٣ أعوام على الإبادة.. غزة تتنفس الحياة ٣ أعوام على الإبادة.. غزة تتنفس الحياة

الأقصى تحت ضغط التهويد.. 9 طقوس تمهد لفرض واقع جديد

الرسالة نت - القدس

في وقت تنشغل فيه المنطقة بصراعات تمتد من إيران ومضيق هرمز إلى اليمن والحرب الروسية الأوكرانية وقطاع غزة، تتسارع في المسجد الأقصى المبارك خطوات فرض واقع ديني جديد، تقوده جماعات استيطانية بدعم من مؤسسات رسمية إسرائيلية، عبر تكثيف الاقتحامات وإدخال الطقوس التوراتية واستعراض ما تسميه «السيادة» على المسجد، في مقابل تقييد وصول المصلين الفلسطينيين إليه.

وخلال موسم الأعياد اليهودية الممتد من 12 سبتمبر/أيلول إلى 1 أكتوبر/تشرين الأول 2026، شهد المسجد الأقصى تصعيدًا في الاقتحامات والممارسات التوراتية، بالتوازي مع ما وصفه باحثون بتعتيم إعلامي على جانب من الانتهاكات، في مسار يتجاوز مجرد زيادة أعداد المقتحمين إلى محاولة فرض هوية يهودية دينية داخل المسجد، إلى جانب هويته الإسلامية.

وفي ورقة تحليلية أعدها الباحث المختص بشؤون القدس والمسجد الأقصى زياد إبحيص، رصد تسعة طقوس توراتية شهدها المسجد خلال الموسم الأخير، معتبرًا أنها تعكس انتقال مشروع التهويد إلى مرحلة أكثر تقدمًا، تقوم على تكريس وجود ديني يهودي دائم داخل الأقصى، تمهيدًا لفرض تغييرات أوسع في واقعه المكاني.

9 طقوس توراتية.. من البوق إلى لباس الصلاة

لم تعد اقتحامات المستوطنين للمسجد الأقصى مقتصرة على التجول في ساحاته تحت حماية قوات الاحتلال، بل باتت تترافق مع طقوس دينية تسعى جماعات «الهيكل» إلى تثبيتها بوصفها ممارسة اعتيادية داخل المسجد.

ووفق إبحيص، شملت أبرز هذه الطقوس:

1. نفخ البوق: في 13 سبتمبر/أيلول 2026، نُفخ البوق 30 مرة داخل المسجد، بالتزامن مع ثاني أيام «رأس السنة العبرية». ويُوظف هذا الطقس، وفق التحليل، بوصفه إعلانًا رمزيًا عن الانتقال بين زمنين، وفي سياق الاقتحامات يتحول إلى استعراض للسيادة ومحاولة لتكريس حضور ديني يهودي داخل الأقصى.

2. طقوس الاستغفار «السيليحوت»: وهي مجموعة من المقاطع التوراتية والقصائد الدينية التي تتناول طلب المغفرة، وأُدخلت ضمن الممارسات التي يؤديها المقتحمون داخل المسجد.

3. إدخال القرابين النباتية: شهدت أيام «عيد العُرش» إدخال قرابين نباتية إلى الأقصى على مدى خمسة أيام، في خطوة تربط ساحاته بطقوس الأعياد التوراتية.

4. طقوس «الهاليل»: وهي حلقات غنائية تتضمن تمجيد الرب، يؤديها المستوطنون داخل المسجد، في محاولة لتحويل ساحاته إلى مساحة لممارسة شعائرهم الدينية.

5. الانبطاح الجماعي: ويُعرف هذا الطقس باسم «السجود الملحمي»، إذ يستلقي المشاركون على وجوههم، في مشهد يعكس انتقال الاقتحامات من الوجود داخل المسجد إلى ممارسة طقوس دينية علنية فيه.

6. «بركات الكهنة»: وهي طقوس يهودية يُعتقد فيها أن الكهنة ينقلون بركة الرب إلى المصلين، وتؤدى رمزيًا في عدد من الأعياد التوراتية.

7. الصلوات اليومية: استمر أداء صلوات الصباح وما بعد الظهر خلال فترات الاقتحام، بما يعزز حضور الطقوس الدينية اليهودية بصورة متكررة داخل المسجد.

8. إدخال كتب الصلوات: بدأت شرطة الاحتلال، في 6 أغسطس/آب 2026، توزيع كتب صلاة على 15 حاخامًا وقائدًا للصلوات بصورة تجريبية. ويرى إبحيص أن هذه الخطوة تتجاوز عدد الكتب نفسها، لأن أداء الصلوات اليهودية يعتمد على الترديد خلف قارئ أو منشد، ما يتيح استخدامها لتمكين أعداد أكبر من المقتحمين من المشاركة في الطقوس.

