مع كل اقتراب لفصل الشتاء، لا ينتظر النازحون في قطاع غزة المطر بقدر ما ينتظرون ما قد يحمله إليهم من خوف جديد؛ فالماء الذي يتسرب من أسقف الخيام، والطين الذي يحاصر أطرافها، والبرد الذي يتسلل من فتحاتها المهترئة، تحولت جميعها إلى هواجس متكررة لدى عائلات أنهكها النزوح ولم تجد بعد مكاناً آمناً يحميها من تقلبات الطقس.
في حي الشيخ رضوان شمال غرب مدينة غزة، يعيش عبد القادر مصلح (32 عاماً) مع أسرته المكونة من أربعة أفراد داخل خيمة نصبها بعد سلسلة طويلة من عمليات النزوح، بعدما اضطر إلى مغادرة منطقة بيت حانون شمالي القطاع، الواقعة حالياً تحت سيطرة الاحتلال.
يوضح مصلح لـ "الرسالة نت"، أن الخيمة التي لجأ إليها لم تعد بالنسبة إليه سوى مأوى مؤقت طال بقاؤه أكثر مما ينبغي. قائلاً: "منذ أكثر من عامين ونصف وأنا أعيش برفقة اسرتي داخل هذه الخيمة، حيث تآكلت اقمشتها وفقدت قدرتها على الصمود أمام الامطار والرياح، ما جعلها مصد قلق دائم مع اقتراب الشتاء".
ويستذكر ما حدث معه خلال الشتاء الماضي عندما اقتحمت مياه الأمطار خيمته وأغرقتها، ما خلق حالة من الفزع داخل اسرته، بعدما وجدوا أنفسهم في مواجهة خطر المياه والبرد في ظل عدم توفر أي مكان آخر يمكن اللجوء إليه.
ومع اقتراب الشتاء يتجدد القلق لدى مصلح بنسبة أكبر، حيث أن الخيمة التي يُفترض أن تحمي أسرته أصبحت أكثر تهالكاً، لا سيما أن لديه طفل لا يتجاوز من عمره عاماً ونصف، ما يجعل مواجهة البرد والأمطار أكثر قسوة.
ويقول مصلح إن معاناته لا تنتهي بانتهاء الشتاء، بل تتكرر مع كل موسم أمطار، في ظل غياب حلول دائمة للنازحين الذين يعيشون في ظروف مأوى شديدة الهشاشة، مطالباً بتحرك عاجل لإغاثة الأسر قبل دخول الشتاء، حتى لا تتكرر مأساة العام الماضي.
ولا يختلف حال أحمد الفراني كثيراً، إذ يعيش هو الآخر داخل خيمة مهترئة وسط مدينة غزة، بعدما ترك الشتاء الماضي أثراً ثقيلاً في ذاكرته حين غمرت المياه خيمته، محولة المأوى المؤقت إلى مساحة غير صالحة للحماية.
ومع اقتراب الشتاء الجديد، لم ينتظر الفراني وصول الأمطار، بل بدأ قبل أيام بمحاولة ترميم خيمته بنفسه، مستخدماً بعض الأخشاب لتدعيمها، فيما غطاها بشادر مستعمل أملاً في الحد من تسرب المياه إليها. ويوضح لـ "الرسالة نت"، أن هذه الإجراءات لا تبدد مخاوفه، خصوصاً أن المواد التي يستخدمها في التدعيم ليست جديدة ولا توفر ضمانة حقيقية للصمود أمام موسم أمطار قاسٍ.
وبين محاولة وأخرى لإغلاق فتحة أو تثبيت قطعة خشب، يبقى هاجس الفراني قائماً: ماذا سيحدث عندما تهطل الأمطار فعلياً؟ وهل تستطيع هذه الخيمة التي بالكاد صمدت حتى الآن أن تحميه من شتاء آخر؟
ويأمل الفراني أن تصل إليه خيمة جديدة تحل محل خيمته المهترئة، لا سيما أن ما يقوم به حالياً لا يتجاوز كونه محاولة فردية لسد فجوة أكبر من قدرته على التعامل معها.
