قال عميد الأسرى الفلسطينيين المحررين نائل البرغوثي، إن الأسرى داخل سجون الاحتلال الإسرائيلي يواجهون واحدة من أبشع وأخطر المراحل في تاريخ الحركة الأسيرة، في ظل ما وصفه بتحويل السجون والأسرى إلى مادة للاستعراض السياسي والدعاية الانتخابية، محذرًا من أن حياة آلاف الأسرى وحقوقهم الأساسية أصبحت جزءًا من المنافسة بين أقطاب اليمين الإسرائيلي.
وأكد البرغوثي لـ"الرسالة نت" أن ما يجري خلف أسوار السجون لم يعد مجرد إجراءات عقابية أو تضييقات منفصلة، وإنما بات، وفق تقديره، سياسة يجري توظيفها علنًا في الخطاب السياسي الإسرائيلي، ولا سيما من جانب وزير الأمن القومي إيتمار بن غفير، الذي عمد مرارًا إلى الظهور داخل السجون وتصوير لقاءاته مع أسرى فلسطينيين ونشرها عبر منصات التواصل.
وقال البرغوثي إن "الأسير الفلسطيني أصبح اليوم مستهدفًا مرتين؛ مرة بسياسات السجن والتنكيل والحرمان، ومرة أخرى بتحويل معاناته وكرامته إلى مادة في بازار انتخابي يتنافس فيه المتطرفون على إظهار من يستطيع التنكيل بالأسرى أكثر".
وأضاف أن خطورة هذه المرحلة تكمن في انتقال ملف الأسرى، بحسب تعبيره، من مساحة الصراع القانوني والحقوقي إلى ساحة "الاستعراض أمام الكاميرات"، معتبرًا أن بعض السياسيين الإسرائيليين يسعون إلى استثمار الأسرى لكسب أصوات انتخابية من خلال التشدد في شروط اعتقالهم أو تهديدهم أو تصويرهم داخل زنازينهم.
وأشار البرغوثي إلى الفيديو الذي نشره بن غفير في أواخر سبتمبر/أيلول، وظهر فيه أمام الأسير حسن سلامة وهو يتوعده بالإعدام، لافتًا إلى أن لجنة الانتخابات المركزية الإسرائيلية نفسها أمرت بن غفير بحذف الفيديو وفرضت عليه غرامة مالية بعدما اعتبرته دعاية انتخابية جرى إنتاجها باستخدام أموال عامة. وجاء القرار على خلفية شكوى حقوقية، فيما لم تكن عقوبة اللجنة مرتبطة بمضمون التهديد ذاته وإنما بمخالفة قواعد الدعاية الانتخابية.
ورأى البرغوثي أن هذه الواقعة تكشف، من وجهة نظره، حجم التداخل بين إدارة ملف السجون والحسابات الانتخابية، مضيفًا أن "عندما يصبح اقتحام زنزانة أسير، وتصويره في لحظة يكون فيها مقيدًا وتحت سلطة السجان، مادة انتخابية، فنحن أمام مرحلة بالغة الخطورة لا تستهدف الأسير وحده وإنما مفهوم الحماية القانونية للأسرى بأكمله".
وتابع: "الأسرى ليسوا ديكورًا لحملة انتخابية، ولا يجوز أن تتحول زنازينهم إلى استوديوهات تصوير، ولا أن تصبح معاناتهم منصة لتسجيل النقاط بين الأحزاب الإسرائيلية"، محذرًا من أن استمرار هذه الممارسات قد يفتح الباب أمام مزيد من الإجراءات العقابية كلما اقترب استحقاق انتخابي أو احتدمت المنافسة بين أحزاب اليمين.
وقال البرغوثي إن الخطر الأكبر يتمثل في أن التحريض السياسي لا يبقى، حسب رأيه، عند حدود التصريحات، وإنما يمكن أن ينعكس مباشرة على حياة الأسرى من خلال تشديد ظروف الاعتقال، وتقليص الغذاء، والتضييق في العلاج والرعاية الصحية، والعزل والحرمان من أبسط الاحتياجات الإنسانية.
وكان تقرير أصدرته منظمة "بتسيلم" الإسرائيلية في يناير/كانون الثاني 2026 قد وثق شهادات ومعطيات بشأن ما وصفته بتصاعد العنف الجسدي والنفسي، والظروف غير الإنسانية، والتجويع والحرمان من العلاج بحق معتقلين فلسطينيين. كما أشار تقرير أممي صدر في 2026 إلى تقارير موثوقة بشأن سوء التغذية والاكتظاظ وتردي النظافة والرعاية الطبية داخل مراكز الاحتجاز.
وأكد البرغوثي أن تحويل هذه الظروف إلى أداة للمزايدة السياسية من شأنه، بحسب تقديره، أن يمنح المسؤولين عن السجون دوافع إضافية لتصعيد الإجراءات، قائلاً إن كل سياسي يريد أن يقدم نفسه أمام جمهوره باعتباره "الأكثر تشددًا"، بينما يكون الأسير الفلسطيني هو من يدفع الثمن داخل زنزانة مغلقة.
وأضاف أن ظهور المسؤولين الإسرائيليين داخل السجون وأمام أسرى لا يمتلكون القدرة على الرد أو الدفاع عن أنفسهم "ليس تعبيرًا عن قوة، وإنما استغلال لفارق السلطة المطلق بين السجان والأسير لتحقيق مكاسب سياسية وإعلامية".
ودعا البرغوثي المؤسسات الدولية والحقوقية، وفي مقدمتها اللجنة الدولية للصليب الأحمر والأمم المتحدة، إلى التعامل بجدية مع ما يجري في السجون، وممارسة الضغط لوقف استخدام الأسرى في الدعاية السياسية، وضمان الرقابة المستقلة على ظروف اعتقالهم.
وختم بالقول إن قضية الأسرى ستبقى قضية وطنية وإنسانية تتجاوز الأشخاص والأسماء، مؤكدًا أن "الحركة الأسيرة مرت بمراحل شديدة القسوة، لكنها تواجه اليوم خطرًا مختلفًا حين يصبح التنكيل بالأسير سلعة انتخابية، ويتحول الألم الفلسطيني إلى مادة للمزايدة أمام الجمهور الإسرائيلي".