☰
✕

قائمة الموقع

علماء آثار فلسطينيون يسابقون الزمن لإنقاذ تراث غزة من تحت الركام

2026-10-03T12:14:00+03:00
الرسالة نت ـ غزة

في ظل الدمار الواسع الذي خلفته الحرب على قطاع غزة، يعمل فريق فلسطيني متخصص على إنقاذ القطع الأثرية وحمايتها من التلف والسرقة، في محاولة للحفاظ على ذاكرة القطاع الممتدة لآلاف السنين.

لا تقتصر تداعيات الحرب الإسرائيلية على غزة على الخسائر البشرية والدمار العمراني، إذ طالت أضرار واسعة المعالم والمواقع التراثية التي تختزن جانبًا مهمًا من تاريخ القطاع وهويته الثقافية.

وبحسب منظمة الأمم المتحدة للتربية والعلم والثقافة "يونسكو"، تضرر ما لا يقل عن 164 موقعًا ثقافيًا في غزة خلال الفترة الممتدة بين أكتوبر/تشرين الأول 2023 ومارس/آذار 2026.

ومن بين المواقع التاريخية التي تعرضت للأضرار المسجد العمري الكبير، وحمام السمرة، وقصر الباشا في البلدة القديمة بمدينة غزة، إلى جانب متحف القرارة الثقافي قرب خان يونس.

وتحت أنقاض المباني المدمرة، لا تزال قطع أثرية ومقتنيات تاريخية مهددة بالضياع، فيما يحاول فريق "حماة التراث" التابع لجمعية مياسم للثقافة والفنون إنقاذ ما يمكن الوصول إليه وتوثيقه وحمايته.

أكثر من 1700 قطعة أثرية جرى إنقاذها

وقالت مساعدة منسق البرنامج شيماء محمد الناطور إن الفريق تمكن منذ بدء عمله من إنقاذ أكثر من 1700 قطعة تاريخية من أربع مجموعات متحفية.

ويجري الفريق عمليات مسح ميداني في مناطق مختلفة من وسط وجنوب القطاع، لرصد الأضرار التي لحقت بالمجموعات المتحفية الخاصة والعامة، وجمع القطع التي يعثر عليها السكان والنازحون بين الركام.

وتبدأ العملية بتلقي بلاغ عن العثور على قطعة أثرية، ثم تسجيل بيانات الموقع وحالة القطعة، قبل توجه الفريق إلى المكان لإنقاذها ونقلها إلى موقع الحفظ المؤقت.

وبعد ذلك تمر القطعة بمراحل تشمل التنظيف والتوثيق والتصوير والأرشفة، مع منحها رقمًا أو رمزًا خاصًا يتيح تتبعها والحفاظ على معلوماتها ومصدرها.

وأكدت الناطور أن الفريق يحرص على عدم إدخال أي قطعة إلى المخزن دون تسجيل بياناتها الأساسية، بما يشمل موقع العثور عليها وتصويرها من أكثر من زاوية وربط الصور بسجل خاص بها.

العمل وسط نقص المعدات

يواجه العاملون في مجال إنقاذ التراث تحديات كبيرة، أبرزها نقص معدات الترميم المتخصصة وصعوبة الوصول إلى المواقع المتضررة، فضلًا عن استمرار النزوح والقيود المفروضة على الحركة.

وتزداد المخاطر في المناطق الواقعة قرب ما يعرف بـ"الخط الأصفر"، حيث يصعب الوصول إلى عدد من المواقع التي توجد فيها قطع أثرية.

وقالت الناطور إن وجود بعض المجموعات خلف الخط الأصفر يجعل الوصول إليها خطرًا على الفريق، مؤكدة أن حماية حياة العاملين تأتي في مقدمة الأولويات.

وفي ظل تضرر أو تدمير نسبة كبيرة من مباني القطاع، يعمل الفريق حاليًا من خيمة مؤقتة في منطقة المواصي جنوب خان يونس، في ظروف لا توفر البيئة المناسبة لحفظ المقتنيات التاريخية على المدى الطويل.

