل للقدس الشرقية عام 1967 ليحول دون عودة الأسرة إلى المدينة، فيما استمر ابتعادها عن فلسطين حتى عام 1994، حين تمكن غوشة من العودة.

واستعاد المؤرخ سنوات الغياب بوصفها تجربة مؤلمة، قائلًا: «لم تكن القدس وفلسطين وطننا فحسب، بل كانتا مستقبلنا وماضينا وقلبنا. وحتى عام 1994، كانت عودتنا إلى القدس وفلسطين محظورة».

ومع عودته، بدأ غوشة مرحلة جديدة كرّسها للبحث والتوثيق، مستندًا إلى الدراسات الميدانية والمصادر الأولية، بهدف تسجيل تاريخ المدينة ومعالمها وإعادة تقديم تاريخ القدس وفلسطين.

وقال: «بدأت حياة جديدة شرعت خلالها في بحث يهدف إلى توثيق كل أثر تاريخي في القدس، وإعادة نشر تاريخ القدس وفلسطين بالاستناد إلى أبحاثي الميدانية والمصادر الأولية التي كنت أعمل عليها».

ويرى غوشة أن مسؤولية المؤرخ لا تقتصر على تسجيل أحداث الماضي، بل تشمل صون التراث والحضارة ونقلهما إلى الأجيال المقبلة، مؤكدًا ضرورة مواصلة الكتابة عن التاريخ الفلسطيني ونشره بلغات مختلفة، حتى يصل إلى الجامعات ومراكز الأبحاث حول العالم.

وأضاف: «علينا مواصلة الكتابة عن تراثنا وتاريخنا وحضارتنا، لأننا من دون تراثنا لا يمكننا أن نجد مستقبلنا».

وشدد على أن الفلسطينيين سيعودون يومًا إلى بلادهم، وأن من حق الأجيال المقبلة أن تجد تاريخها وتراثها محفوظين، معتبرًا أن الحفاظ على الذاكرة الفلسطينية ونقلها إلى العالم يمثلان جزءًا أساسيًا من مهمة المؤرخين.

وقال: «علينا أن نكتب قصتنا بأنفسنا، وأن نحافظ عليها، وأن نوصلها إلى مراكز الأبحاث في الولايات المتحدة وأوروبا وسائر أنحاء العالم، فالحفاظ على قصتنا معركة كبيرة».

وأشار إلى أن نشر الدراسات التاريخية الفلسطينية ضروري لمساعدة العالم على فهم ما يجري في غزة والقدس وفلسطين عمومًا.

معالم تاريخية تواجه خطر الاندثار

على مدى نحو ثلاثة عقود من البحث والعمل في التاريخ والعمارة، وثّق غوشة عددًا كبيرًا من المعالم الإسلامية والمسيحية التاريخية في القدس وغزة، وأعدّ رسومات للواجهات والمقاطع والمخططات المعمارية لمواقع متعددة، قبل أن تتعرض معالم منها لأضرار ودمار جراء الهجمات الإسرائيلية.

ومن بين هذه المواقع الجامع العمري الكبير ومسجد السيد هاشم في غزة، اللذان يحتاجان إلى الترميم، إلى جانب كنائس ومسجد ابن مروان ومساجد أخرى، فضلًا عن الأضرحة والمدارس التاريخية والخانات القديمة.

وأكد غوشة أن توثيق هذه المواقع ودراستها معماريًا يسهمان في حفظ سجلها التاريخي، ويوفران مرجعًا يمكن الاستناد إليه في التعريف بها ونقل معرفتها إلى الأجيال المقبلة.

واعتبر أن حماية المعالم التاريخية تتجاوز الحفاظ على المباني، لتشمل صون الهوية الوطنية والذاكرة الحضارية، قائلًا إن الحفاظ عليها «مفتاح للنصر والمستقبل بالنسبة إلى أمتنا وشعبنا، لأنه لا يمكن لشعب لا يملك تاريخًا أن يصنع شيئًا في مستقبله».

الصورة وثيقة تاريخية

يولي غوشة أهمية خاصة للتصوير الفوتوغرافي بوصفه مصدرًا أساسيًا لدراسة تاريخ فلسطين وتراثها، لما توفره الصور من تفاصيل عن الحياة اليومية والعادات والتقاليد وتطور العمارة وأنماط العيش.

ويوضح أن الرحالة الذين زاروا فلسطين منذ القرن التاسع عشر اصطحبوا كاميراتهم والتقطوا صورًا لمناطق مختلفة، لتتحول هذه الصور لاحقًا إلى وثائق تكشف جوانب من تاريخ البلاد لا توفرها المصادر المكتوبة وحدها.

وتتيح المقارنة بين الصور القديمة والحديثة تتبع التحولات التي طرأت على المدن والأحياء والمعالم المعمارية، فضلًا عن رصد تفاصيل الحياة الاجتماعية التي قد تغيب عن السجلات الرسمية.

وقال غوشة: «الصور مصدر بالغ الأهمية لتاريخ فلسطين والقدس وتراثهما. وبصفتنا مؤرخين، علينا استخدام الصور إلى جانب الوثائق».

ومن هذا المنطلق، لا تقتصر قيمة مجموعة «ذاكرة القدس» على استعادة مشاهد من الماضي، بل تمتد إلى توفير مادة بصرية للباحثين تساعدهم على قراءة التحولات التي شهدتها فلسطين، وفهم العلاقة بين المكان وسكانه وتاريخهم.

توثيق غزة وشهادات الحرب

وامتد عمل غوشة التوثيقي إلى الحرب الإسرائيلية على قطاع غزة، من خلال ثلاثية أصدرتها وكالة الأناضول تحت عناوين «الدليل» و«الشاهد» و«المتهم»، قال إنها تتضمن وثائق تتعلق بالجرائم المرتكبة بحق الفلسطينيين خلال الحرب.

وأوضح أن هذه الكتب تضم مواد توثيقية مهمة بشأن ما وصفه بالإبادة الجماعية في غزة، وما تعرض له السكان من قتل ودمار وانتهاكات.

وقال: «هذه الكتب تتضمن وثائق بالغة الأهمية تظهر الإبادة الجماعية في غزة، والجرائم المرتكبة بحق الشعب الفلسطيني وأهل غزة خلال هذه الحرب الإجرامية».

وفي حديثه عن حضور القضية الفلسطينية عالميًا، عبّر غوشة عن اعتقاده بأن الوعي بها يتنامى، مستعينًا بمقارنة رقمية تلخص، بحسب تعبيره، حجم الألم والأمل المرتبطين بفلسطين.

وقال: «إذا أردتم قياس الألم في العالم من واحد إلى عشرة، فستحصل فلسطين على تسعة من عشرة. وإذا أردتم قياس الأمل في العالم من واحد إلى عشرة، فستحصل فلسطين أيضًا على تسعة من عشرة».

ويختتم غوشة رؤيته بتوسيع مفهوم الانتماء إلى القدس وفلسطين، معتبرًا أن أهلها لا يقتصرون على من وُلدوا أو عاشوا فيها، بل يشملون كل من يحملها في وعيه ومشاعره.

وهكذا، تتحول الصور والوثائق والمخططات المعمارية في مشروعه إلى أكثر من مجرد أرشيف للماضي؛ فهي محاولة لحماية الذاكرة الفلسطينية من الضياع، وصون الشواهد التي تربط الأجيال المقبلة بتاريخ المكان وهويته.

اخبار ذات صلة