يقولون إن كل شيء بدأ في السابع من أكتوبر 2023، وكأن غزة كانت تعيش حياة عادية قبل ذلك اليوم، وكأن التاريخ الفلسطيني بدأ عند هذه النقطة.
لكن قبل السابع من أكتوبر كان هناك تاريخ طويل من الاستشهاد والتهجير والاحتلال والحصار والمجازر. هذه بعض المحطات التي سبقت ذلك اليوم:
9 أبريل/نيسان 1948 — دير ياسين
اقتحمت القوات الصهيونية قرية دير ياسين قرب القدس، واستُشهد أكثر من 100 فلسطيني، بينهم نساء وأطفال، في واحدة من أشهر مجازر النكبة.
22 مايو/أيار 1948 — الطنطورة
وقعت مجزرة الطنطورة بعد احتلال القرية الساحلية جنوب حيفا، واستشهد عشرات الفلسطينيين، فيما تتباين التقديرات التاريخية لأعداد الشهداء.
9–13 يوليو/تموز 1948 — اللد
شهدت مدينة اللد عمليات استشهاد وتهجير جماعي للفلسطينيين، واستشهد مئات السكان خلال السيطرة على المدينة وما رافقها من أحداث.
29 أكتوبر/تشرين الأول 1948 — الدوايمة
وقعت مجزرة الدوايمة في الخليل، واستشهد مئات الفلسطينيين، وأصبحت من أكبر المجازر المرتبطة بحرب 1948.
29 أكتوبر/تشرين الأول 1956 — كفر قاسم
استشهد 49 مدنياً فلسطينياً برصاص قوات حرس الحدود الإسرائيلية، بينهم أطفال ونساء، بعد فرض حظر تجول على القرية دون علم سكانها.
3 نوفمبر/تشرين الثاني 1956 — خان يونس
خلال العدوان الثلاثي واحتلال قطاع غزة، استشهد مئات الفلسطينيين في خان يونس، ووثقت الأونروا أسماء مئات الشهداء.
12 نوفمبر/تشرين الثاني 1956 — رفح
وقعت مجزرة في مخيم رفح خلال عمليات الجيش الإسرائيلي في قطاع غزة، واستشهد أكثر من مئة فلسطيني وفق توثيق الأمم المتحدة.
12 أغسطس/آب 1976 — تل الزعتر
بعد حصار مخيم تل الزعتر الفلسطيني في لبنان، وقعت مجزرة أودت بحياة مئات الفلسطينيين، إضافة إلى شهداء سقطوا خلال فترة الحصار والقتال.
16–18 سبتمبر/أيلول 1982 — صبرا وشاتيلا
دخلت ميليشيات لبنانية مخيمي صبرا وشاتيلا للاجئين الفلسطينيين، واستشهد مئات المدنيين، بينهم نساء وأطفال وشيوخ، خلال عدة أيام.
25 فبراير/شباط 1994 — الحرم الإبراهيمي في الخليل
فتح المستوطن باروخ غولدشتاين النار على المصلين الفلسطينيين داخل المسجد الإبراهيمي، فاستشهد 29 مصلياً وأصاب عشرات آخرين.
أبريل/نيسان 2002 — مخيم جنين
خلال الاجتياح الإسرائيلي للضفة الغربية، دارت معارك عنيفة في مخيم جنين، واستشهد عشرات الفلسطينيين ودُمّرت أجزاء واسعة من المخيم.
8 نوفمبر/تشرين الثاني 2006 — بيت حانون
قُصفت منازل سكنية في بيت حانون، واستشهد 19 فلسطينياً، بينهم نساء وأطفال، في واحدة من أكثر المجازر دموية في قطاع غزة قبل الحروب اللاحقة.
27 ديسمبر/كانون الأول 2008 – 18 يناير/كانون الثاني 2009 — حرب غزة
بدأت عملية عسكرية إسرائيلية واسعة على قطاع غزة، استمرت 22 يوماً، واستشهد خلالها أكثر من 1,300 فلسطيني، بينهم مئات الأطفال والنساء، وفق بيانات أممية.
14–21 نوفمبر/تشرين الثاني 2012 — غزة
خلال عملية عسكرية استمرت ثمانية أيام، استشهد أكثر من 160 فلسطينياً، بينهم أطفال ونساء، وفق بيانات الأمم المتحدة.
7 يوليو/تموز – 26 أغسطس/آب 2014 — حرب غزة
استمرت الحرب 51 يوماً، واستشهد أكثر من 2,200 فلسطيني، بينهم مئات الأطفال والنساء، وفق لجنة التحقيق التابعة للأمم المتحدة.
14 مايو/أيار 2018 — غزة
خلال احتجاجات مسيرات العودة، استشهد عشرات الفلسطينيين برصاص القوات الإسرائيلية، وأصيب آلاف آخرون.
10–21 مايو/أيار 2021 — غزة
شهد القطاع حرباً استمرت 11 يوماً، واستشهد خلالها أكثر من 250 فلسطينياً، بينهم عشرات الأطفال والنساء، وفق بيانات الأمم المتحدة.
5–7 أغسطس/آب 2022 — غزة
خلال عملية عسكرية إسرائيلية استمرت عدة أيام، استشهد عشرات الفلسطينيين، بينهم أطفال.
9–13 مايو/أيار 2023 — غزة
خلال عملية عسكرية جديدة، استُهدفت مواقع ومنازل في القطاع، واستشهد عشرات الفلسطينيين، بينهم نساء وأطفال.
ثم جاء:
7 أكتوبر/تشرين الأول 2023.
لا يبدأ التاريخ هنا.
