أكد الدكتور منير البرش، المدير العام لوزارة الصحة الفلسطينية في قطاع غزة، أن الاحتلال الإسرائيلي تعمّد على مدار ثلاث سنوات من حرب الإبادة تدمير المنظومة الصحية والإنسانية في قطاع غزة، وتحويل الحياة فيه إلى معركة يومية من أجل البقاء.
وقال البرش لـ"الرسالة نت"؛ إسرائيل أرادت لغزة أن تموت، إما بالقتل المباشر والقصف والتدمير، أو بالموت البطيء الناجم عن غياب الدواء والغذاء والعلاج وانهيار مقومات الحياة الأساسية.
وأكدّ البرش إن غزة لا تزال تنزف رغم مرور ثلاثة أعوام على بدء حرب الإبادة، في وقت يواصل فيه المجتمع الدولي تجاهل المأساة الإنسانية التي يعيشها أكثر من مليوني فلسطيني.
واعتبر أن ما تعرض له القطاع الصحي لم يكن مجرد خسائر جانبية للحرب، بل استهدافًا ممنهجًا هدف إلى شل قدرته على إنقاذ الأرواح، وتحويل المستشفيات من ملاذات للعلاج إلى أماكن عاجزة عن الاستجابة لاحتياجات المرضى والجرحى.
وأضاف أن الاحتلال استهدف المستشفيات والمراكز الصحية وسيارات الإسعاف والطواقم الطبية، ودمّر البنية التحتية للقطاع الصحي، وحرم المواطنين من الوصول الآمن إلى العلاج، فيما أدت القيود المفروضة على دخول الأدوية والمستلزمات الطبية والوقود إلى تعميق الأزمة وتهديد حياة آلاف المرضى.
وأوضح البرش أن المنظومة الصحية، التي كانت تعاني أصلًا من تداعيات سنوات طويلة من الحصار، تعرضت خلال الحرب لضربات متلاحقة أنهكت إمكانياتها البشرية والمادية، وأفقدتها القدرة على تقديم كثير من الخدمات الأساسية، بما فيها العمليات الجراحية والرعاية التخصصية والفحوصات المخبرية وعلاج الأمراض المزمنة.
وأشار إلى أن المستشفيات التي لا تزال تقدم خدماتها تعمل في ظروف بالغة الصعوبة، مع نقص حاد في الأجهزة والمعدات والأدوية والمستهلكات الطبية، في وقت تتزايد فيه أعداد المرضى والمصابين الذين يحتاجون إلى تدخلات عاجلة ورعاية مستمرة.
وشدد البرش على أن خطورة ما ارتكبه الاحتلال لا تكمن في أعداد الضحايا الذين سقطوا بفعل القصف المباشر فحسب، بل في تحويل المرض والجوع وغياب العلاج إلى أسباب إضافية للموت، مؤكدًا أن آلاف المرضى أصبحوا يواجهون خطر فقدان حياتهم نتيجة انهيار الخدمات الصحية ونقص الإمكانيات.
وقال إن مرضى السرطان والفشل الكلوي والقلب والأمراض المزمنة يدفعون ثمنًا باهظًا لهذه الكارثة، بعدما فقد كثيرون منهم فرص الحصول على العلاج المنتظم أو الأدوية الضرورية، فيما ينتظر آخرون التحويل للعلاج خارج القطاع في ظل القيود المفروضة على السفر والإجلاء الطبي.
وأضاف أن الاحتلال لم يترك وسيلة لإضعاف قدرة السكان على الحياة، فمن نجا من القصف بات مهددًا بالمرض والجوع وسوء التغذية وتلوث المياه وانتشار الأوبئة، وسط انهيار شبكات الصرف الصحي وتدهور الظروف البيئية داخل مراكز النزوح والخيام.
وأكد أن الأطفال والنساء وكبار السن يمثلون الفئات الأكثر تضررًا، خصوصًا في ظل انتشار سوء التغذية وفقر الدم وتراجع خدمات الرعاية الأولية والتطعيمات والصحة الإنجابية، محذرًا من تداعيات صحية طويلة الأمد ستلاحق أجيالًا من سكان القطاع.
