قال عضو مجلس وكلاء الكنيسة الأرثوذكسية العربية في غزة إلياس الجلدة، إن عدد الشهداء من أبناء المجتمع المسيحي في قطاع غزة ارتفع إلى نحو 30 شهيدًا، في ظل استمرار الاستهداف الإسرائيلي للمدنيين والمؤسسات الدينية والتعليمية والمجتمعية التابعة للكنائس.
وأوضح الجلدة لـ"الرسالة نت" أن الحصيلة ارتفعت مع استشهاد ماري حافظ أبو داوود وابنتها ميسا أبو داوود، اللتين استشهدتا فجر السبت إثر قصف إسرائيلي استهدف شقة سكنية في عمارة "الأصالة" غرب مدينة غزة، وهما من أبناء المجتمع المسيحي في القطاع. وقد أسفر القصف ذاته عن استشهاد خمسة مواطنين، بينهم أربع نساء، وفق مصادر محلية.
وأشار الجلدة إلى أن قائمة الشهداء المسيحيين خلال الحرب تضم نساءً وأطفالًا وعائلات، من بينها عائلة الصوري التي فقدت عددًا كبيرًا من أبنائها، فيما مُسحت إحدى أسرها كاملة من السجل المدني.
وأكد أن المسيحيين في غزة دفعوا، شأنهم شأن بقية أبناء الشعب الفلسطيني، أثمانًا باهظة خلال الحرب، قائلًا إن "القصف لم يميز بين مسلم ومسيحي، والجميع عاش القتل والنزوح والجوع وفقدان البيوت والأهل".
وأضاف الجلدة أن الخسائر لم تقتصر على الأرواح، مشيرًا إلى أنه "لم يتبق تقريبًا شيء من ممتلكات الكنائس الدينية أو التعليمية أو المجتمعية إلا وتعرض للاستهداف المباشر أو لأضرار واسعة".
وتابع: "لا توجد مؤسسة مسيحية لم تتعرض للاستهداف. فقد دُمّر المركز الثقافي الأرثوذكسي بالكامل، وهو من أكبر المراكز الثقافية في مدينة غزة، كما تعرضت مدرسة العائلة المقدسة للاستهداف، وسقط شهداء داخل مرافقها ومحيطها، وقُصفت مؤسسات وكنائس مسيحية، بينها كنيسة القديس برفيريوس ومرافق أخرى تابعة للكنائس".
وأوضح أن الحي المسيحي في مدينة غزة والمناطق التي تقطنها أعداد كبيرة من العائلات المسيحية تعرضت لدمار واسع، إلى جانب تضرر منازل ومؤسسات اجتماعية وتعليمية تابعة للكنائس.
وأشار إلى أن مقر جمعية الشبان المسيحية ومرافق أخرى تعرضت كذلك للاستهداف أو الأضرار، إضافة إلى مدارس تابعة للكنائس، بينها مدارس الراهبات، في وقت تحولت فيه بعض الكنائس خلال الحرب إلى أماكن لجوء لعائلات مسيحية ومسلمة هربًا من القصف.
وقال الجلدة إن بعض الكنائس ومحيطها شهدت إطلاق نار واستهدافًا مباشرًا خلال مراحل الحرب، مضيفًا أن وجود المدنيين داخل دور العبادة لم يمنع تعرضها للخطر.
وأكد أن المسيحيين في غزة لا ينظرون إلى ما تعرضوا له باعتباره قضية طائفية منفصلة، بل جزءًا من الكارثة العامة التي عاشها الفلسطينيون في القطاع.
وأضاف: "المسيحيون في غزة مثلهم مثل أبناء شعبهم دفعوا الثمن وعاشوا كل الظروف الصعبة. قرارهم كان حاسمًا منذ البداية: إما أن يعيشوا في مناطقهم شمال القطاع أو أن يُدفنوا فيها".
ولفت الجلدة إلى أن غالبية المسيحيين تمسكوا بالبقاء في مدينة غزة وشمال القطاع رغم القصف والحصار وأوامر الإخلاء، معتبرًا أن هذا القرار يعكس تمسكهم بأرضهم ووجودهم التاريخي فيها.
وأشار إلى أن الحرب لم تطل الإنسان والمؤسسات الحديثة فقط، بل استهدفت كذلك جزءًا واسعًا من الذاكرة التاريخية لمدينة غزة، موضحًا أن البلدة القديمة التي يمتد تاريخها لآلاف السنين تعرضت لدمار كبير.
وقال إن معالم أثرية وتاريخية مهمة، من بينها المسجد العمري الكبير وحمام السمرة ومواقع أخرى، تعرضت للتدمير أو الضرر، معتبرًا أن هذه المواقع تمثل إرثًا فلسطينيًا مشتركًا يتجاوز الانتماء الديني.
وأضاف الجلدة: "كنا جميعًا، مسلمين ومسيحيين، نستأنس بوجود بعضنا البعض في المنطقة، وعشنا دائمًا ضمن نسيج اجتماعي واحد، ولم يكن هناك فصل بين معاناة مسلم أو مسيحي خلال هذه الحرب".
ورأى أن سكان شمال قطاع غزة تعرضوا لضغوط هائلة بسبب تمسكهم بالبقاء في مناطقهم، قائلًا إن الاحتلال "اعتبر صمودنا في أرضنا جريمة يعاقب الناس عليها"، على حد تعبيره.
وتابع: "الاستهداف طاول الجميع؛ المنازل والمدارس والكنائس والمساجد والمؤسسات الثقافية والاجتماعية. لم يكن المسيحي منفصلًا عن محيطه، ولم تكن معاناته منفصلة عن معاناة أبناء شعبه".
وأكد أن التضامن بين المسلمين والمسيحيين ظل حاضرًا طوال الحرب، سواء عبر لجوء العائلات إلى الكنائس أو من خلال التكاتف بين سكان الأحياء في مواجهة النزوح والقصف والجوع.
وختم الجلدة حديثه بالقول: "يُسجل لأبناء شعبنا، بغض النظر عن دينهم أو لونهم أو توجهاتهم الفكرية والسياسية والدينية، أنهم صمدوا في وجه هذه الحرب شمال القطاع ولم يغادروه رغم القتل والتنكيل والإبادة والتجويع".
وأضاف: "المسيحيون جزء من هذا الصمود، وهم مصممون على الاستمرار في هذا الموقف. هذه أرضنا ومدينتنا وكنائسنا ومنازلنا وذاكرتنا، ولن تكون كل هذه التضحيات سببًا في اقتلاعنا منها".