☰
✕

قائمة الموقع

سحر أبو شبيكة ..المعلمة التي أخذت الرصاصة عن طلابها

2026-10-05T14:31:00+03:00
الرسالة نت ـ خاص

لم تكن سحر عبد الكريم عبد الله أبو شبيكة تتوقع أن ينتهي درس العلوم الذي كانت تقدمه لطلابها في خيمة بمدينة خانيونس برصاصة تستقر في حوضها، وأن يتحول درس عادي إلى لحظة يركض فيها الأطفال مذعورين وهم يحملون حقائبهم وكتبهم، بينما تبقى معلمتهم تنزف أمامهم. 

في 30 سبتمبر/أيلول الماضي، كانت سحر، وهي أم لخمسة أطفال، من بينهم توأم في الرابعة من العمر، تقف أمام طلابها في مدرسة «إشراقة الأمل» في منطقة الأمل بخانيونس، جنوب قطاع غزة، وتشرح لهم درس العلوم داخل صف أقيم في خيمة، حين شعرت فجأة بأن شيئًا غير طبيعي يحدث. تقول سحر، من سريرها في المستشفى: «فجأة، في لحظة، شعرت أن هناك شيئًا ليس على ما يرام. شعرت بألم حاد وسمعت صوتًا، فحاولت حماية الطلاب وإبعادهم حتى لا يتعرضوا للخطر». 

لم تفكر سحر في نفسها أولًا. كان الطلاب أمامها، وكان الخطر قد وصل إلى الخيمة، فحاولت أن تتحرك بينهم لتحميهم. لكن الأطفال لم يفهموا في البداية ما حدث. كانت هي التي تتألم، وهي التي تلقت الرصاصة، قبل أن يروا الدم يغطي جسدها فيدركوا أن معلمتهم أصيبت. «حاولت أن أحميهم، لكن عندما رأى الطلاب أنني مغطاة بالدماء خافوا وأصيبوا بالهلع، ولم أعد قادرة على السيطرة عليهم، لأنني كنت أنا أيضًا منهكة ومصابة بشدة»، تقول سحر. 

كانت الرصاصة قد دخلت من كتفها، ثم سلكت طريقًا إلى أسفل الجهة اليسرى من ظهرها قبل أن تستقر في منطقة الحوض، بالقرب من نهاية الجهاز الهضمي. ومنذ ذلك الوقت، تعاني سحر ألمًا شديدًا لا تحتمله في ساقها وفي منطقة الحوض بأكملها. نُقلت إلى مجمع ناصر الطبي بعدما سمعت مديرة المدرسة صرخات الأطفال وصوت سحر، وحاول الأطباء التعامل مع إصابتها، لكن الرصاصة بقيت داخل جسدها في موضع شديد التعقيد.

 تقول سحر إن الأطباء أخبروها بأن إخراج الرصاصة يحمل مخاطر، كما أن تركها في مكانها ليس آمنًا أيضًا، لأنها تسبب لها مشكلات وألمًا شديدًا. «المشكلة أن إبقاءها في مكانها يحمل مخاطر، وإزالتها أيضًا تحمل مخاطر»، تقول، وهي تصف حالتها بأنها ليست جيدة. 

ولا تعرف سحر على وجه اليقين من أين جاءت الرصاصة. تقول إنها ربما جاءت من جهة الأبراج أو الرافعات العسكرية، وإن أقرب مصدر محتمل لإطلاق النار يقع في الجهة الشرقية، قرب الحدود، على مسافة تقدر بنحو أربعة أو خمسة كيلومترات. 

وبحسب إفادة مديرة المدرسة، إيمان الججبير، فإن المدرسة تقع في منطقة الأمل، في بلوك «ج»، وتبعد نحو ثلاثة أو أربعة كيلومترات عن الخط الأصفر الذي تتركز خلفه قوات الاحتلال وتصف المنطقة بأنها بعيدة عن ذلك الخط وآمنة نسبيًا. المدرسة تضم نحو 350 طالبًا وطالبة من الصف الأول حتى الصف التاسع. تقول المديرة إن سحر كانت تقف وتشرح درس العلوم عندما وقع إطلاق النار. 

الأطفال الذين عادوا إلى المكان أخذوا يتفحصون الثقب في الخيمة الذي اخترقته الرصاصة ويلمسونه، وكأنهم يحاولون فهم كيف استطاعت رصاصة واحدة أن تعبر كل هذه المسافة لتصل إلى معلمتهم وهي واقفة أمامهم.

 وبحسب مكتب الأمم المتحدة لتنسيق الشؤون الإنسانية، فإن 93% من مباني المدارس في قطاع غزة تحتاج إلى إصلاح كلي أو جزئي حتى تتمكن من العمل، فيما تحولت مبانٍ مدرسية أخرى إلى ملاجئ للنازحين، ما دفع الطلاب والمعلمين إلى مواصلة التعليم داخل أماكن مؤقتة وخيام. وفي هذا السياق، أشار المركز الفلسطيني لحقوق الإنسان إلى أن أكثر من 830 معلمًا فقدوا حياتهم حتى يوليو/تموز 2026 في هجمات الاحتلال على قطاع غزة، إلى جانب 20,051 طالبًا، وقال في تقرير نشره في سبتمبر/أيلول إن مئات الآلاف من الطلاب عانوا انقطاعًا طويلًا عن التعليم بسبب النزوح والمجاعة والقصف وفقدان أفراد من العائلة وتدمير المنازل وانقطاع الكهرباء والإنترنت وانهيار الخدمات الأساسية. 

أما سحر، فلم تصل إلى هذه الخيمة من مكان آمن. كانت قد نزحت من رفح بعد أن أُجبرت على مغادرتها، وتقول إن تجربة النزوح كانت قاسية، وإنها وصلت من دون ممتلكاتها، من دون شيء تقريبًا، ولم تحمل معها سوى الملابس التي كانت ترتديها، برفقة أطفالها وزوجها. نزحت من رفح لتجد نفسها في خانيونس، ثم عادت إلى التعليم، إلى السبورة والدفتر وطلابها، .لكن الرصاصة وصلت إليها حتى داخل الخيمة. واليوم، لا تطلب سحر أكثر من الخروج للعلاج. توجه من سرير المستشفى نداء إلى وزارة الصحة في غزة، مطالبة بالنظر في ملفها الطبي وترتيب نقلها إلى خارج القطاع، حتى تتمكن من إزالة الرصاصة والحصول على العلاج الذي لا تستطيع الحصول عليه في غزة، ثم العودة إلى حياتها الطبيعية ورعاية أطفالها.

اخبار ذات صلة