مسابقة الرسالة الفئات الهشة مسابقة الرسالة الفئات الهشة

روائح نفاذة فوق بيئة أنهكتها الحرب والتلوث

غزة تتنفس المجهول.. ما الذي يحدث في سمائها؟

الرسالة نت - خاص

لم يكن انفجارًا هو ما أيقظ عائلات في مدينة غزة هذه المرة، بل رائحة غريبة تسللت في ساعات الليل إلى المنازل والخيام ومراكز النزوح، وأجبرت سكانًا على إغلاق ما تبقى من نوافذهم، فيما لم يجد آخرون أصلًا بابًا محكمًا أو جدارًا يحول بينهم وبين الهواء القادم من الخارج.

رائحة نفاذة وصفها بعض السكان بأنها تشبه مياه الصرف الصحي أو الحيوانات النافقة، وقال آخرون إنها أقرب إلى الكبريت والمواد المحترقة. وفي أحياء متباعدة من المدينة بدأت الشهادات تتكرر في الوقت ذاته تقريبًا، من الشجاعية والتفاح والدرج والزيتون والصحابة، وصولًا إلى النصر والشيخ رضوان ومخيم الشاطئ ومناطق شمال القطاع.

وتحدث سكان عن مشاهدة أجسام أو ما وصفوها بـ"الفقاعات" في الجو، فيما أفادت شهادات محلية بأنها أطلقت من مسيّرات إسرائيلية، قبل انتشار الرائحة في نطاق واسع واستمرارها لنحو ساعة ونصف في بعض المناطق.

لكن حتى الآن لا توجد نتيجة تحليل مخبري مستقلة منشورة تحدد طبيعة المادة التي انتشرت في الهواء أو تركيبها الكيميائي، وهو ما يجعل الجزم بمصدر الرائحة أو مكوناتها أو آثارها الصحية المباشرة أمرًا غير ممكن.

غير أن هذه الحادثة جاءت فوق قطاع لا يتنفس هواءً طبيعيًا أصلًا.

فبعد سنوات من القصف والهدم وتراكم الركام وتعطل شبكات الصرف الصحي وانتشار مكبات النفايات داخل التجمعات السكانية، أصبح الهواء الذي يتنفسه سكان غزة محملًا بمصادر متعددة من الملوثات، بعضها مرئي كالغبار والدخان، وبعضها الآخر لا يمكن معرفة مكوناته من دون مختبرات وأجهزة رصد تكاد تكون غائبة عن القطاع.

وهكذا، أعادت الرائحة الغريبة سؤالًا أكبر إلى الواجهة: ماذا يتنفس سكان غزة اليوم؟

لا مكان للهرب منها

تقول أم محمود كحيل، من حي الدرج بمدينة غزة، إن أفراد عائلتها استيقظوا ليلًا على رائحة قوية دخلت إلى المكان الذي يقيمون فيه.

وتصفها بأنها مزيج من رائحة الكبريت والمواد المحترقة ومياه الصرف الصحي، مشيرة إلى أن بعض الأطفال شعروا بالغثيان وضيق في التنفس.

حاولت الأسرة إغلاق النوافذ، لكن الإجراء بدا محدود الجدوى.

وفي آلاف الخيام التي تؤوي العائلات في القطاع، لا يوجد أصلًا حاجز حقيقي أمام الهواء الخارجي؛ قطعة من القماش تفصل السكان عن الرياح والغبار والدخان والروائح المنبعثة من الصرف الصحي والنفايات والركام.

وهو ما يجعل أي حادث بيئي أو انتشار لرائحة أو دخان أكثر تأثيرًا على النازحين، خصوصًا الأطفال وكبار السن والمرضى الذين يعيشون داخل أماكن مكتظة ومفتوحة.

وفي صباح اليوم التالي، زالت الرائحة تقريبًا، لكن السؤال بقي: ما المادة التي مرت فوق المدينة؟ولا يمتلك السكان وحدهم الإجابة.

فغياب القدرة على جمع عينات سريعة وإجراء تحاليل كيميائية متخصصة يجعل توثيق مثل هذه الحوادث وتحديد طبيعتها مهمة بالغة الصعوبة.

لكن حتى من دون معرفة ماهية الرائحة الأخيرة، فإن المؤشرات المتراكمة تظهر أن قطاع غزة يعيش أصلًا داخل أزمة بيئية واسعة تتداخل فيها مصادر التلوث من الأرض والهواء والمياه.

ويقول حسني مهنا، المتحدث باسم بلدية غزة، إن الضرر الهائل الذي أصاب البنية التحتية خلال الحرب حوّل أزمة الصرف الصحي والنفايات إلى واحدة من أبرز التهديدات البيئية والصحية داخل المدينة.