وأوضح البرش أن الأزمة لم تعد مقتصرة على المستشفيات، بل امتدت إلى مختلف جوانب الحياة الإنسانية، حيث يعيش مئات الآلاف من النازحين في ظروف تفتقر إلى المأوى المناسب والمياه النظيفة والغذاء الكافي والخدمات الصحية الأساسية.
وأشار إلى أن الاكتظاظ الشديد داخل المخيمات ومراكز الإيواء، إلى جانب غياب وسائل النظافة والصرف الصحي، أسهم في انتشار الأمراض الجلدية والتنفسية والمعوية، فيما باتت الاستجابة الصحية لهذه الحالات تفوق الإمكانيات المتاحة.
وأضاف أن الدمار الذي لحق بالبنية التحتية الصحية، وانقطاع الخدمات الأساسية، وغياب المعدات وقطع الغيار والوقود، كلها عوامل جعلت إعادة تشغيل المرافق الطبية واستعادة قدرتها على العمل مهمة بالغة الصعوبة.
وأكد أن استمرار القيود على إدخال الإمدادات الطبية ومواد الإعمار يعني بقاء القطاع الصحي في حالة استنزاف دائم، ويحول دون إعادة تأهيل المستشفيات أو توفير خدمات علاجية مستقرة للسكان.
وانتقد البرش استمرار الصمت الدولي إزاء ما وصفه بالانهيار الشامل للواقع الصحي والإنساني في غزة، معتبرًا أن حجم الكارثة كان يستوجب تحركًا عاجلًا لإنقاذ المنظومة الطبية وحماية المدنيين وضمان تدفق المساعدات دون عوائق.
وقال إن العالم شاهد المستشفيات وهي تتعرض للتدمير، والأطباء وهم يعملون تحت القصف، والأطفال وهم يموتون نتيجة نقص الغذاء والعلاج، لكنه لم يتخذ إجراءات كافية لوقف هذه المأساة أو ضمان عدم تكرارها.
وشدد على أن الاكتفاء ببيانات القلق والتنديد لا ينقذ حياة مريض ينتظر الدواء، ولا طفل يعاني سوء التغذية، ولا جريح يحتاج إلى عملية جراحية عاجلة، مؤكدًا أن غزة بحاجة إلى تدخل إنساني حقيقي ومستدام، وليس إلى حلول مؤقتة لا تعالج جذور الأزمة.
وحذّر من أن استمرار الوضع الراهن سيؤدي إلى تفاقم الوفيات الناجمة عن الأمراض القابلة للعلاج، وإلى ظهور تداعيات صحية ونفسية واجتماعية خطيرة، خصوصًا بين الأطفال الذين عاشوا سنوات من الخوف والنزوح والحرمان.
وأكد البرش أن إعادة بناء القطاع الصحي لن تكون مهمة سهلة أو سريعة، بعدما فقدت غزة منشآت طبية وتجهيزات وكوادر متخصصة، وتراكمت احتياجات المرضى والجرحى على نحو يفوق القدرات المتبقية.
وأوضح أن الأولوية تتمثل في إدخال الأدوية والمعدات والمستهلكات الطبية بصورة عاجلة، وضمان وصول الوقود، وفتح المعابر أمام المرضى الذين يحتاجون إلى العلاج خارج القطاع، إلى جانب توفير الدعم اللازم لإعادة تأهيل المستشفيات والمراكز الصحية.
وشدد على ضرورة وضع خطة دولية شاملة لإنقاذ المنظومة الصحية واستعادة الخدمات الأساسية، مع ضمان حماية الطواقم الطبية وحرية عملها، وعدم إخضاع الاحتياجات الإنسانية للضغوط والاشتراطات السياسية والأمنية.
وختم البرش بالتأكيد أن «غزة لا تزال تنزف، والعالم لا يزال متجاهلًا لمعاناتها»، وأن انتهاء القصف وحده لا يكفي لوقف آثار الإبادة ما دامت أسباب الموت البطيء قائمة، مشددًا على أن إنقاذ ما تبقى من القطاع الصحي لم يعد مسألة إغاثية فحسب، بل ضرورة عاجلة لحماية حياة مئات الآلاف من الفلسطينيين ومنع استمرار الكارثة الإنسانية.