٣ أعوام على الإبادة.. غزة تتنفس الحياة ٣ أعوام على الإبادة.. غزة تتنفس الحياة

مليوني نازح يواجهون شتاءً قاسيًا

التنمية: عام على وقف النار وغزة تعيش أقسى مراحلها الإنسانية

الرسالة نت- محمود هنية

قالت المتحدثة باسم وزارة التنمية الاجتماعية في غزة الدكتورة عزيزة الكحلوت، إن القطاع الإنساني في قطاع غزة يعيش، منذ العاشر من أكتوبر/تشرين الأول الماضي، واحدة من أقسى مراحله، مؤكدة أن مرور عام على وقف إطلاق النار لم يحدث انفراجة حقيقية في حياة غالبية المواطنين، ولم ينهِ أزمات الغذاء والإيواء والفقر والنزوح.

وأكدت الكحلوت لـ"الرسالة نت"؛ أن مؤشرات الأزمة الإنسانية ما زالت بالغة الخطورة، وأن الحديث عن تحسن في دخول بعض السلع أو المساعدات لا يعكس حقيقة ما تعيشه الأسر، لأن المعيار الحقيقي، وفق قولها، هو قدرة المواطن على الحصول بشكل منتظم على الغذاء والمياه والدواء والمأوى.

وقالت إن "خط التجويع لم يتراجع كثيرًا"، في ظل استمرار اعتماد غالبية الأسر على المساعدات الإنسانية والتكايا ومراكز توزيع الطعام، وعدم قدرة عشرات آلاف الأسر على توفير احتياجاتها اليومية من السوق بسبب فقدان مصادر الدخل وارتفاع معدلات الفقر والبطالة وتراجع القدرة الشرائية.

وكانت الكحلوت قد قالت في سبتمبر/أيلول إن حجم المساعدات المتدفقة إلى غزة لا يغطي سوى نحو 15% من الاحتياج الفعلي، فيما حذرت وزارة التنمية الاجتماعية لاحقًا من اتساع الفجوة بين احتياجات الأسر والاستجابة الإنسانية، مؤكدة أن وصول المساعدات لا يعني بالضرورة أنها كافية أو منتظمة.

وأضافت الكحلوت أن اعتماد الأسر على "التكية" للحصول على وجبة واحدة أو جزء من احتياجاتها الغذائية بعد عام على وقف إطلاق النار يمثل مؤشرًا بالغ الخطورة، موضحة أن المساعدات يفترض أن تكون أداة طوارئ مؤقتة لا نمط حياة دائمًا لمجتمع كامل.

وقالت: "عندما تبقى الأسرة بعد عام كامل تنتظر وجبة من تكية أو طردًا غذائيًا لتأمين قوت أطفالها، فهذا يعني أننا لم نغادر حالة الطوارئ، وأن المواطن لم يلمس انفراجة إنسانية حقيقية في حياته".

وأشارت إلى أن الأزمة الغذائية ترتبط كذلك بنقص السيولة وارتفاع الأسعار وعدم انتظام الإمدادات، ما يجعل وجود السلع في الأسواق غير كافٍ بحد ذاته، لأن قطاعات واسعة من المواطنين لا تمتلك القدرة المالية على شرائها.

وكانت الكحلوت قد وصفت الوضع خلال يونيو/حزيران بأنه "مجاعة صامتة"، محذرة من الاستنزاف التدريجي لقدرة السكان على الحصول على الغذاء والمياه والخدمات الأساسية.

وحذرت الكحلوت من أن اقتراب فصل الشتاء يفتح بابًا جديدًا لأزمة إنسانية واسعة، في ظل استمرار إقامة أعداد هائلة من النازحين داخل الخيام والمآوي المؤقتة وعدم وجود حلول إيواء حقيقية حتى الآن.

وقالت إن التقديرات المتداولة تشير إلى وجود نحو 200 ألف خيمة يعيش داخلها أو يعتمد عليها عدد ضخم من النازحين، فيما لا يزال قرابة مليون ونصف المليون إنسان يعيشون أوضاع نزوح بدرجات مختلفة، بين الخيام ومراكز الإيواء والمباني المتضررة والمنازل المكتظة.

وأوضحت أن الأزمة لا تتعلق بعدد الخيام فقط، وإنما بمدى صلاحيتها، فجزء كبير من الخيام الموجودة مرّ عليه أكثر من موسم صيف وشتاء وفقد قدرته على مقاومة الرياح والأمطار، في حين لا تمتلك الأسر بدائل آمنة.