إلى ذلك، يصف مدير عام المكتب الإعلامي الحكومي إسماعيل الثوابتة، المشهد مع اقتراب الشتاء بأنه "كارثي ومأساوي بامتياز"، محذراً من أن الظروف الحالية تنذر بانفجار إنساني.
ويذكر الثوابتة لـ "الرسالة نت"، أن أكثر من مليون ونصف المليون نازح يعيشون في العراء، في وقت يبلغ فيه عدد الخيام المهترئة وغير الصالحة للاستخدام نحو 162 ألف خيمة من أصل 270 ألف خيمة، ما يعني أن جزءاً كبيراً من المأوى المتاح للنازحين لا يوفر الحد الأدنى من الحماية المطلوبة لمواجهة فصل الأمطار.
ولا تقف المشكلة عند تهالك الخيام؛ فالبنية التحتية التي يفترض أن تستوعب آثار الشتاء تكاد تكون معدومة، بينما توجد أكثر من 255 بناية سكنية متصدعة وآيلة للسقوط، وهو ما يضيف خطراً آخر إلى قائمة المخاطر التي تحاصر المدنيين، وفق الثوابتة.
من جهته، حذّر المتحدث باسم جهاز الدفاع المدني في قطاع غزة، محمود بصل، من أن استمرار تدهور الأوضاع الإنسانية والخدماتية مع اقتراب فصل الشتاء ينذر بكارثة حقيقية، في ظل غياب الإمكانات واللوجستيات اللازمة لدى الجهاز للتعامل مع تداعيات الأمطار والفيضانات وانهيار المباني.
وقال بصل لـ "الرسالة نت"، إن الدفاع المدني لا يمتلك حالياً المقدرات الكافية لتقديم الخدمات المطلوبة للمواطنين، داعياً المنظمات الدولية والمؤسسات الإغاثية إلى التدخل العاجل لتجهيز مراكز الإيواء وتوفير الخيام والشوادر، والعمل على تهيئة البنية التحتية، خصوصاً في المناطق المنخفضة التي تتعرض بصورة متكررة للغرق وتجمع مياه الأمطار.
وأوضح أن الجهاز ينفذ تدريبات وحملات توعية للمواطنين حول كيفية الاستعداد للشتاء وتهيئة أماكن إقامتهم، من خلال الدورات ومراكز الإيواء واللقاءات الميدانية، لكنه يعاني في المقابل من نقص حاد في الأدوات والمركبات والمعدات واللوجستيات، فيما باتت معظم مقدراته متهالكة، ما يحد من قدرته على الاستجابة للأزمات بالحد الأدنى.
وأكد أن الطواقم ستتدخل عند وقوع الكوارث لمساعدة المواطنين وفق الإمكانات المتاحة، لكن التدخل الوقائي قبل وقوع الأزمة يبقى الخيار الأفضل، مشدداً على ضرورة توفير المستلزمات للمدنيين ولمنظومة الدفاع المدني قبل الوصول إلى مرحلة الطوارئ.
ولفت إلى وجود نحو ألفي مبنى على وشك الانهيار، محذراً من ارتباط خطر هذه المباني بموسم الأمطار.
وأكد بصل أن الخيمة ليست بديلاً إنسانياً صالحاً للسكن، وأن كثيراً من المواطنين يرفضون مغادرة المباني المتصدعة لعدم وجود أماكن بديلة، محذراً من أن استمرار الوضع الحالي قد يؤدي إلى غرق مراكز إيواء، وانهيار مبانٍ، ووقوع وفيات وإصابات بسبب البرد والغرق وتساقط أجزاء المباني.
وبذلك يدخل النازحون الشتاء وهم أمام معادلة شديدة القسوة: خيام فقدت قدرتها على الحماية، مبانٍ متصدعة قد تشكل خطراً على من يلجأ إليها، وبنية تحتية مدمرة لا تملك القدرة الكافية على التعامل مع مياه الأمطار أو الصرف الصحي أو النفايات.