قال الدكتور أنيس القاسم، الخبير في القانون الدولي والرئيس السابق للمؤتمر الشعبي لفلسطينيي الخارج، إن الأداء السياسي للمقاومة الفلسطينية خلال حرب «طوفان الأقصى» شكّل واحدة من أبرز ساحات المواجهة مع الاحتلال الإسرائيلي وحلفائه الدوليين، بعدما تحولت المفاوضات الممتدة على مدار الحرب إلى معركة موازية للميدان، تمحورت حول محاولة انتزاع تنازلات استراتيجية من الفلسطينيين، وفرض ترتيبات سياسية وأمنية تُثبّت نتائج الحرب وتعيد تشكيل الواقع في قطاع غزة بما يتوافق مع المطالب الإسرائيلية والأمريكية.
وأضاف القاسم لـ"الرسالة نت"؛ أن التحدي الأساسي الذي واجهته المقاومة لم يكن محصورًا في التعامل مع إسرائيل، وإنما امتد إلى مواجهة منظومة واسعة من الضغوط الدولية والإقليمية التي سعت إلى توظيف الحرب والكارثة الإنسانية للضغط على الموقف الفلسطيني، ودفعه نحو قبول حلول جزئية قد تتحول، في نهاية المطاف، إلى تنازل دائم عن حقوقه الوطنية.
وأوضح أن من الضروري التمييز بين المفاوضات التي تستهدف وقف العدوان وحماية الشعب الفلسطيني، وبين التسويات التي تقود إلى تكريس الاحتلال أو إخضاع القرار الفلسطيني للشروط الإسرائيلية، مشيرًا إلى أن هذا التمييز مثّل جوهر المعركة السياسية التي خاضتها المقاومة خلال سنوات الحرب الثلاث.
وأكد القاسم أن المقاومة الفلسطينية لم تكن، منذ أكتوبر/تشرين الأول 2023، أمام طرف إسرائيلي منفرد، وإنما واجهت بيئة تفاوضية شديدة الاختلال في موازين القوى، في ظل الدعم الأمريكي العسكري والسياسي لإسرائيل، والضغوط الدولية المتزايدة لإنجاز صفقات تتوافق مع المصالح الأمنية الإسرائيلية.
وأشار إلى أن هذا الاختلال برز في طبيعة المقترحات المتعاقبة، حيث طُرحت على الفلسطينيين صيغ مختلفة لوقف إطلاق النار وتبادل الأسرى والترتيبات الأمنية، بينما ظلت القضايا الأكثر جوهرية، وفي مقدمتها إنهاء الحرب بصورة نهائية، وضمان الانسحاب الإسرائيلي، ووقف التهجير، وحماية الحقوق الوطنية، موضع خلاف مستمر.
وأضاف أن المفاوض الفلسطيني لم يكن مطالبًا فقط بالتوصل إلى اتفاق ينهي المعاناة الإنسانية، بل كان يواجه محاولات لانتزاع موافقات سياسية وأمنية قد تُستخدم لاحقًا لتثبيت وقائع جديدة، وتجريد الفلسطينيين من أدوات التأثير في مستقبل قضيتهم.
وشدد القاسم على أن هذه المعادلة عكست جوهر المأزق التفاوضي؛ إذ إن الطرف الذي يتعرض شعبه للقتل والتجويع والحصار كان يواجه ضغوطًا متزايدة لتقديم التنازلات، في حين تمتعت إسرائيل بهامش واسع للمناورة وتعديل الشروط والعودة عن التفاهمات أو تأخير تنفيذها.
واعتبر أن المقاومة لم تكن تخوض مفاوضات مع الاحتلال وحده، بل كانت تواجه منظومة دولية واسعة تسعى إلى فرض تصوراتها للحل، وتوظيف ثقلها السياسي والاقتصادي والعسكري لإجبار الفلسطينيين على القبول بترتيبات لا تستجيب بالضرورة لحقوقهم الوطنية.
وأوضح القاسم أن من أبرز ما ميز تجربة المفاوضات خلال الحرب محاولة الجمع بين المرونة السياسية والتمسك بالحقوق الأساسية، وهي معادلة بالغة الصعوبة في ظل حجم الكارثة الإنسانية التي تعرض لها قطاع غزة.
وأشار إلى أن حركة حماس أبدت، في مراحل متعددة، استعدادًا للتفاوض بشأن وقف إطلاق النار وتبادل الأسرى وآليات إدارة القطاع وترتيبات تنفيذ الاتفاقات، لكنها تمسكت في الوقت نفسه بمطالب تتعلق بإنهاء الحرب والانسحاب الإسرائيلي ورفض تهجير السكان.
وأكد أن هذه المقاربة تكشف عن فارق أساسي بين المرونة في الوسائل والتفريط بالأهداف، موضحًا أن القبول بمناقشة الصيغ والإجراءات والجداول الزمنية لا يعني بالضرورة القبول بالتنازل عن الحقوق الوطنية أو تحويل المفاوضات إلى غطاء لإدامة السيطرة الإسرائيلية.
وأضاف أن نجاح أي أداء سياسي لا يمكن أن يُقاس بمجرد القدرة على الوصول إلى اتفاق، وإنما بمدى حفاظ هذا الاتفاق على الحقوق الأساسية ومنعه تكريس وقائع جديدة تخدم الاحتلال.
ولفت القاسم إلى أن التجارب السياسية السابقة، وفي مقدمتها اتفاق أوسلو، أظهرت مخاطر القبول بترتيبات جزئية تنتقص من الحقوق الفلسطينية أو تفرض التزامات سياسية وأمنية لا تقود في النهاية إلى إنهاء الاحتلال.
وشدد على أن معيار الحكم على أي اتفاق يجب ألا يتوقف عند قدرته على تحقيق تهدئة مؤقتة، بل ينبغي أن يمتد إلى ما إذا كان يحمي الحقوق الفلسطينية أو يفتح الباب أمام تصفيتها تحت ضغط الظروف الإنسانية والعسكرية.