لم تكن الدقيقة الأولى لمحمد ديرية في ملعب بلدية قونيا الكبرى مجرد عودة لاعب إلى كرة القدم، بل كانت لحظة استعادة لمكان غاب عنه طويلاً. بعد رحلة علاج للتعافي من مرض السرطان أبعدته عن الملاعب، عاد اللاعب الفلسطيني إلى المستطيل الأخضر، وهذه المرة بقميص منتخب بلاده وشارة القيادة على ذراعه.
في قونيا، لم يحتج ديرية إلى تسجيل هدف أو صناعة فرصة كي يخطف المشهد؛ مجرد ظهوره من جديد كان كافياً ليمنح ليلة فلسطين معنى مختلفاً. وبينما كانت الجماهير التركية تحتفي بالمنتخب الفلسطيني وترفع صوره وشعارات التضامن، كان اللاعب يعيش فصلاً شخصياً من الحكاية، بعدما تجاوز مرحلة علاجية صعبة ليعود إلى المكان الذي يعرفه جيداً: الملعب.
عودة بعد غياب طويل
أدرج المدير الفني للمنتخب الفلسطيني الرديف إبراهيم أبو ماضي اسم محمد ديرية ضمن قائمة الفريق التي ضمت 21 لاعباً لمواجهة قونيا سبور في 30 سبتمبر/أيلول، ضمن فعاليات «يوم فلسطين» في المدينة التركية.
لكن وجود اسمه في القائمة لم يكن تفصيلاً عادياً، إذ جاء بعد غياب طويل عن الملاعب ورحلة علاج للتعافي من السرطان، بحسب الاتحاد الفلسطيني لكرة القدم والمصادر التي تابعت عودته.
وعندما دخل ديرية أرض الملعب، لم يستعد فقط قميص المنتخب، بل حمل شارة القيادة، في مشهد وثقه الاتحاد الفلسطيني ووصفه بأنه لحظة عودة اللاعب بعد غياب طويل ورحلة علاج. وهكذا تحولت مشاركته إلى واحدة من أبرز اللحظات الإنسانية في المباراة.
من شباب الخليل إلى رحلة الاحتراف
قصة ديرية الكروية لم تبدأ من قونيا. اللاعب برز مع شباب الخليل، وساهم في تتويج الفريق بلقبَي دوري المحترفين الفلسطيني، قبل أن ينتقل عام 2022 إلى نادي فالمييرا اللاتفي، في خطوة منحته فرصة خوض تجربة احترافية في أوروبا.
وكان انتقاله إلى فالمييرا محطة لافتة في مسيرته، بعدما رأى فيه النادي اللاتفي لاعباً شاباً يمتلك الإمكانات البدنية والفنية اللازمة لخوض تجربة جديدة خارج فلسطين. لكن المسار الذي كان يُفترض أن يتواصل داخل الملاعب انقطع لفترة، قبل أن يعود اللاعب الآن من بوابة المنتخب الفلسطيني الرديف.
لذلك حملت شارة القيادة في قونيا معنى يتجاوز مباراة ودية؛ فهي جاءت للاعب كان قبل فترة يخوض معركة مختلفة تماماً، قبل أن يجد طريقه مجدداً إلى الملعب.
شارة القيادة.. نهاية فصل وبداية آخر
جاءت عودة ديرية في مباراة امتلأت بالرسائل الفلسطينية، لكن المشهد الأكبر بالنسبة إليه كان شخصياً. ففي مدرجات الملعب، رفعت جماهير قونيا صور الرياضيين والصحفيين الذين قتلوا في غزة، بينما انتهت المواجهة رمزياً عند الدقيقة 89:59 برسالة «المباراة تأجلت حتى تتحرر فلسطين».
أما ديرية، فكانت حكايته أكثر هدوءاً وأقرب إلى المستطيل الأخضر: لاعب غاب، عالج، ثم عاد حاملاً شارة فلسطين.
لم تكن ليلة قونيا بالنسبة لمحمد ديرية مجرد مباراة جديدة في مسيرته، بل لحظة يمكن اختصارها في صورة واحدة: لاعب فلسطيني يقف مجدداً في الملعب، وشارة القيادة على ذراعه، بعد أن قطع طريقاً طويلاً للعودة.
وبينما انتهت المباراة بالتعادل 2-2، كانت عودة ديرية هي النتيجة التي لا تحتاج إلى جدول مباريات أو صافرة حكم؛ فالانتصار الحقيقي في تلك الليلة كان أن يعود اللاعب إلى مكانه من جديد.