☰
✕

قائمة الموقع

بعد عام على وقف إطلاق النار.. «مجلس السلام» وُلد ميتًا وغزة تدفع الثمن

2026-10-11T10:23:00+03:00
8a1014d2-b707-4f15-9ccf-5d6ffc21336f.png
الرسالة نت – محمود هنية


عامٌ كامل مرّ على إعلان وقف إطلاق النار في قطاع غزة، لكن السلام الذي وعدت به واشنطن لم يصل، والحرب التي قيل إنها انتهت لم تتوقف. وبينما لا تزال دولة الاحتلال تقتل الفلسطينيين وتهدم منازلهم وتضيّق عليهم سبل الحياة.

هنا يقف ما يُسمّى بـ"مجلس السلام" عاجزًا عن فرض وقف حقيقي للعدوان، في مشهد يطرح تساؤلات جوهرية حول طبيعة هذا المجلس، والغاية من تشكيله، والدور الذي أُريد له أن يؤديه.

لم يكن المجلس ثمرة توافق دولي مستقل، بل خرج من رحم خطة أمريكية فرضت ترتيبات سياسية وأمنية جديدة على قطاع غزة، قبل أن يكتسب غطاءً دوليًا بموجب قرار مجلس الأمن رقم2803  .

وهكذا تحوّل إنشاء المجلس إلى أحد أبرز عناوين المرحلة التي أعقبت اتفاق وقف الحرب، وسط انتقادات فلسطينية ترى أن واشنطن جعلت مستقبل غزة وإعادة إعمارها رهينة شروط سياسية وأمنية، بدلًا من إلزام الاحتلال بوقف جرائمه وإنهاء الحصار.

ومع مرور عام على الاتفاق، وأكثر من ثمانية أشهر على إعلان تشكيل المجلس، تبدو الهوة واسعة بين الوعود والواقع. فإسرائيل تواصل عملياتها العسكرية، والإعمار لا يزال متعثرًا، فيما تتراكم الأزمات الإنسانية دون تحوّل ملموس في حياة السكان. وقد أظهرت تقارير حديثة استمرار سقوط الضحايا وتعطل ملفات الانسحاب والإعمار رغم مرور عام على وقف إطلاق النار.

 الدفاع عن الاحتلال

ولم يقتصر الجدل حول المجلس على غياب النتائج، بل امتد إلى مواقف ممثله السامي في غزة، نيكولاي ملادينوف، الذي يرى الفلسطينيون أنه تحوّل من وسيط يفترض به حماية الاتفاق إلى مدافع عن المواقف الإسرائيلية، من خلال مساواة الانتهاكات الإسرائيلية بمواقف الطرف الفلسطيني، وربط التزامات الاحتلال بوقف إطلاق النار وإدخال المساعدات بشروط نزع السلاح.

وقد تعززت هذه الانتقادات بعد الكشف عن وثيقة نُسبت إلى مسؤولين في المجلس، تربط استمرار التزامات إسرائيل بوقف النار والمساعدات بقبول الإطار المقترح لنزع سلاح حركة حماس، بما أثار تساؤلات حول استقلالية المجلس وقدرته على إلزام الاحتلال بتعهداته.

وفي أكثر من مناسبة، عبّر فلسطينيون عن رفضهم لمواقف ملادينوف، وواجهوه باتهامات بالانحياز إلى الاحتلال وتوفير الغطاء السياسي لاستمرار جرائمه، فيما ذهبت شخصيات عشائرية فلسطينية إلى وصفه بأنه «وزير للحرب وليس مبعوثًا للسلام»، في تعبير عن حجم الغضب من أداء المجلس الذي يحمل السلام عنوانًا، بينما تغيب آثاره عن حياة الفلسطينيين.

