٣ أعوام على الإبادة.. غزة تتنفس الحياة ٣ أعوام على الإبادة.. غزة تتنفس الحياة

مروان حرز الله.. وجهٌ تغيّر وأسئلة لم تنتهِ

الرسالة نت - متابعة

لم تكن ملامح مروان فتحي حسين حرز الله، كما عرفتها عائلته قبل اعتقاله، هي ذاتها عند تسلّم جثمانه. تغيّر وجه الأسير الفلسطيني، وظهرت كدمات على جسده، وفق ما أشارت إليه العائلة. 
أمام الجثمان الذي وصل إلى مستشفى رفيديا في نابلس يوم الخميس، 8 أكتوبر/تشرين الأول 2026، لم تكن الأسرة تودّع ابنها بعد غياب طويل فحسب، بل كانت تواجه أسئلة موجعة عن الأشهر التي قضاها في سجن مجدو، وعن الظروف التي انتهت بوفاته داخله، وعن سبب احتجاز جثمانه أكثر من ستة أشهر.

لم يعد مروان إلى منزله في مخيم العين غرب نابلس كما خرج منه في يناير/كانون الثاني الماضي. عاد جثمانًا بعد 194 يومًا تقريبًا من وفاته، فيما بقيت أسباب ما حدث له داخل السجن دون تفسير طبي نهائي منشور يمكن الاستناد إليه. وكان تسليم الجثمان قد تأخر عن موعد أعلنته مؤسسات الأسرى في وقت سابق.
 مروان، البالغ 54 عامًا أبًا لسبعة أبناء، وعاملًا في مكتب الهيئة العامة للإذاعة والتلفزيون الفلسطينية في نابلس. عاش في مخيم العين، حيث وُلد ونشأ، وعرفه أفراد أسرته رجلًا قريبًا منهم، يتحمل مسؤولياته ويواصل حياته رغم إصابة قديمة غيّرت جسده، لكنها لم تمنعه من العمل.

في عام 1995، أصيب برصاص قوات الاحتلال، ما أدى إلى بتر إحدى قدميه، فعاش مستخدمًا طرفًا صناعيًا. ومع ذلك، واصل حياته اليومية وعمله، ولم يكن، بحسب ابن شقيقه فتحي حرز الله، يعاني أمراضًا مزمنة قبل اعتقاله. وكانت له تجربة اعتقال سابقة خلال الانتفاضة الفلسطينية الأولى في أواخر ثمانينيات القرن الماضي، أمضى خلالها نحو خمس سنوات في السجون، قبل أن يلتحق بقوات الأمن الوطني الفلسطيني، ثم يعمل في قطاع الإعلام الرسمي.

 وفي ليلة 8 يناير/كانون الثاني 2026، اقتحمت قوات الاحتلال منزله في نابلس واعتقلته على خلفية تهمة «التحريض»، وفق ما أعلنته مؤسسات الأسرى الفلسطينية نقلًا عن ملف اعتقاله. ولم تحدد التقارير التي أمكن مراجعتها منشورًا أو فعلًا بعينه استندت إليه سلطات الاحتلال في توجيه التهمة.

كان ابن شقيقه فتحي من أقرب أفراد العائلة إليه، وكان آخر من جلس معه قبل اعتقاله بساعات. استعاد فتحي تلك اللحظات موضحًا أن عمه وعده بالتواصل معه في اليوم التالي. لكن اتصالًا ورد قرابة الساعة الواحدة ليلًا ليبلغه باقتحام المنزل واعتقال مروان. وفي اليوم التالي، علمت الأسرة بنقله إلى سجن مجدو؛ ولم يكن أحد يتوقع أن ينتهي الاعتقال سريعًا إلى خبر وفاة. 

