☰
✕

قائمة الموقع

النفط يعبر هرمز بكلفة ومخاطر أعلى

2026-10-05T23:09:00+03:00
الرسالة نت- وكالات

في 17 سبتمبر/أيلول الماضي، كانت الناقلة الكويتية العملاقة «كاظمة 3» تفرغ مليوني برميل من الخام في ميناء رأس مركز على الساحل العماني، وفق بيانات شركة تتبع السفن «كبلر». وبعد أسبوعين، وفي الأول من أكتوبر/تشرين الأول، أصابها مقذوف مجهول أثناء عبورها مضيق هرمز، ما أدى إلى اندلاع حريق على متنها، فيما أفادت شركة معلومات الشحن البحري «ماريسكس» بسلامة أفراد الطاقم وإجلائهم لاحقاً.

لكن قصة «كاظمة 3» تتجاوز حادثة أمنية جديدة في مضيق هرمز، لتكشف كيف تغيرت رحلة النفط الخليجي منذ اندلاع الحرب في المنطقة في 28 فبراير/شباط.

فالبرميل لم يعد يتحرك بالضرورة في مسار مباشر من ميناء التحميل إلى المصفاة. وفي بعض الحالات، تعبر ناقلة محملة بالنفط المضيق إلى خليج عمان، ثم تفرغ حمولتها في ناقلة أخرى تنتظر خارج المضيق، لتكمل السفينة الثانية الرحلة نحو المشتري، بينما تعود الأولى إلى الخليج لإعادة التحميل.

وتحول هذا النمط، المعروف بعمليات النقل بين السفن أو «الرحلات المكوكية»، إلى إحدى آليات إبقاء صادرات الخليج متدفقة في ظل المخاطر التي تواجه حركة الملاحة. ووفق بيانات «كبلر»، ارتفعت عمليات نقل الخام بين السفن في خليج عمان إلى نحو 2.5 مليون برميل يومياً خلال سبتمبر/أيلول، مقارنة بنحو 1.4 مليون برميل يومياً في أغسطس/آب.

وكانت شركات النفط والتجارة ومالكو الناقلات قد علقوا، مع بداية الحرب، شحنات من الخام والوقود والغاز الطبيعي المسال عبر هرمز، قبل أن تبدأ الصناعة في البحث عن ترتيبات بديلة للإبقاء على الصادرات. ويظل المضيق أحد أهم شرايين الطاقة العالمية، إذ كانت تمر عبره قبل الحرب كميات تعادل نحو خُمس الإمدادات العالمية من النفط الخام والغاز الطبيعي المسال.

النفط يعبر.. لكن بكلفة أكبر

لا تمر جميع الشحنات بهذه الآلية، كما أن النقل من سفينة إلى أخرى لا يعني بالضرورة تعرض الناقلة لتهديد مباشر. لكن هذه العمليات أصبحت أكثر أهمية في ظل محدودية البدائل التي تستطيع تعويض الكميات التي كانت تمر عبر هرمز.

المشكلة أن استمرار تدفق النفط أصبح يحتاج إلى عدد أكبر من الناقلات، ورحلات أطول، وترتيبات أمنية أكثر تعقيداً، ما رفع كلفة النقل والتأمين.

وتقدر مصادر في قطاع الشحن، نقلت عنها «وول ستريت جورنال»، كلفة الرحلة المكوكية الواحدة ذهاباً وإياباً عبر هرمز بين 30 و40 مليون دولار، قبل احتساب التأمين. وإذا حملت ناقلة عملاقة مليوني برميل، فإن توزيع هذه الكلفة على كامل الحمولة يعادل نظرياً نحو 15 إلى 20 دولاراً للبرميل.

ولا يمثل هذا الرقم سعراً ثابتاً للنقل، إذ تختلف الكلفة بحسب الناقلة والمسار ومدة الرحلة وشروط العقد، لكنه يعطي مؤشراً على حجم الفاتورة التي بات يتحملها المنتجون والمشترون لإبقاء البرميل متحركاً.

وتظهر هذه الضغوط بوضوح في سوق الناقلات. فقد ارتفعت كلفة استئجار ناقلة عملاقة قادرة على نقل مليوني برميل من الخليج إلى الصين إلى نحو 1.2 مليون دولار يومياً، مقابل قرابة 80 ألف دولار يومياً قبل عام، وفق بيانات «إل إس إي جي» نقلتها «رويترز».