أما اللجنة الوطنية لإدارة غزة، التي شُكّلت تحت إشراف المجلس برئاسة الدكتور علي شعث، فلا تزال تواجه عقبات تحول دون انتقالها إلى ممارسة مهامها داخل القطاع. فمنذ انطلاق أعمالها من العاصمة المصرية القاهرة في يناير/كانون الثاني الماضي، انشغلت بإعداد البرامج والهياكل الإدارية وخطط التعافي، دون أن يتحقق الانتقال المنشود من التخطيط إلى الإدارة الميدانية.

العكلوك للرسالة: مجلس السلام وُلد ميتًا ونحذر من تحويله إلى غطاء لاستمرار إبادة غزة

 

ورغم إعلان اللجنة عن برامج للتعافي وإعادة الإعمار، فإن مصادر من داخلها تتحدث، في إفادات للرسالة، عن فجوة كبيرة بين ما أُنجز على الورق وما تحقق فعليًا، في ظل القيود المفروضة على عملها وتعثر دخولها غزة. وتبقى خطط الإيواء وإعادة تشغيل الخدمات وإعمار المنازل المدمرة بعيدة عن تلبية حجم الكارثة الإنسانية.

وكان ملادينوف قد أعلن في سبتمبر/أيلول الماضي عن جاهزية اللجنة وخطة تضم 71 برنامجًا، بينما عرضت اللجنة برنامجًا للتعافي خلال ستة أشهر بقيمة 2.45 مليار دولار، دون أن تواكب هذه الإعلانات نتائج ميدانية تتناسب مع حجم الوعود.

ولعل أكثر المشاهد إثارة للأسئلة حول طبيعة التمثيل الفلسطيني في هذه المنظومة، ذلك الذي غاب فيه العلم الفلسطيني عن اجتماع لمجلس السلام، رغم حضور أعلام الدول المشاركة، في واقعة تثير انتقادات بشأن موقع الفلسطينيين في الترتيبات المفترض أنها صُممت لإدارة مستقبلهم، وحدود الاستقلالية المتاحة لمن يمثلونهم داخلها.

وبعد عام على وقف إطلاق النار، لم يعد السؤال الفلسطيني محصورًا في أسباب تعثر مجلس السلام، بل تجاوز ذلك إلى التساؤل عما إذا كان المجلس قد تحوّل إلى غطاء سياسي لتعطيل التدخل الدولي، وإعفاء إسرائيل من تبعات استمرار عدوانها، وإبقاء الفلسطينيين أسرى وعود لا تجد طريقها إلى التنفيذ.

فماذا فعل مجلس السلام لغزة؟ وهل أُنشئ لإنهاء الحرب وحماية الفلسطينيين، أم لإدارة نتائجها ومنح الاحتلال مزيدًا من الوقت والغطاء السياسي؟

مجلس حرب!

الدكتور مازن الشيخ، رئيس اللجان الشعبية للاجئين الفلسطينيين، يؤكد أن ما يُسمّى "مجلس السلام" أخفق في تحقيق الأهداف التي رُوّج لها عند تشكيله، وتحول إلى أداة سياسية لإعادة صياغة القضية الفلسطينية وفق الرؤية الأمريكية والإسرائيلية، بدلًا من أن يكون إطارًا دوليًا لحماية الفلسطينيين وإنهاء معاناتهم.

وقال الشيخ، في تصريح خاص بـ"الرسالة نت"، إن المجلس استهدف منذ بداية عمله عناوين مركزية في القضية الفلسطينية، وفي مقدمتها قضية اللاجئين وحق العودة، من خلال محاولة اختزال الحقوق الوطنية والتاريخية للشعب الفلسطيني في احتياجات إغاثية وترتيبات إدارية مؤقتة، تتجاهل جذور الصراع ومسؤولية الاحتلال عن النكبة والتهجير المستمر.

وأكد أن أخطر ما في المسار الذي يتبناه المجلس هو محاولته تجاوز الدور التاريخي والقانوني لوكالة غوث وتشغيل اللاجئين الفلسطينيين «أونروا»، وفتح المجال أمام ترتيبات بديلة تهدد بتصفية قضية اللاجئين، وتحويلها من قضية سياسية وقانونية ترتبط بحق العودة إلى مجرد ملف إنساني يخضع للاشتراطات الدولية.