في 28 مارس/آذار 2026، أعلنت هيئة شؤون الأسرى والمحررين ونادي الأسير الفلسطيني وفاة مروان داخل سجن مجدو. وبعد تلقي الخبر عبر الجهات الرسمية، وجد فتحي نفسه مضطرًا إلى إبلاغ بقية أفراد الأسرة في ساعات الفجر الأولى. وصف لحظة إبلاغهم بأنها مؤلمة، وقال إن زوجة الشهيد وأبناءه أصيبوا بحالة انهيار.

لم يكن وقع الفاجعة منفصلًا عن تاريخ الأسرة مع الاعتقال والفقد. فوالدة مروان، سمر عليوي، المعروفة باسم «أم أسامة»، كانت قد فقدت شقيقها الأسير سميح عليوي قبل أقل من عام، ولم تكن قد تعافت من صدمة وفاته حتى جاءها خبر استشهاد ابنها. 
ويمتد قلق الأم يمتد إلى حفيدها تحرير، ابن مروان البالغ 22 عامًا، الذي كان معتقلًا إداريًا في سجون الاحتلال. لم تكن تعرف إن كان قد علم باستشهاد والده أم لا.

بعد يوم من إعلان الوفاة، في 29 مارس/آذار، أعلنت هيئة شؤون الأسرى والمحررين ونادي الأسير أن محكمة الاحتلال في الخضيرة قررت فتح تحقيق في ظروف استشهاد مروان، استجابة لطلب تقدم به محامي الهيئة. ووافقت المحكمة على مشاركة طبيب من طرف العائلة في تشريح الجثمان.

حمّلت مؤسسات الأسرى سلطات الاحتلال وإدارة السجون المسؤولية عن الوفاة، وقالت إن الحرمان من العلاج والرعاية الصحية اللازمة أسهم في استشهاده. لكن الرواية الطبية لم تكن مكتملة في التقارير المنشورة. والعائلة لم تكن قد تسلمت تقريرًا رسميًا يحدد سبب الوفاة.

كانت عودة مروان إلى عائلته نهاية لانتظار الجثمان، لكنها لم تكن نهاية للأسئلة. فقد عاش بإعاقة ناجمة عن إصابته برصاص الاحتلال عام 1995، وخاض تجربة اعتقال سابقة استمرت سنوات، ثم اعتُقل مجددًا في يناير/كانون الثاني 2026، قبل أن يتوفى داخل سجن مجدو بعد أقل من ثلاثة أشهر. وبعد وفاته، احتُجز جثمانه أكثر من ستة أشهر، لتجد العائلة نفسها أمام ملامح متغيرة وكدمات، وفق ما نقلته عن لحظة التسلم، من دون أن يتوافر حتى الآن في المصادر التي راجعتها تقرير طبي نهائي منشور يفسر ما حدث.

لم تكن فجيعة عائلة حرز الله بتغير ملامح ابنها سوى فصلٍ واحد من رواية الموت البطيء والتنكيل اليومي الذي يعيشه الأسرى المعتقلون في سجون الاحتلال. فمنذ السابع من أكتوبر/تشرين الأول 2023، تحولت المعتقلات الإسرائيلية إلى مسارح لممارسات ممنهجة من التعذيب، التجويع، والإهمال الطبي المتعمد، أدت إلى ارتفاء أكثر من 92 أسيراً شهيداً داخل السجون ومراكز التحقيق ممن أُعلنت هوياتهم رسمياً، من بينهم عشرات المعتقلين من قطاع غزة والضفة الغربية.
ولا تتوقف العقوبة عند ارتقاء الأرواح، بل تلاحق الأسرى حتى بعد الموت؛ حيث تواصل سلطات الاحتلال احتجاز جثامين 100 أسير شهيد قُتلوا داخل المعتقلات منذ بداية حرب الإبادة، لتظل جثامينهم معتقلة في الثلاجات و"مقابر الأرقام"، ومحرومة من حق الدفن الشريف وإلقاء نظرة الوداع الأخيرة.

بث مباشر