٣ أعوام على الإبادة.. غزة تتنفس الحياة ٣ أعوام على الإبادة.. غزة تتنفس الحياة

شمال غزة يفشل رهان الجنرالات على الحسم العسكري

الرسالة نت- خاص

بعد عامين على طرح ما عُرف إسرائيليا بـ"خطة الجنرالات" لشمال قطاع غزة، تبدو النتائج على الأرض بعيدة عن الأهداف التي وضعتها الخطة، بعدما لم يؤدّ الضغط العسكري والحصار وإخلاء السكان إلى إنهاء وجود المقاومة أو دفعها إلى الاستسلام أو الإفراج عن الأسرى.

وبدل الحسم السريع الذي افترضه أصحاب الخطة، عادت القوات الإسرائيلية إلى تنفيذ عمليات متكررة في مناطق سبق أن أعلنت السيطرة عليها، بينما استمر وجود السكان الفلسطينيين في شمال القطاع، وبقيت المقاومة حاضرة في المشهدين الميداني والسياسي.

وكان اللواء الإسرائيلي المتقاعد غيورا آيلاند قد طرح الخطة في سبتمبر/أيلول 2024، وقامت فكرتها على إخلاء شمال غزة من السكان وتحويل المنطقة إلى مساحة عسكرية مغلقة ومنع إدخال الغذاء والوقود والمياه والمساعدات إلى من يبقى فيها، بهدف دفع مقاتلي الفصائل الفلسطينية إلى الاستسلام أو الخروج من المنطقة. وتزامن طرحها مع بدء إسرائيل عملية عسكرية واسعة في شمال غزة وخصوصا جباليا في أكتوبر/تشرين الأول من العام نفسه، ما دفع جهات دولية إلى التحذير من تداعيات سياسة "التجويع أو الاستسلام".

وبعد مرور عامين، تظهر المفارقة الأساسية في أن التفوق العسكري لم يتحول إلى نتيجة سياسية مستقرة، فالقوات الإسرائيلية استطاعت تنفيذ عمليات واسعة وتدمير مساحات كبيرة من البنية العمرانية، لكنها عادت أكثر من مرة إلى المناطق نفسها، فيما استمرت المواجهات وعمليات المطاردة العسكرية.

فشل ذريع

ويقول المختص في الشأن السياسي فراس ياغي إن جوهر الخطة كان يقوم على إخلاء سكان شمال القطاع وحصارهم ومنع وصول المساعدات إليهم، بهدف الضغط على حركة حماس للإفراج عن الأسرى والقضاء على وجودها في شمال غزة، ولا سيما في جباليا.

ويرى ياغي لـ"الرسالة نت" أن الخطة "فشلت فشلا ذريعا"، لأن الوقائع أثبتت أن إخراج السكان أو تجويع المنطقة لا يؤدي إلى انهيار أو استسلام المقاومة أو إجبارها على الإفراج عن الأسرى.

ويشير إلى أن الجيش الإسرائيلي استطاع الدخول إلى مناطق الشمال وتنفيذ عمليات عسكرية فيها، لكنه لم يتمكن من منع عودة السكان أو إيجاد بديل سياسي قادر على ملء الفراغ الذي كانت الخطة تستهدف خلقه.

ويضيف ياغي: "التطورات الميدانية أظهرت مشكلة أعمق في التصور الإسرائيلي، تتمثل في القدرة على دخول المنطقة عسكريا مقابل عدم القدرة على إنتاج واقع سياسي وأمني دائم فيها". ويستشهد بتكرار تبديل الوحدات العسكرية التي تعمل في شمال القطاع، معتبرا أن انتهاء مهمة تشكيل عسكري وعودة تشكيل آخر إلى المنطقة نفسها يؤشر إلى أن السيطرة العسكرية لم تتحول إلى إنجاز استراتيجي مستدام.

وفي هذا السياق، أعلنت إسرائيل في أكتوبر/تشرين الأول 2025 انتهاء مهمة الفرقة 99 في شمال غزة بعد أربعة أشهر، وتسلم الفرقة 252 المسؤولية في المنطقة، قبل أن تعلن الأخيرة بدورها انتهاء مهمتها في يونيو/حزيران 2026 وتسليم المهمة مجددا إلى الفرقة 99.