وبذلك لم تعد كلفة الشحن تفصيلاً هامشياً في اقتصاد البرميل، بل أصبحت عنصراً مؤثراً في سعر النفط الذي يصل إلى المصفاة.

السعودية تخفض السعر

وانعكس ارتفاع كلفة النقل على تسعير الخام نفسه. فالسعودية خفضت سعر البيع الرسمي للخام العربي الخفيف إلى آسيا لشحنات نوفمبر/تشرين الثاني بمقدار 3 دولارات للبرميل، ليصبح أقل بـ5 دولارات من متوسط خامي عمان ودبي، في أكبر خفض منذ يونيو/حزيران 2020، وفق ما أوردته «رويترز». وقالت مصادر في مصافٍ آسيوية إن خفض السعر يساعد المشترين على تعويض ارتفاع أجور الشحن.

ولا يعني ذلك أن السعودية تتحمل كامل تكلفة نقل كل شحنة، لكنه يوضح أن ارتفاع كلفة الرحلة أصبح جزءاً من عملية التفاوض على سعر الخام بين المنتج والمصفاة.

وتشير هذه التطورات إلى تغير في معادلة سوق النفط: ارتفاع الصادرات لا يعني بالضرورة عودة السوق إلى طبيعتها، إذا كانت كل برميل إضافي يحتاج إلى نقل أكثر كلفة ومخاطرة.

استنزاف طاقة الناقلات

وتزداد المشكلة تعقيداً مع استهلاك الرحلات المكوكية جزءاً من طاقة الناقلات العملاقة المتاحة.

فبدلاً من تنفيذ الناقلة رحلة واحدة مباشرة إلى المشتري، أصبحت بعض الناقلات تدخل الخليج، وتحمل الخام، ثم تخرج عبر هرمز، وتفرغ حمولتها في ناقلة أخرى خارج المضيق قبل أن تعود إلى الخليج.

وبحسب تحليل لـ«رويترز»، فإن عمليات النقل بين السفن، بالتزامن مع توجه بعض المشترين الآسيويين إلى استيراد خامات من حوض الأطلسي عبر مسارات أطول، تقلص المعروض المتاح من الناقلات وترفع أجور الشحن عالمياً.

وتقدر بيانات السوق التي أوردتها «رويترز» أن كلفة الشحن باتت تمثل نحو 27% من سعر البرميل المسلم إلى المشتري، مقابل نحو 3% قبل الاضطرابات. ولا تنطبق هذه النسبة على جميع الشحنات والعقود، لكنها تكشف حجم التحول في وزن النقل داخل تكلفة النفط النهائية.

وترى محللة النفط والغاز العالمية في بنك «إتش إس بي سي» كيم فوستييه أن استمرار الرحلات المكوكية والقوافل المحمية عسكرياً قد لا يكون قابلاً للاستمرار لفترة طويلة، ما يضع سقفاً لقدرة السوق على الاعتماد على هذه الترتيبات إذا طال أمد الاضطراب.

صادرات مرتفعة

ورغم هذه التكاليف، سجلت صادرات الخام من الشرق الأوسط مستويات مرتفعة خلال الأيام الأخيرة من سبتمبر/أيلول.

وأظهرت بيانات أولية لـ«كبلر» أن صادرات الخام من المنطقة تجاوزت مستويات ما قبل الحرب في أربعة أيام خلال الأسبوع الأخير من سبتمبر، لتتراوح بين 19.5 و22.5 مليون برميل يومياً، مقارنة بمتوسط بلغ نحو 18 مليون برميل يومياً بين مارس/آذار 2025 وفبراير/شباط 2026.

لكن هذه الأرقام لا تعني أن حركة هرمز عادت إلى مستوياتها الطبيعية، لأنها تشمل صادرات عبر مسارات مختلفة، ومحطات تحميل، وعمليات نقل بين السفن في خليج عمان.

أما تدفقات الخام عبر مضيق هرمز نفسه، فبلغت نحو 14.2 مليون برميل يومياً في 26 سبتمبر، على أساس متوسط سبعة أيام، أي ما يعادل قرابة 80% من مستويات ما قبل الحرب، وفق «كبلر».