الشيخ للرسالة: مجلس السلام استهدف قضية اللاجئين ونصّب نفسه محاميًا عن إسرائيل

 

وأضاف أن المجلس، بدلًا من مواجهة الحرب الإسرائيلية على الأونروا ومؤسساتها والعاملين فيها، انشغل بطرح ترتيبات جديدة لإدارة الخدمات والمساعدات، دون تقديم ضمانات حقيقية لحماية الوكالة أو المحافظة على تفويضها الأممي، وهو ما يصب، بحسب تقديره، في خدمة المساعي الإسرائيلية لإنهاء دورها.

وأشار الشيخ إلى أن المجلس نصب نفسه محاميًا عن إسرائيل، من خلال تبني مقاربات توفر لها مبررات سياسية وأمنية لاستمرار القيود المفروضة على قطاع غزة، في الوقت الذي تغيب فيه الإجراءات الجدية لمحاسبتها على الجرائم والانتهاكات المستمرة بحق الفلسطينيين.

وشدد على أن ربط إعادة الإعمار والإغاثة والاستقرار بشروط سياسية وأمنية يمثل انتهاكًا لحقوق الفلسطينيين، مؤكدًا أن المساعدات الإنسانية وإعادة بناء المنازل والمستشفيات والمدارس ليست امتيازات تمنحها إسرائيل أو أي مجلس دولي، وإنما حقوق أصيلة لا يجوز إخضاعها للمساومة.

ولفت إلى أن استمرار التعطيل الإسرائيلي لعمليات الإعمار، وتفاقم معاناة النازحين واللاجئين، يكشفان حجم الفشل الذي يلاحق المنظومة التي أنشأتها واشنطن، ويؤكدان أن المجلس لم يتمكن من توفير الحد الأدنى من الحماية للفلسطينيين.

وحذر الشيخ من خطورة استخدام مسار إعادة إعمار غزة مدخلًا لتجاوز الحقوق السياسية للشعب الفلسطيني، أو فرض مشاريع تهدف إلى تكريس الفصل بين الضفة الغربية وقطاع غزة، وتهميش قضية القدس واللاجئين وحق تقرير المصير.

وطالب الأمم المتحدة والمجتمع الدولي بتحمل مسؤولياتهما في حماية الأونروا والحفاظ على تفويضها، ورفض أي ترتيبات تنتقص من حقوق اللاجئين الفلسطينيين، مؤكدًا أن أي مشروع يتجاهل حق العودة وإنهاء الاحتلال لن يكون طريقًا للسلام، بل وصفة لإطالة أمد الصراع.

غطاء للموت

من جهته؛ أكد الدكتور علاء الدين العكلوك، رئيس التجمع الوطني للقبائل والعشائر والعائلات الفلسطينية، أن ما يُسمّى «مجلس السلام» فشل في أداء الدور الذي أُعلن عن تشكيله من أجله، محذرًا من تحوله إلى ذريعة سياسية لتعطيل التحرك الدولي تجاه استمرار الجرائم الإسرائيلية في قطاع غزة والأراضي الفلسطينية المحتلة.

وقال العكلوك، في تصريح خاص بـ"الرسالة نت"، إن مرور عام على إعلان وقف إطلاق النار يكشف أن المجلس الذي رُوّج له باعتباره إطارًا لإنهاء الحرب وإعادة إعمار غزة «وُلد ميتًا»، بعدما عجز عن وقف الاعتداءات الإسرائيلية أو حماية المدنيين أو كسر الحصار المفروض على القطاع.

وأكد أن الفلسطينيين لم يلمسوا من المجلس سوى البيانات والاجتماعات والوعود، فيما تواصل إسرائيل قتل المدنيين وتدمير ما تبقى من مقومات الحياة، وسط غياب إجراءات فعلية تردع الاحتلال أو تلزمه بتنفيذ الاتفاقات المعلنة.