وتشير تقارير حديثة إلى أن نحو 60% من خيام النازحين أصبحت مهترئة وغير صالحة، بينما أفادت تقارير أخرى بأن مئات آلاف النازحين ما زالوا يقيمون داخل خيام بدائية أو مراكز إيواء ومبانٍ متضررة، مع نقص حاد في مواد الإيواء والاستعداد للشتاء.

وأضافت الكحلوت أن "الشتاء بالنسبة للنازحين في غزة ليس فصلًا من فصول السنة، وإنما موسم خطر"، موضحة أن كل منخفض جوي يعني احتمالات غرق الخيام، وتلف الفرش والملابس، ودخول المياه إلى أماكن النوم، وانتشار الأمراض التنفسية بين الأطفال وكبار السن.

وقالت إن الأسر التي تعيش في الخيام تواجه أيضًا مشكلة عدم توفر وسائل تدفئة آمنة، إلى جانب انتشار المياه العادمة والنفايات والقوارض والحشرات حول كثير من أماكن النزوح، وهو ما يرفع احتمالات انتشار الأمراض.

ولفتت الكحلوت إلى وجود أزمة أخرى لا تقل خطورة، تتمثل في اضطرار آلاف العائلات إلى العودة للسكن في منازل متضررة وآيلة للسقوط بعدما عجزت عن الاستمرار في الخيام أو العثور على مأوى بديل.

وأضافت أن عائلات بكاملها تعيش اليوم بين جدران متصدعة وأسقف مهددة بالانهيار، في ظل غياب المواد اللازمة للترميم وعدم بدء عمليات إعادة إعمار واسعة، مشيرة إلى أن هذه البيوت تتحول إلى خطر أكبر مع هطول الأمطار وهبوب الرياح.

وتؤكد تقارير إنسانية حديثة أن أعدادًا من الأسر عادت إلى مبانٍ متضررة بشدة بسبب عدم وجود بدائل آمنة، وأن النازحين يعيشون بين الخيام والمباني المدمرة وسط مخاطر متواصلة تتعلق بالمأوى والصحة والسلامة.

وقالت الكحلوت إن العام الذي أعقب وقف إطلاق النار لم يحمل تحولًا جوهريًا في حياة المواطن، مشيرة إلى أن غالبية التدخلات لا تزال تأخذ شكل استجابات طارئة ومحدودة، بدل الانتقال إلى مرحلة التعافي وإعادة بناء المساكن والبنية التحتية وشبكات المياه والصرف الصحي.

وأكدت أن المطلوب قبل حلول الشتاء هو إدخال كميات واسعة من الخيام والشوادر ومواد العزل والفرش والبطانيات والملابس الشتوية، إلى جانب توفير حلول إيواء انتقالية أكثر قدرة على حماية العائلات.

وحذرت من أن الانتظار حتى بدء الأمطار يعني الانتقال مجددًا من مرحلة الاستعداد إلى مرحلة إنقاذ المتضررين، وهو ما حذرت منه وزارة التنمية الاجتماعية أيضًا، مؤكدة ضرورة استبدال المآوي المتهالكة وتأهيل مناطق النزوح قبل بدء العواصف.

وشددت الكحلوت على أن المجتمع الفلسطيني في غزة استنزف معظم قدراته الذاتية خلال السنوات الماضية، وأن الأسر لم تعد تمتلك المدخرات أو الممتلكات التي يمكن أن تساعدها على تجاوز الأزمات المتكررة.

وقالت: "نحن نتحدث عن عائلة فقدت منزلها ومصدر دخلها ومدخراتها، وعاشت سنوات من النزوح، ثم يُطلب منها أن تواجه شتاءً جديدًا داخل خيمة. هذا واقع إنساني في غاية القسوة".

وختمت الكحلوت بالتأكيد أن مرور عام على وقف إطلاق النار يجب أن يدفع المؤسسات الدولية إلى مراجعة مستوى الاستجابة الإنسانية، مضيفة: "المواطن لا يقيس التحسن بعدد الشاحنات، بل بما يصل إلى بيته وأطفاله. وما دام المواطن ينتظر وجبته من التكية، وينام في خيمة مهترئة أو بيت مهدد بالسقوط، فلا يمكن القول إن الأزمة الإنسانية في غزة انتهت أو حتى اقتربت من نهايتها".

بث مباشر