الآثار تواجه خطر الرطوبة والعفن

تتعرض القطع الأثرية، خصوصًا الفخارية والزجاجية، لأضرار إضافية نتيجة الانفجارات وانهيار المباني فوقها، ما يؤدي إلى تشققات وكسور تحتاج إلى معالجة دقيقة.

ويعتمد الفريق على مبدأ "التدخل الأدنى" للحفاظ على القطع، بحيث تقتصر المعالجة في الوقت الراهن على إجراءات إسعافية تمنع تفاقم الضرر، إلى حين توفر ظروف تسمح بعمليات ترميم متخصصة.

لكن ظروف التخزين المؤقت داخل الخيام تزيد من المخاطر، إذ تواجه القطع تقلبات درجات الحرارة والرطوبة، إلى جانب احتمالات تعرضها للعفن والحشرات والقوارض.

كما أن الصناديق الخشبية المستخدمة في الحفظ تحتاج إلى مراقبة مستمرة بسبب تغير الرطوبة والحرارة، في حين يؤدي نقلها المتكرر من مكان إلى آخر إلى زيادة احتمالات تعرض القطع الهشة للصدمات والاهتزازات.

ويستخدم الفريق ما يتوفر لديه من وسائل بسيطة، بينها الهواتف المحمولة لتصوير القطع، وسجلات ورقية احتياطية، وجداول إلكترونية لتوثيق البيانات، إضافة إلى بطاقات تعريفية تحمل أرقامًا فريدة لكل قطعة، ومواد تغليف وصناديق خشبية وفرش ناعمة لإزالة الغبار عن الأسطح الفخارية.

من الإنقاذ الطارئ إلى الترميم المتخصص

يرى فريق "حماة التراث" أن المرحلة المقبلة تتطلب الانتقال من عمليات الإنقاذ العاجلة إلى إنشاء بيئة تخزين أكثر أمانًا واستقرارًا، تسمح بالتحكم في درجات الحرارة والرطوبة والتهوية والإضاءة.

كما يحتاج الفريق إلى مواد تغليف وحفظ متخصصة، وأجهزة لمراقبة الظروف البيئية، إلى جانب تدريب متخصص في الترميم الوقائي وإدارة المجموعات الأثرية في حالات الطوارئ وتقييم الأضرار وإدارة قواعد البيانات.

وقالت الناطور إن الأولوية تتمثل في الانتقال من مرحلة الإنقاذ الطارئ إلى الترميم الاحترافي طويل الأمد، مشيرة إلى الحاجة لمزيد من الخبرات والمعدات التي يصعب توفيرها في ظل ظروف الحرب.

حماية الذاكرة لا تقل أهمية عن إنقاذ القطع

ولا يقتصر عمل الفريق على جمع القطع الأثرية وحفظها، بل يسعى إلى إشراك المجتمع المحلي في حماية التراث الفلسطيني، من خلال أنشطة تستهدف الأطفال والشباب والنساء والنازحين.

وتتضمن هذه الأنشطة ورشًا تعليمية وميدانية تتناول الآثار والحرف التقليدية والتاريخ الشفوي، وتشجع المشاركين على توثيق الروايات المرتبطة بالأماكن والقطع التي تمثل جزءًا من ذاكرة غزة.

وترى الناطور أن عمليات الإنقاذ نفسها تحولت إلى وسيلة لتعزيز الوعي بأهمية التراث، إذ يدرك السكان، وفق تجربتها، أن القطع التاريخية التي تخرج من تحت الركام ليست مجرد مقتنيات قديمة، وإنما جزء من هوية المكان وذاكرته.

وفي قطاع أنهكته الحرب والدمار والنزوح، يحاول علماء الآثار والمتطوعون إنقاذ ما تبقى من تاريخ غزة، في معركة أخرى تجري بعيدًا عن خطوط القتال، لكنها ترتبط بالحفاظ على ذاكرة مدينة وقطاع يمتد تاريخهما لآلاف السنين.

اخبار ذات صلة