حذّر الخبير في شؤون الإعمار ووكيل وزارة الأشغال العامة والإسكان السابق، المهندس ناجي سرحان، من استمرار عمليات التدمير والتجريف الإسرائيلية للمباني والعمارات السكنية في قطاع غزة، رغم مرور عام على اتفاق وقف إطلاق النار، مؤكدًا أن الاحتلال يواصل تغيير الواقع العمراني والجغرافي للقطاع، في ظل اتساع المناطق الخاضعة لسيطرته.
وقال سرحان لـ"الرسالة نت" إن عمليات الهدم لم تتوقف مع إعلان وقف إطلاق النار، بل استمرت بصورة واسعة، خصوصًا في المناطق الواقعة خلف ما يُعرف بـ«الخط الأصفر»، حيث تواصل قوات الاحتلال نسف العمارات والمباني السكنية وتجريف الأحياء التي كانت تضم آلاف الوحدات السكنية، ما يزيد حجم الدمار ويقلّص فرص عودة النازحين إلى مناطقهم.
وأوضح أن المؤشرات الأممية تكشف استمرار ارتفاع أعداد المباني المدمرة، إذ ارتفع عدد المنشآت المصنفة مدمرة بالكامل من 123 ألفًا و464 مبنى في أكتوبر 2025 إلى 134 ألفًا و422 مبنى في يونيو 2026، بزيادة تقارب 11 ألف مبنى، ما يعكس استمرار تدهور الواقع العمراني حتى بعد إعلان وقف إطلاق النار.
وأشار إلى أن هذه الأرقام لا تشمل فقط العمارات السكنية، وإنما مختلف المباني والمنشآت، لافتًا إلى أن استمرار نسف المباني وتجريف المناطق السكنية يحوّل أحياء كاملة إلى مساحات من الركام، ويزيد الأعباء المالية والهندسية التي ستواجه عملية إعادة الإعمار.
وأكد سرحان أن خطورة ما يجري لا تقتصر على تدمير المباني، بل تمتد إلى السيطرة الإسرائيلية المتزايدة على أراضي القطاع، موضحًا أن توسع ما يُعرف بـ«الخط الأصفر» قضم، وفق التقديرات التي أوردها، ما يزيد على 70% من مساحة غزة، ما يحرم السكان من الوصول إلى مناطق واسعة من أراضيهم ومنازلهم وممتلكاتهم.
ولفت إلى أن أكثر من مليوني فلسطيني باتوا يتكدسون في رقعة جغرافية شديدة الضيق، مقدّرًا أن المساحات المستخدمة للسكن الفعلي لا تتجاوز 12% من إجمالي مساحة القطاع، في ظل انتشار الركام والخيام وغياب الأراضي الصالحة لإقامة تجمعات سكنية جديدة.
وبيّن أن هذا الواقع تسبب في ارتفاع غير مسبوق بالكثافة السكانية داخل المناطق المتبقية، خصوصًا في الأحياء الغربية من مدينة غزة ومناطق النزوح وسط القطاع وجنوبه، حيث تضطر آلاف العائلات إلى الإقامة في الخيام أو المباني المتضررة، وسط غياب الخدمات الأساسية والبنية التحتية اللازمة للحياة.
وحذّر من أن استمرار السيطرة على هذه المساحات الواسعة، ومنع السكان من العودة إلى مناطقهم، يمثل عقبة جوهرية أمام أي خطة جدية لإعادة إعمار القطاع، إذ لا يمكن البدء بمشروعات إعادة البناء في ظل استمرار عمليات الهدم وعدم القدرة على الوصول إلى الأراضي والمنشآت المدمرة.
وأشار سرحان إلى أن قطاع غزة يواجه أزمة عمرانية غير مسبوقة، بعدما تعرضت نحو 85% من بنيته العمرانية للدمار أو الضرر بدرجات متفاوتة، فضلًا عن وجود مبانٍ ما زالت قائمة لكنها تعاني من أضرار إنشائية تجعل استخدامها محفوفًا بالمخاطر.
وأوضح أن التحديات أمام إعادة الإعمار تتضاعف بفعل الكميات الهائلة من الركام، ونقص المعدات الثقيلة والآليات الهندسية، واستمرار القيود الإسرائيلية على إدخال مواد البناء، إلى جانب غياب التمويل الكافي لتنفيذ مشروعات الإسكان والبنية التحتية.
وشدد على أن الأولوية لا تقتصر على توفير الخيام والمساكن المؤقتة، وإنما تتطلب وقف عمليات الهدم والتجريف، وانسحاب قوات الاحتلال من المناطق التي تسيطر عليها، وفتح المجال أمام إزالة الركام وإصلاح شبكات المياه والصرف الصحي والطرق، تمهيدًا لبدء عملية إعادة الإعمار الشاملة.
وحذّر سرحان من أن استمرار التدمير وتوسيع نطاق السيطرة الإسرائيلية يحوّل أزمة الإسكان في غزة إلى أزمة طويلة الأمد، ويهدد حق مئات آلاف العائلات في العودة إلى منازلها، مؤكدًا أن أي جهود دولية لإعادة الإعمار ستبقى محدودة ما لم تتوقف عمليات الهدم وتُرفع القيود المفروضة على القطاع.