«شو ذنبي إني فقدت شعري؟».. سؤال تختصر فيه الطفلة الفلسطينية سنا رضوان جانبًا من معاناتها، بعدما فقدت شعر رأسها وجسدها بالكامل، وأصبحت تواجه، إلى جانب مرضها، تنمرًا يلاحقها في المدرسة وفي محيطها الاجتماعي. لم تتجاوز سنا الثانية عشرة من عمرها، لكنها تحمل ذكريات نزوح وقصف وخوف متكرر، فيما تنتظر أسرتها فرصة لنقلها إلى خارج قطاع غزة، حيث يمكنها إجراء الفحوصات اللازمة وتقييم خيارات علاجها.
كانت الطفلة سنا تعيش حياة عادية في بلدتها خزاعة شرق خان يونس، بشعر طبيعي وحياة تشبه حياة قريناتها. لكن تساقط الشعر بدأ قبل نحو ثلاث سنوات، واستمر تدريجيًا حتى لم يعد مقتصرًا على رأسها، بل امتد إلى سائر جسدها. وشُخّصت حالتها بالثعلبة الشاملة، وهي حالة يفقد فيها المصاب شعر الرأس وسائر شعر الجسم.
ومع مرور الوقت، لم تعد رحلة سنا مقتصرة على التعامل مع مرض يحتاج إلى متابعة طبية متخصصة؛ إذ تزامنت مع سنوات من الخوف والاضطراب والنزوح الذي عاشته الأسرة في قطاع غزة.
يشير الفريق الطبي المعالج، إلى أن الضغوط النفسية قد تسهم في ظهور بعض الحالات المشابهة لحالة سنا.
خال الطفلة، محمد رضوان يقول في مقابلة مع الرسالة: بدأت رحلة النزوح منذ الأيام الأولى للحرب. انتقلت سنا مع أسرتها إلى منزل أقارب والدتها بحثًا عن مكان أكثر أمانًا، لكن هذا الملاذ لم يدم طويلًا؛ إذ تعرض منزل قريب منهم للقصف بعد نحو أسبوعين، ما أدى، إلى استشهاد 25 شخصًا.
بعد ذلك، انتقلت الأسرة إلى مدرسة الحوراني غرب خان يونس، قبل أن تضطر إلى النزوح نحو رفح. وفي كل محطة، كانت سنا تكتشف أن المكان الذي تصل إليه بحثًا عن الأمان قد لا يكون سوى استراحة مؤقتة قبل رحلة أخرى.
لم تكن الطفلة بعيدة عن مشاهد القصف والدمار. يقول خالها إنها شاهدت أطفالًا استشهدوا جراء القصف، وعاشت على وقع أصوات الانفجارات ونسف المباني، كما نجت في إحدى المرات من قصف وقع خلال تنقل الأسرة. وأوضح أن أصوات الانفجارات ومشاهد الدمار جعلتها تعيش في خوف مستمر.
ومع تواصل الحرب، تكررت محطات النزوح. ووفق خالها، اضطرت الأسرة إلى النزوح أكثر من 15 مرة، وسط غياب الاستقرار وصعوبة العثور على مكان آمن. وعندما دخلت قوات الاحتلال مدينة رفح، عادت الأسرة إلى منزلها، لكنها لم تجد فيه الطمأنينة التي كانت تبحث عنها؛ إذ استمر القصف وإطلاق النار والتحليق المكثف للطائرات المسيّرة.
ومن بين أكثر اللحظات قسوة التي استعادها الخال، يوم عيد الفطر عام 2024، حين استيقظت سنا على صوت انفجار وسقوط الحجارة والرمال، وشاهدت رأس طفلة وأشلاء متناثرة في المكان.
وخلال تلك الفترة، اشتد تساقط شعرها حتى فقدت شعر رأسها بالكامل، ثم شعر جسدها أيضًا. لكن المرض لم يكن التحدي الوحيد الذي واجهته؛ فمع تغير مظهرها، بدأت معاناة أخرى تتشكل في حياتها اليومية.
تجد سنا نفسها مضطرة إلى مواجهة تعليقات الآخرين ونظراتهم بسبب فقدان شعرها؛ ما أثر عليها اجتماعيًا ودراسيًا، ولم تعد ترغب في الذهاب إلى المدرسة أو الخروج والاختلاط بالناس كما كانت تفعل من قبل.
خضعت الطفلة لمحاولات علاج متعددة، من بينها أدوية مثل السيكلوسبورين والعلاج بالنبضات، كما لجأت الأسرة في مراحل سابقة إلى علاجات أخرى، بينها حقن البلازما وعلاجات تقليدية، لكنها لم تحقق الاستجابة التي كانت تأملها.
نقص الإمكانات الطبية داخل القطاع جعل متابعة الحالة أكثر صعوبة، في ظل عدم توفر بعض الأدوية والفحوصات المطلوبة، وارتفاع تكلفة بعض التحاليل التي قد تصل إلى 50 دولارًا أو أكثر.
حصلت سنا على تحويلة طبية للعلاج خارج قطاع غزة، لكنها ما زالت تنتظر السفر.
ويبقى السؤال الذي طرحته عن فقدان شعرها تعبيرًا عن حاجتها إلى ما هو أبعد من الدواء: أن يفهم هذا العالم أن من حق أطفال غزة أن يمنحوا فرصة ليعيشوا طفولتهم التي سرقها الاحتلال.