تدخل الانتخابات التشريعية الفلسطينية المقررة في 28 تشرين الثاني/نوفمبر مرحلة أكثر حساسية، بعدما كشفت الأيام الأخيرة عن نقاشات داخل حركة فتح حول إمكانية تأجيل الاستحقاق، بالتزامن مع دعوة الرئيس محمود عباس إلى حوار وطني برعاية مصرية. وبينما لا يزال الموعد الانتخابي قائمًا رسميًا، فإن طرح التأجيل داخل اللجنة المركزية للحركة يفتح الباب أمام سؤال يتجاوز المبررات الفنية والميدانية: هل يتعلق الأمر فقط بصعوبة إجراء الاقتراع في القدس وقطاع غزة، أم أن حسابات موازين القوى داخل فتح نفسها أصبحت جزءًا أساسيًا من معادلة القرار؟
بحسب تسريبات نشرت مؤخرا فإن اللجنة المركزية لحركة فتح رفعت في اجتماعها الأخير توصية بتأجيل الانتخابات، مع تداول مقترحات بترحيلها إلى العام المقبل. لكن هذه التوصية لم تتحول إلى قرار نهائي، فيما تسعى فتح وأبو مازن إلى دفع لجنة الانتخابات إلى التأجيل بذريعة عقبات تقنية وصعوبة إجراؤها في القدس وغزة، بينما تؤكد لجنة الانتخابات المركزية مرارا جاهزيتها وإجراءاتها العملية.
وبدأت اللجنة في 26 سبتمبر مطلع الأسبوع الجاري استقبال طلبات الترشح، وسجلت ست قوائم في اليوم الأول، في مؤشر على أن المسار الانتخابي لم يتوقف رسميًا حتى الآن.
وتكشف هذه المفارقة عن صراع بين مسارين: مسار مؤسساتي تمضي فيه لجنة الانتخابات وفق الجدول المعلن، ومسار سياسي لا تزال فيه قيادة السلطة تبحث عن صيغة للتعامل مع التعقيدات التي تحيط بالاستحقاق، أبرزها الخوف من الهزيمة
فتح أمام اختبار الانقسام
تبدو المشكلة الأكثر حساسية بالنسبة إلى حركة فتح مرتبطة بالخريطة الداخلية للحركة. فالانتخابات، بخلاف التعيينات أو التوافقات المغلقة، تضع التيارات والشخصيات الفتحاوية أمام اختبار شعبي مباشر، في وقت تواجه فيه الحركة تحدي كبير عبر الإعلان عن تشكيل قوائم وتحالفات تضم شخصيات من داخل فتح وخارجها.
وهنا يصبح التأجيل، إذا حدث، أكثر من مجرد تمديد زمني؛ فقد يوفر للحركة وقتًا إضافيًا لإعادة ترتيب صفوفها، والتفاوض مع التيارات المختلفة، ومحاولة تقليص احتمالات تعدد القوائم الفتحاوية.
ويكمن الخوف الأكبر لفتح في احتمال أن يؤدي انقسام الحركة بين القيادة الرسمية والتيارات المنافسة إلى تفتيت الأصوات، خصوصًا إذا تشكلت في المقابل تحالفات انتخابية أوسع بين قوى فلسطينية مختلفة.
القدس وغزة.. المبرر الفني
السيناريو الأقرب للواقع يقوم تحويل المسألة من قرار سياسي مباشر إلى نتيجة فنية مرتبطة بإمكانية إجراء الاقتراع في القدس وقطاع غزة، وقد يجري تقديم التأجيل باعتباره ناجمًا عن عدم القدرة على ضمان انتخابات متزامنة في كامل الأراضي الفلسطينية.
وتمنح هذه الصيغة قيادة السلطة مساحة سياسية أوسع؛ إذ تستطيع القول إن التأجيل لا يستهدف الانتخابات بحد ذاتها، وإنما يستهدف حماية شموليتها ووحدتها الجغرافية.
غير أن هذه الرواية تواجه تحدي من نوع أخر فلجنة الانتخابات نفسها تواصل التحضير للعملية، وتؤكد قدرتها على أداء مهمتها، كما أن التجربة الأخيرة للانتخابات المحلية في دير البلح قدمت نموذجًا لإمكانية إجراء عملية اقتراع في قطاع غزة رغم الظروف الصعبة. وبالتالي، فإن انتقال النقاش من "هل تستطيع اللجنة إجراء الانتخابات؟" إلى "هل تسمح الظروف السياسية بإجرائها؟" يكشف أن جوهر الأزمة سياسي أكثر منه تقني.
الحوار الوطني.. هروب للأمام
في هذا السياق، تكتسب الدعوة إلى حوار وطني فلسطيني برعاية مصرية أهمية استثنائية، فهي تهدف غالبا لبحث مستقبل الانتخابات خلال الحوار، حيث يسعى عباس إلى التهرب من القرار الفردي بالتأجيل عبر جعل التوافق الوطني مظلة للتأجيل بحيث لا يتحمل مسؤوليتها المباشرة.
وهذا السيناريو يختلف سياسيًا عن تجربة 2021، عندما جرى تأجيل الانتخابات بقرار مباشر من أبو مازن، لذلك فإن توجه قيادة السلطة إلى التأجيل، قد يمنحها وقتًا لإعادة ترتيب المشهد الفتحاوي والتعامل مع التحالفات والقوائم المنافسة، لكنها في المقابل ستواجه كلفة سياسية متزايدة.
وعليه، تبدو المعادلة أمام أبو مازن أكثر تعقيدًا من مجرد الاختيار بين إجراء الانتخابات أو تأجيلها. فإجراؤها قد يفتح الباب أمام إعادة ترتيب موازين القوى داخل فتح والنظام السياسي والذي يتوقع أن يتكبد فيه فريق أبو مازن خسارة فادحة، بينما يؤدي تأجيلها إلى تمديد أزمة الشرعية وإعادة طرح تجربة 2021 بصيغة جديدة.
وفي الحالتين فإن قيادة السلطة أمام مأزق كبير فمن جهة من الصعب على السلطة تحمل نتائج انتخابات حقيقية، ومن جهة أخرى تجد ذات الصعوبة في تحمل الكلفة السياسية لتأجيلها.