٣ أعوام على الإبادة.. غزة تتنفس الحياة ٣ أعوام على الإبادة.. غزة تتنفس الحياة

من النزوح المؤقت إلى التهجير الدائم

مخيمات شمال الضفة في مرمى مخطط إسرائيلي لمحو الوجود الفلسطيني

الرسالة نت - متابعة

تواصل إسرائيل تهجير عشرات آلاف الفلسطينيين من مخيمات اللاجئين في شمال الضفة الغربية المحتلة، وسط مؤشرات على تحويل النزوح الذي بدأ مع العملية العسكرية إلى واقع دائم، في وقت تتحدث فيه الحكومة الإسرائيلية عن تشجيع ما تسميه "الهجرة الطوعية"، بينما يتمسك قادة الاحتلال بإبقاء قوات الجيش داخل المخيمات على المدى الطويل، ويرفضون السماح للسكان بالعودة إلى منازلهم.

وفي ظل انشغال الاهتمام الدولي بالحرب الإسرائيلية على قطاع غزة، تتواصل عمليات التهجير في الضفة الغربية، حيث لا يزال أكثر من 33 ألف فلسطيني من مخيمات جنين وطولكرم ونور شمس عاجزين عن العودة إلى منازلهم، وفق معطيات الأمم المتحدة التي استندت إليها صحيفة "هآرتس" الإسرائيلية في افتتاحيتها، اليوم الثلاثاء.

وقالت الصحيفة إن ما يجري يمثل تهجيرًا جماعيًا ومتواصلًا للسكان الفلسطينيين من منازلهم، من دون أن يحظى بالاهتمام الكافي داخل المجتمع الإسرائيلي، محذرة من أن إسرائيل تتبع نهجًا يتحول فيه الإجراء المؤقت إلى واقع دائم، حتى عندما لا تعلن سلطاتها ذلك صراحة.

وبدأت العملية العسكرية "السور الحديدي" في كانون الثاني/يناير 2025، بذريعة استهداف بنى تحتية تصفها إسرائيل بأنها «إرهابية»، لكنها أدت، خلال أسابيع، إلى إفراغ مخيمات شمال الضفة من عشرات آلاف السكان. ووفقًا لـ«هآرتس»، أعلن الجيش الإسرائيلي في البداية أنه لا يعمل على إخلاء السكان، غير أن الأهالي أفادوا بأن الجنود أمروهم بمغادرة منازلهم ومنعوهم من العودة إليها.

وأضافت الصحيفة أن الجيش، حتى بعد إعلانه في آب/أغسطس تحسنًا في تحقيق أهدافه الأمنية، لم يعلن عزمه السماح للسكان بالعودة، بل استمر في منع عودتهم، بالتزامن مع هدم منازل داخل المخيمات، الأمر الذي حرم عددًا من العائلات من وجود مساكن يمكنها الرجوع إليها.

وتتجاوز تداعيات هذه السياسة الأضرار الناجمة عن العمليات العسكرية المباشرة، إذ يواجه المهجّرون ظروفًا معيشية وإنسانية صعبة في ظل استمرار النزوح وغياب جدول واضح لعودتهم، فيما تتزايد المخاوف من أن يصبح إبعادهم عن مخيماتهم خطوة طويلة الأمد، بدلًا من أن يكون إجراءً مؤقتًا مرتبطًا بالعمليات العسكرية.

قرار قضائي يطالب بتحديد موعد لعودة النازحين

وفي تطور قضائي، أصدرت المحكمة العليا الإسرائيلية، الأحد الماضي، قرارًا أمرت فيه السلطات بتقديم جدول زمني لاستكمال الخطوات اللازمة لعودة سكان مخيمات جنين وطولكرم ونور شمس إلى منازلهم، وبحث سبل تسريع هذه الإجراءات.

وجاء القرار في إطار التماس قدمته جمعية حقوق المواطن في أيلول/سبتمبر 2025، نيابة عن سكان من مخيمي جنين ونور شمس، طالب بالسماح للنازحين بالعودة إلى منازلهم، وضمان تلبية احتياجاتهم الإنسانية إلى حين عودتهم.

ووصف الالتماس عمليات الإخلاء بأنها "موجة التهجير الأكبر في الضفة الغربية منذ العام 1967"، في إشارة إلى اتساع نطاق النزوح الذي طال مخيمات اللاجئين في شمال الضفة، واستمرار منع السكان من العودة رغم مرور أشهر على بدء العملية العسكرية.