وتبقى هذه البيانات قابلة للمراجعة، خصوصاً أن بعض السفن تعبر المضيق مع إطفاء أجهزة التعرف الآلي، ما يجعل تتبعها متأخراً إلى حين ظهورها في موانئ التفريغ.

ويحذر محللون من قراءة ارتفاع التدفقات باعتباره عودة كاملة للاستقرار. وقال مؤسس شركة «كوموديتي كونتكست» لأبحاث النفط روري جونستون لـ«وول ستريت جورنال» إن التدفقات الأخيرة قد تكون مؤقتة، وقد تكون بعض الدول قد سارعت إلى إخراج شحنات قبل احتمال تصعيد جديد.

وتعني هذه المعطيات أن ارتفاع الصادرات لا يكفي وحده لقياس سلامة سوق النفط؛ فالسؤال أصبح يتعلق أيضاً بكلفة إيصال البرميل والوقت الذي يستغرقه والمخاطر التي ترافق الرحلة.

الخطر يلاحق الناقلات

وتأتي هذه الترتيبات في وقت تزايدت فيه الهجمات على السفن في محيط هرمز.

فمنذ 28 سبتمبر/أيلول وحتى 4 أكتوبر/تشرين الأول، أصدرت هيئة عمليات التجارة البحرية البريطانية ثمانية بلاغات بشأن إصابات أو حوادث مرتبطة بمقذوفات مجهولة في هرمز ومحيطه، مع تصنيف معظمها باعتبارها هجمات، وفق بيانات الهيئة.

ولا يعني ذلك أن ثماني ناقلات نفط تعرضت للقصف، إذ لم تكشف الهيئة أسماء معظم السفن أو حمولاتها، كما أن بعض البلاغات وردت بعد وقوع الحوادث بوقت.

لكن تكرار الحوادث خلال فترة قصيرة يرفع المخاطر التي تواجه شركات الشحن، ويدفعها إلى إعادة حساب تكلفة التأمين وأجور الطواقم والمسارات التي تختارها.

وتشير «ماريسكس» إلى أن نمط الحوادث قد يكون مرتبطاً بإطلاق مقذوفات في مناطق اشتباك محددة يمكن أن تلتقط فيها الأسلحة الإشارات الرادارية للسفن، وهو تقييم أمني للشركة وليس نتيجة رسمية صادرة عن الهيئة البريطانية.

وبحسب «ماريتايم إكزكيوتيف»، سجلت هيئة عمليات التجارة البحرية البريطانية 110 وقائع مرتبطة مباشرة بالحرب، بما يعكس اتساع المخاطر المحيطة بحركة الشحن.

من يدفع فاتورة العبور؟

تكشف رحلة «كاظمة 3» المفارقة الأساسية في سوق النفط الحالية: البرميل ما زال يصل إلى الأسواق، لكن الطريق إليه أصبح أطول وأكثر كلفة وخطورة.

فارتفاع تدفقات الخام عبر هرمز لا يعني أن السوق استعادت كفاءتها السابقة. فالناقلات تحتاج إلى رحلات مكوكية، وأجور الشحن ارتفعت، والتأمين أصبح أكثر كلفة، فيما تضطر بعض الدول المنتجة إلى خفض أسعار خامها لمساعدة المشترين على تحمل فاتورة النقل.

وفي الوقت نفسه، يؤدي استنزاف الناقلات في الرحلات المكوكية إلى رفع كلفة الشحن لمسارات أخرى، ما ينقل أثر الأزمة من مضيق هرمز إلى سوق النقل البحري العالمية.

وهكذا لم يعد السؤال في سوق النفط هو فقط: هل يعبر البرميل مضيق هرمز؟ بل أصبح: كم يكلف عبوره، ومن يتحمل فاتورة المخاطر؟

وتشير التطورات الأخيرة إلى أن المنتج والمشتري والناقل وشركات التأمين جميعهم يشاركون في دفع هذه الفاتورة، بينما يصل جزء متزايد منها في النهاية إلى السعر الذي تدفعه الأسواق مقابل برميل النفط.

اخبار ذات صلة