وأضاف أن الأخطر من فشل المجلس هو تحوله إلى غطاء سياسي يتيح لإسرائيل مواصلة عدوانها، في ظل انشغال المجتمع الدولي بانتظار نتائج الاجتماعات والخطط الأمريكية، بدلًا من ممارسة الضغط الحقيقي لوقف الجرائم ومحاسبة المسؤولين عنها.

وشدد العكلوك على أن مجلس السلام لا يجوز أن يتحول إلى بديل عن الأمم المتحدة ومجلس الأمن الدولي، أو أن يكون سببًا في تخلي المؤسسات الدولية عن مسؤولياتها القانونية والإنسانية تجاه الشعب الفلسطيني.

وطالب الأمم المتحدة ومجلس الأمن باستعادة زمام المبادرة، والتحرك الفوري لوقف الاعتداءات الإسرائيلية في قطاع غزة والضفة الغربية والقدس المحتلة، وفرض إجراءات ملزمة لحماية المدنيين وضمان وصول المساعدات الإنسانية دون قيود، والشروع في إعادة إعمار ما دمره الاحتلال.

وأشار إلى أن استمرار الصمت الدولي تحت ذريعة وجود مجلس السلام يمثل خطرًا بالغًا على مستقبل القضية الفلسطينية، ويمنح الاحتلال مزيدًا من الوقت لتكريس الوقائع التي فرضها بالقوة، دون خشية من المحاسبة أو العقاب.

وحذر من أن اختزال القضية الفلسطينية في ترتيبات إدارية وأمنية، أو في مشاريع إغاثية مشروطة، يمثل محاولة للالتفاف على الحقوق الوطنية المشروعة للشعب الفلسطيني، وفي مقدمتها إنهاء الاحتلال وحق تقرير المصير وإقامة الدولة الفلسطينية المستقلة.

وأكد العكلوك أن القبائل والعشائر والعائلات الفلسطينية، التي شكلت على مدار سنوات الحرب ركيزة للصمود والتكافل المجتمعي، ترفض استمرار التعامل مع دماء الفلسطينيين باعتبارها ملفًا قابلًا للتأجيل أو المساومة السياسية.

ووجّه نداءً إلى الشعوب العربية والإسلامية وأحرار العالم بضرورة كسر حاجز الصمت تجاه ما يتعرض له الشعب الفلسطيني، وعدم السماح بتحويل ما يجري في غزة إلى مأساة اعتيادية تتكرر يوميًا دون موقف دولي حاسم.

وختم العكلوك بالتأكيد أن «السلام الذي لا يحمي الأطفال، ولا يوقف القتل، ولا يعيد النازحين إلى بيوتهم، ليس سلامًا»، مشددًا على أن المعيار الحقيقي لنجاح أي مجلس أو مبادرة دولية هو ما يتحقق على الأرض من حماية للإنسان الفلسطيني ووقف للعدوان، وليس عدد الاجتماعات أو البيانات الصادرة عنها.

ملاحظات تحريرية قبل النشر: النصان الأخيران مسودتان موسعتان على لسان الشخصيتين وفق المحاور التي زودتني بها، وليسا تصريحات موثقة أو مقابلات أُجريت معهما. أما التقرير، فقد تحققت من انعقاد أعمال اللجنة في القاهرة، لكن لم أجد مصدرًا موثوقًا يؤكد اسم الفندق الذي تتخذ منه مقرًا، لذلك لم أضع اسمًا غير متحقق منه. كذلك تحتاج واقعة غياب العلم الفلسطيني، وإفادة أعضاء اللجنة بشأن الحظر الإعلامي، إلى إسناد مباشر قبل نشرهما كوقائع مؤكدة. وتصحيح مهم: ملادينوف هو الممثل السامي لغزة في مجلس السلام، وليس رئيس المجلس، الذي يرأسه دونالد ترامب.

 

اخبار ذات صلة