9. إدخال ملابس الصلاة التوراتية: تغاضت شرطة الاحتلال، خلال الأسابيع التي سبقت موسم الأعياد، عن إدخال شالات الصلاة اليهودية المعروفة باسم «الطاليت»، بألوان مختلفة، بدلًا من اللون الأبيض المحدد وفق بعض الآراء الحاخامية. ويقول إبحيص إن هذه السياسة شجعت المقتحمين على إدخال مزيد من عناصر لباس الصلاة، بما يشمل الخيوط المتدلية من الملابس والقبعات ولفائف الصلاة السوداء، وصولًا إلى تمكينهم من ارتداء اللباس التوراتي الكامل داخل الأقصى.

من الاقتحام إلى فرض هوية دينية

يرى إبحيص أن اجتماع هذه الطقوس يشير إلى أن مشروع تحويل المسجد الأقصى إلى «مقدس مشترك» بالقوة لم يعد مجرد طرح لدى جماعات استيطانية، بل بات يتجسد في ممارسات تُفرض تدريجيًا على أرض الواقع، عبر إدخال الشعائر اليهودية إلى جانب الصلاة الإسلامية.

ويقول إن هاجس شرطة الاحتلال يتمثل في تعميق الهوية اليهودية للمسجد خطوة بعد أخرى، مع تجنب ردود الفعل الواسعة قدر الإمكان، مستفيدة مما تعتبره جماعات الهيكل فرصة أتاحتها الحرب على غزة لتسريع التهويد وتغيير الواقع القائم في القدس.

وتتركز جهود هذه الجماعات على الطقوس التي تربطها بالرواية التوراتية عن «الهيكل» المزعوم، في محاولة لإضفاء طابع ديني على الاقتحامات وتكريس التعامل مع المسجد كما لو كان موقعًا مقدسًا مشتركًا.

ويحذر إبحيص من أن إدخال الطقوس يمهد لمرحلة تتطلب تغييرًا ماديًا في المكان؛ إذ إن إدخال لفائف التوراة الخشبية، على سبيل المثال، يستلزم طاولات وخزائن مخصصة لها، كما تتطلب طقوس القرابين الحيوانية مذابح وأواني وأبواقًا خاصة.

وبحسب تحليله، فإن استكمال إدخال الأدوات التي لا تحتاج إلى مساحة ثابتة قد يفتح الطريق أمام الانتقال إلى فرض ترتيبات مكانية جديدة، ولا سيما في الساحة الشرقية من المسجد الأقصى، التي يقول إن شرطة الاحتلال تعمل على إبقائها خالية بصورة دائمة، بما قد يهيئها لتكريس واقع ديني منفصل داخل المسجد.

استعراض الهيمنة يتجاوز الطقوس

لم تقتصر الانتهاكات خلال موسم الأعياد على الشعائر التوراتية، بل رافقتها ممارسات تستهدف إظهار السيطرة على المسجد ومحيطه.

ويرصد إبحيص ثلاثة أشكال بارزة من هذه الممارسات داخل الأقصى:

  • ترديد أغانٍ ذات مضامين توراتية: من بينها أغنية «سيُبنى الهيكل»، التي شارك في ترديدها وزير الأمن القومي الإسرائيلي إيتمار بن غفير.

  • رفع العلم الإسرائيلي: في استعراض رمزي للسيادة داخل المسجد.

  • ارتداء ملابس تحمل شعارات تحريضية: تدعو إلى هدم مباني المسجد الأقصى وإقامة الهيكل المزعوم مكانها.

ويشير الباحث إلى أن الساحة الشرقية باتت محورًا رئيسيًا لهذه الممارسات، في مسعى لتكريسها باعتبارها مساحة مخصصة للطقوس اليهودية داخل المسجد، بما يفتح الباب أمام تحويلها إلى كنيس بالأمر الواقع.

أبواب الأقصى ومحيطه ساحة إضافية للتهويد

وامتد التصعيد إلى محيط المسجد وأبوابه، حيث تسعى جماعات استيطانية إلى نقل الطقوس التوراتية إلى مواقع قريبة منه، وتوسيع نطاق حضورها الديني خارج ساحاته.

ووفق إبحيص، برز خلال الموسم مساران جديدان:

الأول: نقل الطقوس إلى مقبرة باب الرحمة. فقد بدأت مجموعات استيطانية أداء طقوس توراتية أمام المقبرة الواقعة بمحاذاة السور الشرقي للمسجد، بالتزامن مع ترويج مزاعم بأن الجدار الشرقي للأقصى أكثر قدسية لدى اليهود من الجدار الغربي، المعروف بحائط البراق.

