في خيمة صغيرة نصبت في ساحة مدرسة بمنطقة الصفطاوي، يحاول براء جمال، الطالب في الصف التاسع، أن يستعيد شيئًا من حياته التي توقفت مع الحرب.
يجلس أصيل مع نحو 55 طالبًا داخل الخيمة. بعض زملائه يتقاسمون الطاولة ذاتها، وآخرون يتابعون الدرس من دون مقعد أو طاولة. وبينما يحاول المعلم شرح الدرس، يتسلل الحر والذباب إلى المكان، فيجد الطلاب أنفسهم أمام معركة إضافية للحفاظ على التركيز.
لم يعد الطريق إلى المدرسة في غزة ينتهي عند بوابة أو صف دراسي. بعض الطلاب يصلون إلى خيمة، وبعضهم إلى مركز تعليمي مؤقت، وآخرون يتابعون دروسهم عبر هاتف متصل بالإنترنت إن وجد. وبين هذه المحاولات، تمر سنوات يفترض أن تكون الأهم في تشكيل مستقبلهم.
مدرسة من دون مقاعد
وفي شمال القطاع، عادت العملية التعليمية تدريجيًا في المناطق التي سمح للمدنيين بالعودة إليها، لكن العودة لم تعنِ عودة المدارس إلى صورتها السابقة. فقد أعيد تشغيل عشرات الوحدات التعليمية في أماكن متضررة، بعضها داخل مبانٍ لم تعد قادرة على استيعاب أعداد الطلبة، وبعضها في مساحات مؤقتة.
ويكشف واقع الصفطاوي حجم الفجوة؛ عشرات الطلاب داخل خيمة واحدة، ومقاعد وطاولات لا تكفي للجميع، وبيئة دراسية لا تشبه تلك التي اعتادها الأطفال قبل الحرب.
ومع ذلك، يتمسك الطلاب بالذهاب إلى الدرس. فبعد سنوات من الانقطاع، يبدو مجرد وجود المعلم والكتاب والطلاب في مكان واحد محاولة لاستعادة شيء من الحياة الطبيعية.
المدرسة مكانًا للنزوح
خلال الحرب، تحولت مدارس كثيرة إلى ملاجئ للنازحين الذين تركوا منازلهم بحثًا عن الأمان. ومع استمرار القصف والنزوح، تعرضت مدارس أخرى للقصف أو الدمار.
وتشير بيانات الأمم المتحدة إلى أن 403 مبانٍ مدرسية من أصل 564 في قطاع غزة تعرضت، حتى 25 فبراير/شباط 2025، لضربات مباشرة أو أضرار. ودُمرت 85 مدرسة بالكامل، بينما فقدت 73 مدرسة ما لا يقل عن نصف مبانيها.
وكانت هذه المدارس تخدم قبل الحرب أكثر من 435 ألف طالب ونحو 16 ألف معلم. كما تعرض 62% من مباني المدارس التي كانت تستخدم مراكز لإيواء النازحين لضربات مباشرة خلال الفترة نفسها.
ولم يكن الدمار متساويًا بين المناطق؛ ففي شمال غزة، صنفت مجموعة التعليم الأممية 92.8% من مباني المدارس على أنها تعرضت لضربات مباشرة أو أضرار حتى مارس/آذار 2025، مقابل 91% في محافظة غزة.
وفي أكتوبر/تشرين الأول 2025، خلص مكتب الأمم المتحدة لتنسيق الشؤون الإنسانية إلى أن نحو 92% من مدارس القطاع تحتاج إلى إعادة إعمار كاملة أو إعادة تأهيل كبيرة قبل أن تصبح صالحة للعمل مجددًا.
وبذلك لم يعد استئناف العام الدراسي مجرد قرار بفتح أبواب المدارس؛ فالأبواب نفسها لم تعد موجودة في كثير من الأماكن.
20 ألف طالب لن يعودوا إلى مقاعدهم
خلف أرقام الدمار أرقام أكثر قسوة؛ أطفال لن يعودوا إلى مدارسهم أصلًا.
فحتى يوليو/تموز 2026، وثق المركز الفلسطيني لحقوق الإنسان مقتل نحو 20 ألفًا و51 طالبًا، إلى جانب أكثر من 830 معلمًا وأفرادًا من الطواقم التعليمية، ونحو 194 أكاديميًا ومفكرًا وباحثًا.
وهذه الخسارة لا تعني فقط غياب أسماء من قوائم الطلاب والمعلمين، بل فقدان جزء من جيل كان يفترض أن يكون حاضرًا في الفصول الدراسية، وفي الجامعات والمختبرات والمكتبات، وأن يشكل لاحقًا القوة البشرية التي تحتاج إليها غزة لإعادة بناء ما دمرته الحرب.
