أعاد قرار الرئيس الفلسطيني محمود عباس تأجيل الانتخابات التشريعية وتحديد موعد جديد لإجراء انتخابات رئاسية وتشريعية متزامنة في 11 سبتمبر/أيلول 2027، فتح الأسئلة بشأن دوافع التأجيل وتوقيته، وما إذا كان استجابة للعقبات (الإسرائيلية) التي تعترض العملية الانتخابية، أم انعكاسًا لأزمة التوافق الوطني والانقسامات داخل حركة فتح وحسابات المنافسة السياسية.
وأصدر عباس، السبت الماضي، مرسومًا رئاسيًا يدعو إلى إجراء الانتخابات الرئاسية والتشريعية بالتزامن، بناءً على قرار اللجنة التنفيذية لمنظمة التحرير الفلسطينية، ملغيًا بذلك مرسومًا سابقًا حدد 28 نوفمبر/تشرين الثاني المقبل موعدًا لإجراء انتخابات المجلس التشريعي وحده، بعد دعوة الفلسطينيين في القدس والضفة الغربية وقطاع غزة إلى المشاركة فيها.
وبين استمرار القيود (الإسرائيلية)، وتعثر التوافق بين القوى الفلسطينية، وتعدد القوائم والانقسامات داخل حركة فتح، تتباين القراءات بشأن الأسباب التي دفعت إلى تغيير مسار الانتخابات.
وفيما تمثل الاعتداءات (الإسرائيلية) عائقًا أمام إجرائها، يطرح القرار تساؤلات بشأن دور الحسابات الداخلية في تحديد مصير الاستحقاق الانتخابي، وما إذا كان الموعد الجديد سيشكل مدخلًا لإعادة ترتيب البيت الفلسطيني، أم سيؤدي إلى إطالة أمد الأزمة السياسية والانقسام.
عقبات (إسرائيلية) وحسابات داخلية
يرى الكاتب والمحلل السياسي نهاد أبو غوش أن قرار تأجيل الانتخابات كان متوقعًا في ظل استمرار الحرب (الإسرائيلية) على قطاع غزة، والخروقات اليومية وسقوط الشهداء، وتدمير المستشفيات والبنية التحتية ومصادر المياه والطاقة، إلى جانب عدم السماح للجنة الانتخابات المركزية بدخول القطاع والإشراف على العملية الانتخابية.
ويضيف أن الضفة الغربية تشهد بدورها اعتداءات متواصلة من جيش الاحتلال والمستوطنين، بما يهدد سلامة الفلسطينيين وحركتهم اليومية، ويجعل تنظيم انتخابات في ظروف طبيعية وآمنة أمرًا بالغ الصعوبة.
ويتفق الكاتب والمحلل السياسي محمد أبو قمر مع أن القيود (الإسرائيلية) تمثل عائقًا رئيسيًا أمام الانتخابات، خصوصًا في ما يتعلق بالقدس وقطاع غزة، والاستيطان والسيطرة على الأراضي الفلسطينية، والقيود المفروضة على حركة الفلسطينيين بين المحافظات.
لكنه يرى أن هذه العقبات كانت قائمة قبل الإعلان عن الانتخابات، ولم تتغير بصورة جوهرية تفسر وحدها توقيت التأجيل، معتبرًا أن الأسباب الداخلية الفلسطينية أسهمت بدورها في اتخاذ القرار.
وبينما يشدد أبو غوش على تداخل العوامل الخارجية والداخلية، يذهب أبو قمر إلى أن حسابات المنافسة الانتخابية والانقسامات داخل حركة فتح كانت من أبرز العوامل التي دفعت نحو التأجيل.
تشتت فتح ومخاوف النتائج
يضع أبو قمر الانقسام داخل حركة فتح في صدارة تفسيره للأسباب الداخلية التي أحاطت بقرار التأجيل، مشيرًا إلى أن قيادة السلطة ربما راهنت، عند الدعوة إلى الانتخابات، على أن الظروف الميدانية في قطاع غزة ستحد من قدرة حركة حماس على خوض المنافسة، لكنها فوجئت، وفق تقديره، باتجاهات لتشكيل تحالفات وطنية تضم حماس وقوى وفصائل أخرى.