الثاني: المطالبة بفتح المسجد للاقتحامات يوم السبت. إذ استغلت جماعات الهيكل تزامن عدد من الأعياد مع يوم السبت للمطالبة بالسماح للمستوطنين باقتحام الأقصى خلاله، في خطوة من شأنها توسيع نطاق الاقتحامات وتغيير القيود الزمنية المفروضة عليها.

ويعكس هذان المساران، وفق التحليل، محاولة لتوسيع نطاق التهويد من داخل المسجد إلى محيطه، وربط المواقع المجاورة به ضمن منظومة واحدة من الطقوس والممارسات الدينية.

التعتيم الإعلامي وأرقام تكشف التصعيد

إلى جانب فرض الطقوس وتوسيع نطاقها، يشير إبحيص إلى أن موسم الأعياد شهد تشديدًا على احتكار الصورة الإعلامية لما يجري داخل الأقصى.

ويستشهد بنفخ البوق 30 مرة في المسجد يوم 13 سبتمبر/أيلول، قائلًا إن أي مصدر عربي أو إسلامي لم يتمكن من توثيق الواقعة بتسجيل مصور أو صوتي من داخل المسجد، وهو ما اعتبره مؤشرًا على القيود المفروضة على توثيق هذه الممارسات.

أما على صعيد أعداد المقتحمين، فقد سجلت محافظة القدس اقتحام 11 ألفًا و409 مستوطنين للمسجد خلال ثلاثة أسابيع من موسم الأعياد، وفق الأرقام الواردة في التقرير.

ويقترب هذا العدد من إجمالي الاقتحامات المسجلة خلال عام 2015 كاملًا، حين بلغ عدد المقتحمين 11 ألفًا و489، وفق بيانات دائرة الأوقاف الإسلامية آنذاك. كما يمثل ارتفاعًا بنحو 440% مقارنة بالموسم نفسه عام 2016، بحسب الأرقام التي أوردها إبحيص.

ولا تعكس هذه الأعداد، وفق الباحث، حجم التصعيد وحده، بل ينبغي قراءتها إلى جانب طبيعة الطقوس التي باتت تُمارس داخل المسجد، وما تحمله من محاولات لتغيير هويته الدينية وفرض وقائع جديدة فيه.

مشروع استراتيجي يستهدف التقسيم المكاني

من جهته، قال رئيس الهيئة المقدسية لمناهضة التهويد ناصر الهدمي إن سلطات الاحتلال قطعت شوطًا كبيرًا في مشروع تهويد المسجد الأقصى، معتبرًا أن موسم الأعياد الأخير شهد خطوات نوعية تهدف إلى فرض واقع جديد داخل المسجد.

وأوضح الهدمي أن سلطات الاحتلال تسعى إلى استغلال الأعياد لتسريع هذا المشروع، من خلال حشد القوات في القدس وتحويل أجزاء من المدينة إلى ما يشبه الثكنة العسكرية، بالتوازي مع تكثيف الاقتحامات والصلوات التلمودية ومظاهر الرقص والتصفيق داخل الأقصى.

وأشار إلى أن هذه الممارسات تجري في وقت يُقيّد فيه وصول المصلين المسلمين إلى المسجد، بما يخلق تفاوتًا متزايدًا في القدرة على استخدام المكان وممارسة الشعائر فيه.

ويرى الهدمي أن هذه التطورات تهيئ الظروف لاقتطاع جزء من المسجد وتحويله إلى كنيس يهودي، خصوصًا في منطقة باب الرحمة والساحة الشرقية، محذرًا من أن التهويد لم يعد مقتصرًا على الرموز والطقوس، بل يتجه نحو فرض تغييرات في استخدام المكان وتقسيمه.

وتلتقي قراءة الهدمي مع تحذيرات إبحيص من أن إدخال الطقوس والأدوات التوراتية يمهد للانتقال إلى خطوات تتعلق بتخصيص مساحات داخل الأقصى لممارسة الشعائر اليهودية، بما يهدد الوضع التاريخي والقانوني القائم في المسجد.

وبين تصاعد الاقتحامات، وتكثيف الطقوس، واستهداف الساحة الشرقية ومحيط أبواب المسجد، تبدو معركة الأقصى متجهة إلى ما هو أبعد من تسجيل أرقام قياسية للمقتحمين؛ إذ يتمثل جوهرها في محاولة فرض هوية دينية جديدة وتغيير واقع المسجد تدريجيًا، بما يثير مخاوف من تمهيد الطريق أمام تقسيمه مكانيًا، وانتزاع أجزاء منه لصالح مشروع التهويد.

بث مباشر