٣ أعوام على الإبادة.. غزة تتنفس الحياة ٣ أعوام على الإبادة.. غزة تتنفس الحياة

قرية أوصرين .. أشجار الزيتون تُقتلع والأمان يُنتزع من البيوت

الرسالة نت - خاص


لم يكن نضال عدلي في أرضه حين هاجم نحو ثلاثين مستوطنًا منزله في بلدة أوصرين، جنوب نابلس، تاركين زوجته وحدها في مواجهة الخطر مع أطفالها الثلاثة. في الخارج، كان المهاجمون يخربون الأرض والسيارات وينتزعون أشجار الزيتون المحيطة بالمنزل، وفي الداخل كانت الزوجة تترقب محاولات الطرق العنيف على الباب وتكسيره، خشية أن يتمكنوا من اقتحام البيت والوصول إليها وإلى أطفالها.

لم يكن الاعتداء يستهدف أشجار الزيتون والسيارات وحدها؛ فقد امتد إلى حرمة المنزل وأمان العائلة، بعدما حاول المستوطنون اقتحامه بينما كانت الزوجة وأطفالها في الداخل. وفي لحظات الخوف تلك، لم يكن أمام الأم سوى محاولة حماية أبنائها وانتظار وصول زوجها، وسط مخاوف من أن يتحول الاعتداء على الممتلكات إلى اعتداء مباشر على أفراد الأسرة.

وحين وصل نضال، أطلق صرخته غاضبًا، واصفًا ما جرى بأنه جزء من واقع يتكرر يوميًا. وقال إن ثلاثين مستوطنًا هاجموا منزله وكادوا يقتلون زوجته وأبناءه، منتقدًا الشرطة الإسرائيلية التي حضرت بعد الاعتداء، ومتهمًا إياها بإجراء تحقيق شكلي، في حين يرى أنها تحمي المستوطنين بدلًا من توفير الحماية للفلسطينيين.

«هذه أصبحت يومياتنا كل يوم»، بهذه الكلمات عبّر نضال عن واقع عائلته، حيث لم يعد المنزل ملاذًا آمنًا بالضرورة، ولم تعد الأرض المحيطة به مكانًا للعمل والرزق فحسب، بل باتت مصدرًا للخوف من هجوم جديد قد يطال أفراد الأسرة وممتلكاتهم وأشجارها.

و تتصاعد اعتداءات المستوطنين في القرى الفلسطينية المحيطة بنابلس، حيث تتداخل الهجمات على السكان مع تخريب الممتلكات والضغط على الأراضي الزراعية، في وقت يستعد فيه المزارعون لموسم قطاف الزيتون، الذي يمثل مصدر دخل أساسيًا لآلاف العائلات الفلسطينية.

أكثر من 1600 هجوم
تحدث محمد عودة، رئيس مجلس قروي أوصرين، في تصريحات لـ«رسالة نت»، عن تفاصيل الهجوم المباغت الذي نفذه عشرات المستوطنين على منازل في المنطقة الغربية من القرية، موضحًا أن الاعتداء وقع دون سابق إنذار. 

وأشار إلى تزامن الهجوم مع انطلاق موسم قطف الزيتون، في وقت تتصاعد فيه مخاوف المزارعين من الاعتداءات التي تعيق وصولهم إلى أراضيهم. وأسفرت الهجمات، بحسب المعلومات التي أوردها، عن إصابة عدد من المواطنين برضوض وجروح جراء الضرب بالحجارة والهراوات؛ إلى جانب تحطيم مركبات وإلحاق أضرار بممتلكات خاصة.

وتكشف بيانات مكتب الأمم المتحدة لتنسيق الشؤون الإنسانية (أوتشا) عن اتساع نطاق اعتداءات المستوطنين في الضفة الغربية. فبحسب تقرير صدر في 18 سبتمبر/أيلول 2026، وثّق المكتب أكثر من 1600 هجوم منذ بداية العام وحتى 14 سبتمبر/أيلول، أسفرت عن إصابات أو أضرار في الممتلكات أو كليهما، بمعدل بلغ 6.7 هجمات يوميًا، وطالت 275 تجمعًا سكانيًا فلسطينيًا.

ويشير التقرير إلى أن عدد التجمعات التي تعرضت لهجمات خلال الأشهر التسعة الأولى من عام 2026 اقترب من العدد المسجل خلال عام 2025 بأكمله، والبالغ 279 تجمعًا، بما يعكس اتساع النطاق الجغرافي لهذه الاعتداءات.

