٣ أعوام على الإبادة.. غزة تتنفس الحياة ٣ أعوام على الإبادة.. غزة تتنفس الحياة

جيلٌ خارج الملعب.. كيف سرقت الحرب مستقبل الرياضة في غزة؟

الرسالة نت - خاص

لم تقتصر خسائر الرياضة في غزة على الرياضيين الذين استشهدوا، أو الملاعب التي تحولت إلى ركام؛ فثمة خسارة أخرى لا تظهر في قوائم الضحايا ولا تُقاس بعدد المنشآت المدمرة، تتمثل في جيل من الأطفال والشباب حُرم من اللعب والتدريب والمنافسة، وفقد المساحات التي كان يمكن أن تصنع منه لاعبين في المستقبل.

قبل الحرب، كانت الملاعب والأندية والأكاديميات الرياضية تشكل محطات أساسية في حياة آلاف الأطفال، الذين وجدوا فيها فرصة لتطوير مواهبهم، وتعلم الانضباط والعمل الجماعي، والحلم بارتداء قميص نادٍ أو منتخب. لكن الحرب قلبت هذه المعادلة، وأصبح البقاء وتوفير الاحتياجات الأساسية يتقدمان على أي فرصة لممارسة الرياضة.

مواهب توقفت قبل أن تبدأ

في الظروف الطبيعية، يحتاج اللاعب الشاب إلى سنوات من التدريب المنتظم، ومرافق مناسبة، ومدربين قادرين على متابعة تطوره، ومنافسات تمنحه فرصة اختبار قدراته. وحين تتوقف هذه المنظومة، لا يخسر اللاعب مباراة أو موسماً فحسب، بل يفقد جزءاً من مساره الرياضي، وقد تتراجع فرصته في الوصول إلى المستويات التي كان يطمح إليها.

وتزداد صعوبة استعادة هذا المسار عندما تتزامن خسارة التدريب مع النزوح وتدمير المنشآت وتشتت المجتمعات المحلية. فالموهبة وحدها لا تكفي لصناعة لاعب، بل تحتاج إلى بيئة تحميها وتمنحها الوقت والإمكانات اللازمة للنمو، وهي عناصر بات الوصول إليها أكثر تعقيداً في واقع غزة الذي خلفته الحرب.

حين تصبح الأولوية للنجاة

لم تعد الرياضة في حياة كثير من العائلات أولوية يمكن التفكير فيها وسط النزوح والخوف ونقص الاحتياجات الأساسية. فالطفل الذي كان ينتظر موعد التدريب أو يتطلع إلى مباراة جديدة، باتت حياته اليومية مرتبطة بتأمين احتياجاته الأساسية والبحث عن مكان أكثر أمناً، فيما فقدت أسر كثيرة القدرة على توفير متطلبات النشاط الرياضي.

ولا يعني ذلك أن الرغبة في اللعب اختفت، بل إن المساحات والظروف التي تسمح بممارسته تراجعت بشدة. فحين تغيب الملاعب الآمنة والتجهيزات والمدربون، يصبح استمرار التدريب تحدياً يتجاوز إرادة اللاعب نفسه، وتتحول ممارسة الرياضة إلى محاولة للتمسك بجزء من الحياة التي عرفها قبل الحرب.

خسارة تتجاوز سنوات الحرب

تتطلب إعادة بناء الرياضة في غزة أكثر من إصلاح الملاعب وفتح أبواب الأندية؛ إذ يحتاج الجيل الذي انقطع عن التدريب إلى برامج لاستعادة النشاط، ومساحات آمنة، ومعدات، ومدربين، ومسابقات منتظمة تعيد للاعبين فرصة التطور. كما أن إعادة تأهيل المنشآت وحدها لن تعوض تلقائياً السنوات التي فقدها الأطفال والشباب بعيداً عن الرياضة.

وتكمن خطورة هذه الخسارة في أنها قد تمتد إلى ما بعد توقف الحرب، لأن آثار الانقطاع لا تنتهي بمجرد عودة المباريات. فاللاعبون يحتاجون إلى وقت لاستعادة مستوياتهم، والأندية تحتاج إلى استئناف برامجها، فيما يحتاج الأطفال إلى بيئة تمنحهم فرصة الحلم من جديد.

من يعيد الحلم إلى الملعب؟

لا يمكن اختزال مستقبل الرياضة في غزة بعدد الملاعب التي ستُعاد إقامتها، بل بقدرة المؤسسات الرياضية على استعادة دورها في حياة الأطفال والشباب، وفتح الطريق أمام جيل حُرم من فرص التدريب والمنافسة. فإعادة بناء المنظومة تعني أيضاً حماية المواهب من الضياع، ومنحها فرصة حقيقية لاستكمال مسارها الرياضي.

لقد تركت الحرب دماراً يمكن رؤيته في المدرجات والأرضيات وغرف الملابس، لكنها خلّفت أيضاً خسارة أقل ظهوراً: سنوات من التدريب والفرص والأحلام التي لم تجد طريقها إلى الملاعب. وبينما يمكن إعادة بناء المنشآت، يبقى السؤال الأصعب: كم من المواهب سيستطيع العودة، وكم من الأحلام سيكون قد تأخر أو ضاع قبل أن تتاح لها الفرصة؟ 

بث مباشر