ورأت "هآرتس" أن ما حدث يعكس نمطًا إسرائيليًا يقوم على فرض واقع جديد تحت غطاء الإجراءات المؤقتة، قبل تثبيته على الأرض. وأشارت إلى أن استمرار منع العودة، بالتزامن مع هدم المنازل، يثير تساؤلات بشأن حقيقة الأهداف التي تسعى إسرائيل إلى تحقيقها في هذه المخيمات.

كاتس وسموتريتش يرفضان تدخل المحكمة العليا

وفي مواجهة التحرك القضائي، رفض وزير جيش الاحتلال، يسرائيل كاتس، تدخل المحكمة العليا في مسألة استمرار وجود جيش الاحتلال داخل مخيمات جنين وطولكرم ونور شمس، معلنًا أن القوات الإسرائيلية ستبقى فيها "على المدى الطويل"، ومهددًا باللجوء إلى تشريع خاص في الكنيست إذا اقتضت الحاجة إلى تثبيت هذه السياسة.

وادعى كاتس أن المحكمة العليا ينبغي أن تكف عن التدخل في النشاط العملياتي للجيش في الضفة الغربية، زاعمًا أن الإجراءات العسكرية تهدف إلى حماية حياة الجنود والمدنيين، وأن استمرار الوجود العسكري داخل المخيمات "ليس مسألة قانونية، وإنما مسألة عملياتية وأمنية".

وتأتي هذه التصريحات امتدادًا لموقف إسرائيلي سابق، إذ أعلن كاتس، قبل أكثر من عام ونصف العام، أن إسرائيل لن تسمح للسكان بالعودة إلى المخيمات لمدة عام على الأقل، ما عزز المخاوف من أن يكون منع العودة جزءًا من سياسة تتجاوز الاعتبارات العسكرية المعلنة.

كما هاجم وزير المالية الإسرائيلي والوزير في وزارة الأمن، بتسلئيل سموتريتش، المحكمة العليا، مدعيًا أن أمن إسرائيل لا يخضع للمراجعة القضائية، وأن الجيش هو المسؤول عن الأمن.

وفي المقابل، وصفت "هآرتس" هذه المواقف بأنها جزء من خطاب يبرر السيطرة على الأرض وإبعاد السكان عنها بذريعة الأمن، معتبرة أن أقوال سموتريتش تندرج ضمن ما وصفته بالتضليل الذي يخفي، بحسب الصحيفة، تطلعات المشروع الاستيطاني إلى السيطرة على مزيد من الأراضي الفلسطينية.

مخاوف من مخطط أوسع لمحو قضية اللاجئين

وحذرت الصحيفة من أن المستوطنين وممثليهم في الحكومة الإسرائيلية يسعون إلى هدم مخيمات اللاجئين، وربطت بين هذه التوجهات ومحاولات إسرائيل منع أنشطة وكالة الأمم المتحدة لإغاثة وتشغيل اللاجئين الفلسطينيين "أونروا"، معتبرة أن هذه السياسات تثير شبهات بشأن وجود مخطط أوسع يستهدف قضية اللاجئين الفلسطينيين.

وأكدت "هآرتس" أن الاعتبارات الأمنية لا تعفي إسرائيل من التزاماتها تجاه السكان الفلسطينيين الخاضعين للاحتلال، مشددة على أن واجبات الدولة لا تقتصر على ضمان الأمن، بل تشمل أيضًا تقليص الأضرار التي تلحق بحقوق السكان إلى أقصى حد ممكن.

ودعت الصحيفة المحكمة العليا إلى عدم السماح للسلطات الإسرائيلية بالتهرب من مسؤولياتها تجاه الفلسطينيين، والضغط من أجل اتخاذ خطوات سريعة تتيح لعشرات آلاف المهجّرين العودة إلى منازلهم.

وشددت على أن منع السكان من العودة إلى مناطقهم ومنازلهم قد يرقى إلى جريمة نقل قسري للسكان، وهي ممارسة تُحظر بموجب القانون الدولي الإنساني وقد تشكل جريمة حرب في الظروف التي يحددها القانون. وحذرت من أن استمرار هذه السياسة قد يعرض إسرائيل للمساءلة عن التهجير القسري والملاحقة.

وبينما تصر الحكومة الإسرائيلية على إبقاء قواتها داخل المخيمات لفترة طويلة، يظل مصير عشرات آلاف الفلسطينيين معلّقًا بين قرارات عسكرية تمنع عودتهم وتحرك قضائي يطالب بوضع جدول زمني لإنهاء النزوح. وفي ظل هدم المنازل وغياب ضمانات واضحة للعودة، تتزايد المخاوف من أن يتحول التهجير من نتيجة للعملية العسكرية إلى سياسة تفرض تغييرًا دائمًا في الواقع السكاني والجغرافي لشمال الضفة الغربية المحتلة.

بث مباشر