وبحسب ياغي، فإن هذه التطورات تؤكد أن سياسة طرد المدنيين وحصارهم وتجويعهم لم تنتج إنجازا عسكريا أو سياسيا حاسما. ويشير إلى أن الجيش الإسرائيلي حاول تنفيذ عناصر من الخطة في جباليا وشمال القطاع عبر عمليات متكررة، لكن النتيجة كانت استمرار الحاجة إلى عمليات جديدة في المناطق نفسها.

ومن وجهة نظره، فإن الخطة لم تكن قابلة للتحول إلى ترتيبات سياسية مستقرة، لأنها تعاملت مع العامل السكاني والإنساني باعتباره أداة ضغط عسكري، من دون تقديم تصور واضح لما سيأتي بعد إخلاء السكان أو السيطرة على المنطقة.

أسباب الفشل

أما الهدف المتعلق بالأسرى، فيرى ياغي أن مسار الأحداث أثبت بدوره محدودية الرهان على الضغط العسكري وحده، فالإفراج عن الأسرى لم يتحقق نتيجة خطة حصار شمال غزة وإنما جاء ضمن تفاهمات واتفاقات لتبادل الأسرى ووقف إطلاق النار.

وبذلك، فإن الأداة التي افترضت الخطة أنها ستدفع حماس إلى تقديم تنازلات حاسمة لم تنتج النتيجة السياسية التي رُبطت بها.

ولا يقتصر فشل الخطة، وفق قراءة ياغي، على نتائجها الميدانية، بل يمتد إلى الظروف السياسية المحيطة بها، حيث يشير إلى أن الإدارة الأميركية في عهد الرئيس جو بايدن عارضت سياسات التجويع والتهجير القسري للسكان، وهو ما وضع حدودا سياسية أمام تحويل الخطة إلى سياسة معلنة وشاملة.

كما يرى المختص في الشأن السياسي، أن التطورات اللاحقة بما فيها اتفاقات تبادل الأسرى، عززت الاستنتاج بأن القضايا الكبرى في الحرب لم تُحسم بمجرد الضغط العسكري على مناطق شمال القطاع.

وكانت الخطة قد أثارت منذ طرحها جدلا واسعا، خصوصا بسبب دعوتها إلى اعتبار من يبقى في شمال غزة بعد مهلة الإخلاء هدفا عسكريا، وقطع الإمدادات عنه.

وفي أكتوبر/تشرين الأول 2024، أفادت تقارير بأن العمليات الإسرائيلية في شمال القطاع أثارت مخاوف من تطبيق عناصر من الخطة، رغم عدم وجود إعلان إسرائيلي رسمي واضح بتبنيها بالكامل.

وفي تقييم لاحق للحرب، أقر آيلاند نفسه بأن إسرائيل لم تحقق أهدافها الأساسية وفق المعايير التي وضعها لنجاح أي حرب، ومنها تحقيق الأهداف المعلنة وفرض الإرادة على الطرف الآخر ومنع الخصم من البقاء وإعادة بناء قدراته.

ونقلت مصادر عن آيلاند قوله إن حماس بقيت في غزة وإن إسرائيل لم تحقق أهدافها، وهو تقييم يضعف الأساس الذي قامت عليه الخطة التي حملت اسمه في شمال القطاع.

وبعد عامين، تبدو خلاصة التجربة في شمال غزة مرتبطة بالفارق بين السيطرة العسكرية المؤقتة والحسم السياسي. فقد استطاعت إسرائيل تدمير مواقع وبنى تحتية وتنفيذ عمليات عسكرية واسعة، لكن استمرار العودة إلى المناطق نفسها وتبديل الوحدات العسكرية، إلى جانب بقاء القضية السياسية والأمنية دون حل، يشير إلى أن القوة العسكرية وحدها لم تنتج النهاية التي افترضتها "خطة الجنرالات".

وبذلك تحولت الخطة من تصور لحسم سريع في شمال القطاع إلى مثال على صعوبة تحويل العمليات العسكرية إلى واقع سياسي دائم.

بث مباشر