ويشير إلى أن حركة فتح أخفقت في توحيد صفوفها ضمن قائمة انتخابية واحدة، رغم الاتصالات والحوارات التي استهدفت معالجة الانقسامات، ومنها تحركات في القاهرة لم تفضِ إلى تسويات حاسمة.
ويضيف أن تعدد القوائم المحسوبة على التيار الفتحاوي، في ظل الحديث عن قوائم مرتبطة بمحمد دحلان وناصر القدوة وقدورة فارس، إلى جانب القائمة الرسمية، كان ينذر بتشتت أصوات الحركة، ويضعها أمام تحديات انتخابية كبيرة.
وبحسب أبو قمر، فإن هذه المعطيات عززت مخاوف قيادة السلطة من نتائج الانتخابات، في ظل احتمال تراجع نتائج القائمة الرسمية لحركة فتح بسبب الانقسامات الداخلية وتعدد المنافسين المحسوبين على التيار نفسه.
وتظل هذه القراءة، وفق طرح أبو قمر، تفسيرًا سياسيًا لدوافع التأجيل، وليست سببًا رسميًا معلنًا للقرار.
من جهته، يشير أبو غوش إلى أن تعثر التوافق داخل فتح لم يكن العامل الداخلي الوحيد، إذ لم تتوصل القوى الفلسطينية أيضًا إلى اتفاق وطني على شروط الانتخابات وقواعدها، رغم تعدد المبادرات والجهود المبذولة لتحقيق التفاهم.
مراسيم متغيرة وتوافق غائب
إلى جانب الانقسامات الحزبية، يثير المحللان تساؤلات بشأن طريقة إدارة ملف الانتخابات، وتوقيت القرارات المتعلقة به، ومدى إشراك القوى الفلسطينية في تحديد شروط العملية الانتخابية.
ويقول أبو غوش إن المراسيم والقرارات الانتخابية شهدت تعديلات متكررة، من دون أن تكون حصيلة توافق وطني شامل، معتبرًا أن الملاحظات المتعلقة بتوقيت الانتخابات والتعديلات القانونية كان يمكن معالجتها مسبقًا عبر الحوار بين القوى السياسية.
ويلفت إلى أن بعض الشروط القانونية المتعلقة بالالتزام ببرنامج منظمة التحرير الفلسطينية قد تفتح المجال، بحسب تقديره، أمام استبعاد قوائم تختلف برامجها السياسية عن برنامج المنظمة، وهو ما أثار تحفظات بشأن ضمان مشاركة القوى الرئيسية في العملية الانتخابية.
أما أبو قمر، فيرى أن إدارة السلطة ملف الانتخابات اتسمت بالاضطراب منذ البداية، مشيرًا إلى أن الدعوات الفلسطينية إلى الحوار الوطني سبقت دعوة الرئيس محمود عباس للانتخابات، لكن التوجه نحو الاقتراع لم يسبقه توافق شامل على قواعده وشروطه.
ويضيف أن القرارات المتعلقة بالعملية الانتخابية، بما فيها تعديل عدد أعضاء المجلس التشريعي ثم التراجع عن التعديل، وعدم تحديد موعد واضح للانتخابات الرئاسية بالتوازي مع الانتخابات التشريعية، عززت التساؤلات بشأن طريقة إدارة هذا الملف.
ويرى أبو قمر أن الدعوة إلى الانتخابات جاءت أيضًا في سياق ضغوط أوروبية استمرت سنوات للمطالبة بتجديد الشرعيات الفلسطينية وإعادة تنشيط المؤسسات، ضمن المطالب المتعلقة بإصلاح السلطة. ويثير هذا السياق، وفق قراءته، تساؤلات بشأن مدى حضور الاعتبارات الخارجية في قرار الدعوة إلى الانتخابات، ثم في إدارة مسارها لاحقًا.