وخلال موسم الزيتون سجل تعرض أكثر من 6000 شجرة وشتلة للتخريب خلال الاعتداءات المسجلة في الفترة نفسها.

ولا تعكس هذه الأرقام حجم الاعتداءات وحده، بل تكشف أيضًا عن خسائر اقتصادية واجتماعية تمتد آثارها إلى ما بعد وقوع الهجوم. فالأشجار التي تُقتلع لا يمكن تعويضها فورًا، والمحاصيل التي تضيع لا تعود إلى أصحابها، والمزارع الذي يُمنع من الوصول إلى أرضه قد يخسر مصدر رزقه، فيما تعيش أسرته تحت وطأة الخوف من تكرار الاعتداء.

خسائر تتجاوز موسم القطاف

في الأراضي الفلسطينية، لا تمثل شجرة الزيتون محصولًا زراعيًا فحسب؛ إنها مصدر دخل وإرث عائلي تتناقله الأجيال، وترتبط بها حياة المزارعين وذاكرتهم وعلاقتهم بأرضهم. وقد تحتاج الشجرة سنوات طويلة حتى تبلغ مرحلة الإنتاج، فيما يؤدي اقتلاعها أو إحراقها إلى خسارة تمتد آثارها إلى مواسم لاحقة.

وتتخذ الاعتداءات على أشجار الزيتون أشكالًا متعددة، تشمل تكسير الأغصان، وإحراق الأشجار، واقتلاعها من جذورها، وتجريف الأراضي الزراعية. وفي مناطق أخرى، يُمنع المزارعون من الوصول إلى حقولهم أو يُطردون أثناء القطاف، بما يهدد بضياع المحصول الذي انتظروه طوال العام.

ومع حلول موسم الزيتون، تتضاعف مخاوف الفلسطينيين من خسارة أشجارهم ومحاصيلهم، خصوصًا في المناطق التي تشهد اعتداءات متكررة. فالمزارع الذي يقضي أشهرًا في رعاية أرضه قد يجد نفسه عاجزًا عن الوصول إليها، أو مضطرًا إلى المغادرة تحت التهديد، بينما تتعرض أشجاره للتخريب.

وتتجاوز آثار هذه الاعتداءات الخسارة المالية المباشرة؛ إذ يؤدي تدمير الأشجار إلى إضعاف قدرة العائلات على تأمين دخلها، ويزيد الضغوط على المجتمعات الزراعية، ويجعل استمرار العمل في الأرض أكثر صعوبة وخطورة.

وفي أوصرين، يكتسب الاعتداء على أشجار الزيتون المحيطة بمنزل نضال دلالة إضافية، لأنه يجمع بين استهداف الممتلكات الزراعية والاعتداء على أمان العائلة داخل بيتها. فالأرض التي تحيط بالمنزل وتوفر جزءًا من أسباب العيش تحولت، وفق روايته، إلى مسرح لهجوم كاد يصل إلى زوجته وأطفاله.

ولا تقتصر اعتداءات المستوطنين في محيط نابلس على أصحاب الأراضي والمزارعين، بل قد تطال الصحفيين الذين يوثقون ما يجري. ففي أكتوبر/تشرين الأول 2026، تعرض صحفيون للاعتداء أثناء تغطية العنف ضد المزارعين الفلسطينيين في المنطقة، في وقائع سلطت الضوء على المخاطر التي يواجهها العاملون في الإعلام خلال نقل الأحداث من الميدان.

وتكشف هذه الاعتداءات، إلى جانب الأرقام الأممية، عن واقع تتداخل فيه الهجمات على الأفراد مع تخريب الممتلكات واستهداف الأراضي الزراعية، بما ينعكس على شعور السكان بالأمان وقدرتهم على مواصلة حياتهم في قراهم.

أما وصول الشرطة الإسرائيلية بعد الاعتداء على منزل نضال، فلم يبدد مخاوفه، وفق شهادته؛ إذ يرى أن وجودها لا يوفر حماية فعلية لعائلته. 

تختصر واقعة نضال عدلي جانبًا من معاناة العائلات الفلسطينية التي تواجه الاعتداءات في منازلها وأراضيها. باب حاول المهاجمون كسره، وأم وجدت نفسها وحيدة مع أطفالها الثلاثة، وأشجار زيتون تعرضت للاقتلاع. وكل ذلك يتلخص في صرخة نضال، «هذه أصبحت يومياتنا كل يوم».

بث مباشر