واختزال تاريخ غزة وفلسطين كله في هذا التاريخ، وكأن ما سبقه كان حياة طبيعية، يعني حذف عقود من النكبة والاحتلال والحصار والتهجير والاستشهاد من الرواية.
السابع من أكتوبر ليس الصفحة الأولى في الكتاب الفلسطيني.
إنه صفحة في كتاب بدأ قبل ذلك بعقود.
وقبل أن يسألوا: «ماذا حدث في السابع من أكتوبر؟»
علينا أن نتذكر أيضاً السؤال الذي ظل الفلسطينيون يطرحونه لعقود:
ماذا حدث لنا قبل السابع من أكتوبر؟
لكن الذروة جاءت بعد السابع من أكتوبر
ثم جاء السابع من أكتوبر 2023، لا ليبدأ تاريخ الدم الفلسطيني، بل ليدخل هذا التاريخ مرحلة غير مسبوقة من حيث حجم الاستشهاد والدمار والتهجير.
في غزة، تحولت الحرب إلى كارثة بشرية هائلة. ووفق أحدث الأرقام التي أوردتها الأمم المتحدة نقلاً عن وزارة الصحة في غزة، تجاوز عدد الفلسطينيين الذين استشهدوا منذ 7 أكتوبر 2023 72 ألفاً، وأصيب أكثر من 171 ألفاً، فيما لا تزال أعداد الشهداء تتغير مع انتشال الجثامين وتدقيق بيانات المفقودين.
ولم يكن الاستشهاد وحده هو المأساة.
نحو 2.1 مليون فلسطيني في غزة ما زالوا يعيشون آثار النزوح المتكرر، فيما تشير الأمم المتحدة إلى أن معظم سكان القطاع ظلوا نازحين، في ظروف تفتقر إلى السكن والخدمات الأساسية. كما تقدر الأمم المتحدة أن أكثر من 60 مليون طن من الركام نتج عن الحرب منذ أكتوبر 2023، ولم تتم إزالة سوى جزء صغير منه.
كان البيت يُهدم، فيُهجّر أهله.
ثم يُهدم الملجأ، فيُهجّرون مرة أخرى.
حتى أصبح النزوح نفسه جزءاً من الحياة اليومية.
وفي الضفة الغربية لم تتوقف المأساة عند حدود غزة.
منذ 7 أكتوبر 2023 وحتى يوليو 2026، وثقت الأمم المتحدة استشهاد 1,109 فلسطينيين في الضفة الغربية، بينهم 243 طفلاً، على يد القوات الإسرائيلية أو المستوطنين.
وتصاعدت هجمات المستوطنين بصورة كبيرة؛ ففي الفترة من يناير/كانون الثاني إلى أغسطس/آب 2026 وحدها وثقت الأمم المتحدة أكثر من 1,600 هجوم للمستوطنين أسفر عن إصابات أو أضرار في الممتلكات، بمعدل يقارب 6.7 هجمات يومياً.
ولم يعد الأمر مجرد اعتداءات متفرقة.
منذ يناير 2023 وحتى أغسطس 2026، تعرضت 130 قرية وتجمعاً فلسطينياً لنزوح كلي أو جزئي بسبب هجمات المستوطنين والقيود المرتبطة بها، بينها 48 تجمعاً أُفرغت بالكامل، فيما تجاوز عدد الفلسطينيين الذين تعرضوا للنزوح في هذا السياق 6,400 شخص، بينهم أكثر من 3,100 طفل.
أما الاعتقال، فتحول بعد 7 أكتوبر إلى حملة واسعة.
بحسب مؤسسة الضمير، تجاوز عدد الاعتقالات الفلسطينية منذ 7 أكتوبر 2023 25 ألف حالة، فيما بلغ عدد الأسرى والمعتقلين الفلسطينيين في سجون الاحتلال نحو 9,350 معتقلاً وأسيراً في بداية سبتمبر 2026، بينهم أكثر من 350 طفلاً و90 أسيرة، و3,176 معتقلاً إدارياً محتجزين دون محاكمة أو تهمة.
ووثق مكتب الأمم المتحدة لحقوق الإنسان وفاة 90 فلسطينياً على الأقل في الاحتجاز الإسرائيلي بين 7 أكتوبر 2023 و31 مارس 2026، بينهم 56 من غزة و31 من الضفة الغربية وثلاثة من فلسطينيي الداخل.
هكذا، إذا كان السابع من أكتوبر هو التاريخ الذي يريد البعض أن يبدأ منه الحكاية، فإن الأرقام نفسها تقول إن الحكاية لم تبدأ هناك.
قبل السابع من أكتوبر كانت هناك مجازر وتهجير واحتلال وحصار واستيطان واعتقالات واستشهاد.
وبعد السابع من أكتوبر اتسعت الدائرة إلى مستوى هائل:
عشرات الآلاف استشهدوا، مئات الآلاف جُرحوا، الملايين شُرّدوا، مدن وأحياء دُمّرت، وآلاف اعتُقلوا، بينما اتسعت في الضفة عمليات الاستيطان وهجمات المستوطنين والتهجير.
لم يكن السابع من أكتوبر بداية المأساة الفلسطينية.
لكنه فتح فصلاً بلغ فيه الاستشهاد والدمار والتهجير والاعتقال والاستيطان واحدة من أكثر مراحل الصراع الفلسطيني دموية واتساعاً.
ولهذا، حين يُقال:
«كان كل شيء طبيعياً في غزة حتى السابع من أكتوبر»،
فالسؤال الذي يجب أن يسبق هذه الجملة هو:
طبيعياً بالنسبة لمن؟
وماذا نسمي 75 عاماً من الاستشهاد والاقتلاع والاحتلال والحصار والاستيطان والاعتقال؟