وفي السياق نفسه، يعتبر أبو غوش أن إبلاغ فرنسا بقرار التأجيل قبل الإعلان الرسمي عنه يثير تساؤلات بشأن موقع الاعتبارات الخارجية في القرار، مشددًا على أن الانتخابات استحقاق وطني وديمقراطي، ومطلب داخلي فلسطيني، لا ينبغي التعامل معه باعتباره استجابة لمطالب خارجية فحسب.
هل يكون الحوار الوطني مخرجًا أم غطاءً للتأجيل؟
بعد قرار التأجيل، ينتقل السؤال من أسباب القرار إلى مآلاته: هل ستستثمر القيادة الفلسطينية المرحلة المقبلة في معالجة الانقسامات والاتفاق على قواعد الانتخابات، أم سيؤدي القرار إلى تمديد الوضع القائم؟
يرى أبو غوش أن المسألة لا تتعلق بمنح السلطة الفلسطينية مزيدًا من الوقت، في ظل انتهاء مدة ولايتها أكثر من مرة، وإنما بالتوصل إلى صيغة وطنية جامعة لإدارة المرحلة الانتقالية، والتحضير الجيد للانتخابات، والاتفاق على القوانين والتفاصيل المرتبطة بها.
ويشدد على أن المرحلة المقبلة تتطلب حوارًا فلسطينيًا جادًا لا يقتصر على شروط الاقتراع، بل يمتد إلى إدارة الملفات الوطنية في قطاع غزة والضفة الغربية، وتحديد سبل مواجهة الاحتلال على المستويات الميدانية والعربية والدولية.
أما أبو قمر، فيبدي شكوكًا بشأن فرص ترجمة الدعوات إلى الحوار إلى نتائج عملية، مستندًا إلى أن دعوات سابقة لم تُفضِ إلى خطوات حاسمة. ويرى أن الحوار الذي طُرح بعد قرار التأجيل قد يوفر مخرجًا سياسيًا للقيادة، لكنه لا يثبت جدّيته ما لم يتحول إلى تفاهمات واضحة بشأن الانتخابات واستئناف مسارها.
ويعتبر أن طبيعة المرحلة المقبلة ستكشف ما إذا كانت القيادة الفلسطينية تتجه نحو حوار حقيقي يعالج الانقسامات ويضمن التوافق على العملية الانتخابية، أم أن التأجيل جاء لتجنب نتائج محتملة في ظل تشتت القوائم الفتحاوية.
أزمة تتجاوز صندوق الاقتراع
لا تقتصر تداعيات تأجيل الانتخابات، وفق قراءة أبو غوش، على تعطيل استحقاق ديمقراطي، بل ترتبط أيضًا بأزمة أوسع تتعلق بفاعلية المؤسسات الفلسطينية وقدرتها على إدارة الشأن العام ومواجهة التحديات الوطنية.
ويشير إلى تراجع قدرة السلطة على إدارة المجتمع الفلسطيني والملف الوطني في ظل الإجراءات الإسرائيلية المتواصلة، ومصادرة الصلاحيات والأموال، الأمر الذي يجعل تجديد المؤسسات والتوافق على آليات العمل السياسي جزءًا من معالجة الأزمة، لا مجرد إجراء انتخابي منفصل.
وفي المحصلة، تكشف قراءتا أبو غوش وأبو قمر عن تداخل ثلاثة عوامل رئيسية في تفسير تأجيل الانتخابات: القيود (الإسرائيلية) التي تعرقل إجراءها، وغياب التوافق الوطني على شروطها، والانقسامات داخل حركة فتح وما تثيره من حسابات بشأن النتائج المحتملة.
وبينما يصعب فصل هذه العوامل بعضها عن بعض، يبقى الاختبار الأهم في المرحلة المقبلة هو ما إذا كان التأجيل سيتحول إلى فرصة لإعادة بناء التوافق الفلسطيني، أم سيكرّس استمرار الانقسام وتعطيل الانتخابات، ويُبقي المؤسسات السياسية أمام أزمة شرعية وتجديد متواصلة.