☰
✕

قائمة الموقع

الخط الأصفر يضيّق مساحة الحياة في غزة

2026-10-13T23:22:00+03:00
الرسالة نت - متابعة

لم يكن زواج الشابة شهد فارس مناسبة عائلية عادية، بل سباقاً مع الوقت والخوف من نزوح جديد قد يحرمها من نقل ملابسها  وأغراضها إلى منزل زوجها. فمع اقتراب ما يُعرف بـ«الخط الأصفر» من المناطق التي يسكنها المواطنون شمالي قطاع غزة، اضطرت عائلة  العروس شهد  إلى تسريع ترتيبات الزواج، خشية أن تجد نفسها أمام مغادرة مفاجئة لا تتمكن معها من إنقاذ ما تبقى من ممتلكاتها.
وتقول والدة شهد  إن تحريك القوات (الإسرائيلية) الخط الأصفر غربي حي الشجاعية، أعاد مخاوف السكان من اتساع رقعة المناطق التي يضطرون إلى مغادرتها، بعدما ظنوا أن التوصل إلى اتفاق لوقف إطلاق النار قد يضع حداً لمعاناتهم.
في مخيم جباليا شمالي القطاع، حيث تقيم العائلة  بالقرب من الخط الأصفر، لم يعد الاستقرار أمراً يمكن التعويل عليه، إذ تترقب العائلة كل تطور ميداني، وتراقب تحركات الآليات العسكرية خشية أن يمتد نطاق المناطق المحظورة إلى المكان الذي يؤويها. ومع كل انفجار أو إطلاق نار، يتجدد السؤال الذي يلاحق السكان: هل سيضطرون إلى النزوح مرة أخرى؟

وتقول الأم البالغة من العمر 42 عاما إن حياتهم تحولت إلى انتظار دائم للحظة الرحيل، في ظل استمرار الانفجارات وعودة تفجير الروبوتات المفخخة، التي تتسبب في أضرار بالمنازل. وتضيف أن السكان ينامون «وأعينهم مفتوحة»، خوفاً من تقدم الآليات العسكرية خلال الليل، مؤكدة أن الحرب لم تنتهِ بالنسبة إليهم، رغم مرور عام على اتفاق وقف إطلاق النار.

وتوضح: «لم نعد نعرف متى سنضطر إلى الرحيل مرة أخرى. كل يوم نستيقظ على أصوات القصف وإطلاق النار، ونراقب الأخبار ونسأل الجيران إن كان الخط قد اقترب أكثر. أصبح الخوف جزءاً من حياتنا».

ولا يقتصر هذا الخوف على احتمال فقدان المساكن، بل يمتد إلى تفاصيل الحياة اليومية التي باتت جميعها مؤقتة. وتقول شهد 22 عاما: «لا نستطيع التخطيط لأي شيء، حتى تجهيز الطعام أو ترتيب بقايا المنزل أصبح مؤقتاً، لأننا لا نعرف إن كنا سنبقى هنا حتى الغد أم سنُجبر على المغادرة».

وتشير إلى أن أصوات القذائف والرصاص، خصوصاً خلال الليل، تترك آثاراً نفسية قاسية على الأطفال، الذين يعيشون في حالة من الهلع والترقب المستمرين، فيما تظل العائلة عاجزة عن معرفة ما إذا كان المكان الذي تقيم فيه سيبقى متاحاً لها في الأيام المقبلة.

الخط الأصفر.. حدود متحركة تتقدم غرباً

وتتزامن مخاوف العائلات مع تطورات ميدانية تعيد رسم حدود المناطق التي يستطيع الفلسطينيون البقاء فيها. فقد وسّعت )إسرائيل(، الأحد الماضي، نطاق المنطقة المحظورة الواقعة تحت سيطرة قواتها في قطاع غزة، عبر تحريك علامات الخط الأصفر غربي حي الشجاعية، لتقترب إلى نحو عشرة أمتار من شارع صلاح الدين شرقي مدينة غزة.

وأدى التوسع إلى وقوع مناطق جديدة ضمن نطاق الخط، ما أجبر سكاناً على مغادرة أماكن إقامتهم، خشية أن يصبحوا في مناطق خاضعة للسيطرة العسكرية "لإسرائيلية" أو ممنوعين من البقاء فيها.