وفي وقت مبكر من الحرب، كان خبراء أمميون قد حذروا من حجم الخسارة التي أصابت التعليم؛ فبعد ستة أشهر فقط، تحدثوا عن استشهاد آلاف الطلاب ومئات المعلمين وأكثر من 100 أستاذ جامعي، بالتزامن مع استهداف الجامعات وتدمير مرافقها.
الإصابة التي لا تنتهي عند الجسد
فوفق بيانات منظمة الصحة العالمية ، تجاوز عدد الطلاب الذين تعرضوا لإصابات 22 ألفًا حتى سبتمبر/أيلول 2024، فيما تعرض كثيرون لإصابات خطيرة يمكن أن تترك آثارًا طويلة الأمد، بينها البتر والإعاقة والحروق.
بالنسبة إلى طالب نجا من الحرب لكنه فقد طرفًا، أو أصيب بإعاقة، أو عاش تجربة نزوح متكرر، فإن العودة إلى المدرسة لا تعني ببساطة استئناف الدروس من حيث توقفت.
هناك حياة كاملة تغيرت.
وهناك طفل آخر فقد أحد أفراد أسرته، وآخر فقد منزله، وثالث عاش شهورًا من الخوف والنزوح.
حتى الإنترنت لم يكن آمنًا
عندما تعذر الوصول إلى المدارس، لجأ كثير من الطلاب إلى التعليم الإلكتروني. لكن هذا البديل اصطدم بواقع آخر: انقطاع الكهرباء، ضعف شبكات الاتصال، غياب الأجهزة، وصعوبة الوصول إلى الإنترنت في مناطق النزوح.
وبحسب شهادات أوردها تقرير للمركز الفلسطيني لحقوق الإنسان، اضطر بعض الطلاب إلى المخاطرة بحياتهم من أجل الوصول إلى شبكة الإنترنت ومتابعة دراستهم.
وفي إحدى الحالات، استشهد طالب من الثانوية العامة أثناء محاولته الوصول إلى الإنترنت في مقهى بمدينة خان يونس.
هكذا لم يعد السؤال: هل يستطيع الطالب فتح الدرس الإلكتروني؟ بل أصبح في بعض الأحيان: هل يستطيع الوصول إلى الإنترنت والعودة إلى خيمته حيًا؟
عام دراسي مؤجل.. ومستقبل معلّق
وكان طلبة الثانوية العامة من أكثر الفئات التي دفعت ثمن اضطراب العملية التعليمية.
فالنزوح المتكرر، والظروف الأمنية، وضعف الاتصال بالإنترنت، والصعوبات التقنية، تسببت في تأجيل امتحانات وتعذر تقدم بعض الطلاب إليها في مواعيدها. وبالنسبة إلى طالب الثانوية العامة، لا يمثل تأجيل الامتحان مجرد تغيير في موعد على الورق؛ فقد يعني تأخير الجامعة والعمل وخطط المستقبل.
ووفق شهادات وثقتها (الرسالة ) فإن طلاب فقدوا عامين من تعليمهم، أو لم يتمكنوا من مواصلة الدراسة الإلكترونية بسبب النزوح وانقطاع الإنترنت وصعوبة التواصل مع المعلمين.
وبينما حاول بعض الطلاب العودة إلى المسار التعليمي، وجدوا أنفسهم أمام فجوات دراسية تراكمت عامًا بعد آخر.
الجامعات هدفا
لم تتوقف الخسارة عند المدارس.
فالجامعات في قطاع غزة تعرضت للاستهداف والدمار، وطالت الأضرار المكتبات والمراكز الثقافية والأرشيفات. وهذا النوع من الخسارة يصعب قياسه بعدد الجدران التي يمكن إعادة بنائها؛ لأن بعض ما كان داخل تلك الجدران من كتب ووثائق وسجلات وأبحاث ومواد أرشيفية قد لا يمكن استعادته.
وبذلك خسرت غزة خلال الحرب جزءًا من حاضرها التعليمي، لكنها خسرت أيضًا مواد من ذاكرتها العلمية والثقافية التي كان يفترض أن تنتقل من جيل إلى آخر.
وبعد.ثلاثة سنوات من الحرب فإن
استعادة التعليم في غزة لا تبدو مهمة هندسية لإعادة تشييد مدارس فقط، بل مهمة طويلة لاستعادة جيل كامل إلى مساره.
جيلٌ دخل الحرب طفلًا، وعاش ثلاث سنوات من عمره خارج المدرسة، ثم عاد ليجلس في خيمة مزدحمة، يبحث بين أصوات الطلاب والحر والذباب عن شيء بسيط كان يملكه قبل الحرب: مقعد، وكتاب، ومعلم، ووقت هادئ ليتعلم.
ليبقى السؤال كم سنة يحتاج طفل فقد ثلاث سنوات من تعليمه حتى يستعيد ما فاته؟