ولم يعد الخط الأصفر مجرد علامة تفصل بين مواقع انتشار القوات )الإسرائيلية( والمناطق التي يقيم فيها الفلسطينيون، بل تحول، وفق منظمة هيومن رايتس ووتش، إلى حدود متحركة تتقدم غرباً، وتبتلع مزيداً من الأراضي والمنازل والمرافق الحيوية.

وحذرت المنظمة، في تقرير أصدرته في 10 أكتوبر/تشرين الأول 2026، بمناسبة مرور عام على دخول اتفاق وقف إطلاق النار حيز التنفيذ، من استمرار تحريك الخط إلى ما وراء حدوده المتفق عليها، في وقت تتزايد فيه الدعوات )الإسرائيلية( إلى اعتباره حدوداً جديدة.

وبحسب التقرير، باتت المنطقة الواقعة خلف الخط الأصفر تشمل نحو 64% من مساحة قطاع غزة، فيما يُحشر نحو 2.1 مليون فلسطيني في مساحة تتقلص تدريجياً، مع منع السكان من العودة إلى منازلهم الواقعة في المناطق الخاضعة للسيطرة الإسرائيلية.  
وتشير المنظمة إلى أن تحرك الخط لا يقتصر على تغيير مواقع انتشار القوات، بل يطال مقومات الحياة الأساسية، إذ وثقت الأمم المتحدة سقوط قتلى فلسطينيين قرب الخط، كما حذرت من أن تمدده غرباً يبتلع نقاط مياه ومرافق صحية، ويحد من وصول السكان إلى الخدمات الضرورية. 

تحذيرات من ضم مزيد من الأراضي 

وفي السياق، أدان المكتب الإعلامي الحكومي في غزة توسيع )إسرائيل( ما يُعرف بالخط الأصفر، معتبراً أنه أداة لضم مزيد من أراضي القطاع وتهجير السكان قسراً، بعدما امتدت المناطق المقيّدة لتشمل نحو 65% من مساحة غزة.

وقال المكتب إن التوسع العسكري ترافق مع عمليات قتل وتهجير وتدمير للمنازل وعزل للمرافق الحيوية، الأمر الذي فاقم الأزمة الإنسانية والخدمية، وضيّق المساحات المتاحة للسكان.

وتتقاطع هذه التحذيرات مع ما أوردته هيومن رايتس ووتش بشأن اتساع المنطقة الواقعة خلف الخط الأصفر . ويعكس ذلك، وفق تقديرات الجهتين، اتساع نطاق السيطرة الإسرائيلية وتقلص المساحة التي يستطيع الفلسطينيون الإقامة فيها.

ويأتي هذا التطور بعد عام على اتفاق وقف إطلاق النار، الذي دخل حيز التنفيذ في 10 أكتوبر/تشرين الأول 2025، وسط استمرار سقوط الشهداء والجرحى،  وبقاء الاحتياجات الإنسانية الأساسية دون تلبية كافية، وفق هيومن رايتس ووتش.


شارع صلاح الدين.. طريق محفوف بالمخاطر

ولا تقتصر تداعيات توسع الخط الأصفر على فقدان المساكن والنزوح، بل تمتد إلى حركة الفلسطينيين في المناطق الشرقية من القطاع، حيث تشكل المواقع العسكرية (الإسرائيلية) المنتشرة في المنطقة مصدر خطر متكرراً على السكان.
وأوضح سكان المناطق الشرقية أن إطلاق النار المتكرر أدى إلى استشهاد عشرات،  من سكان الأحياء الشرقية، مشيراين إلى أن شارع صلاح الدين، الممتد من جنوب القطاع إلى شماله، أصبح، بحسب وصفهم، «شارع الموت» بالنسبة إلى سكان المناطق الشرقية، نتيجة إطلاق النار على من يقتربون منه.

وتزيد هذه المخاطر من صعوبة تنقل السكان بين مناطق الإيواء ومصادر الغذاء والخدمات، في وقت يعتمد فيه كثيرون على الطرق المتاحة للوصول إلى احتياجاتهم الأساسية أو الانتقال بعيداً عن المناطق المهددة.

في غزة، لا يقف أثر الخط الأصفر عند حدود تتغير على الأرض، بل يمتد إلى حياة السكان الذين باتوا مهددين بفقدان المكان الذي يؤويهم في أي وقت، فيما يظل السؤال الأصعب معلقاً: إلى أين يذهبون إذا ضاقت المساحة المتاحة لهم أكثر؟

اخبار ذات صلة