ولفت مهنا خلال حديثه لـ"الرسالة نت"؛ إلى تدمير نحو 220 ألف متر طولي من شبكات الصرف الصحي في مدينة غزة، إلى جانب تدمير أو تضرر ثماني محطات ضخ، قبل أن تتمكن طواقم البلدية من إعادة بعضها إلى العمل بصورة مؤقتة وفي ظل إمكانات محدودة.

ويوضح مهنا أن المشكلة لا تتعلق فقط بالأنابيب المدمرة، إذ تواجه المحطات العاملة نقصًا مستمرًا في الكهرباء والوقود والزيوت والبطاريات وقطع الغيار، بينما تحتاج المضخات إلى تشغيل وصيانة متواصلين لمنع طفح المياه العادمة داخل الأحياء.

ومع تضرر الشبكات وعدم قدرة منظومة الصرف على العمل بطاقتها الطبيعية، تنتشر المياه العادمة في مناطق سكنية وعلى مقربة من أماكن النزوح، وهو ما يؤدي بدوره إلى انتشار الروائح والغازات الناتجة عن تحلل المواد العضوية، ويهيئ بيئة مناسبة للحشرات والقوارض.

ولا تنفصل أزمة الصرف، وفق واقع عمل البلدية، عن ملف النفايات.

فبعد تعذر الوصول إلى مكب جحر الديك الرئيسي شرق مدينة غزة، اضطرت البلدية إلى الاعتماد على مواقع مؤقتة أقرب إلى التجمعات السكانية، وتراكم في موقع سوق فراس المؤقت وحده نحو 370 ألف متر مكعب من النفايات، قبل البدء بنقل أجزاء منها إلى مواقع أخرى.

وبهذا المعنى، فإن أي رائحة مجهولة جديدة لا تصل إلى مدينة ذات بيئة سليمة، وإنما تختلط أصلًا بروائح المكبات والمياه العادمة والحرائق والركام المنتشر على امتداد الأحياء.

61 مليون طن فوق الأرض

أحد أكبر مصادر الخطر البيئي الذي سيبقى حاضرًا لسنوات هو الركام؛ وبحسب تقييمات برنامج الأمم المتحدة للبيئة، خلف الدمار الواسع في قطاع غزة نحو 61 مليون طن من الركام، بعدما تعرضت نسبة كبيرة من المباني والمنشآت للتدمير أو الضرر.

لكن المشكلة لا تكمن في كمية الخرسانة والحجارة وحدها؛ فالركام الناتج عن مبانٍ سكنية وتجارية وصناعية يضم خليطًا معقدًا من الأسمنت والدهانات والبلاستيك والأسلاك والمعادن والمواد العازلة ومخلفات الأثاث والمواد الكيميائية، إضافة إلى مخلفات الحرائق والانفجارات.

وتقدر تقييمات أممية أن جزءًا من هذا الركام قد يكون معرضًا لمخاطر تلوث مرتبطة بمواد مثل الأسبستوس والنفايات الصناعية والمعادن الثقيلة، وهو ما يجعل إزالة الأنقاض دون فرز ومعالجة آمنة مصدرًا إضافيًا للمخاطر.

وعندما تجف هذه المواد وتتعرض للرياح أو حركة المركبات وعمليات التجريف، يمكن أن تتحول أجزاء دقيقة منها إلى غبار ينتقل في الهواء ويصل إلى مناطق مأهولة ومخيمات نزوح مجاورة.

وبذلك، لا يتوقف أثر القصف عند لحظة الانفجار.

فالمبنى الذي تحول إلى ركام يستمر في التفتت، والذرات الدقيقة يمكن أن تعود إلى الهواء في كل مرة تتحرك فيها الرياح أو تجري عملية إزالة أو هدم جديدة.

«هواء من الركام»

ويلفت عالم جودة الهواء الفلسطيني د. محمد الغلاييني إلى أن الأثر البيئي للقصف لا يقل خطورة عن الضرر المرئي الذي تخلفه الانفجارات.

ويشير الغلايني خلال حديثه  مع "الرسالة نت"؛ إلى أن انهيار المباني يحول مواد البناء إلى جسيمات دقيقة يمكنها البقاء عالقة في الجو والانتقال مع حركة الرياح، ما يزيد تعرض السكان للغبار والمهيجات التنفسية.

وأوضح أنه لا يقتصر مصدر تلك الجسيمات على الخرسانة وحدها؛ إذ تتداخل معها مواد البناء والدهانات وبقايا الاحتراق والانفجارات والذخائر، لتنتج خليطًا يصعب تقييم أثره بصورة دقيقة في غياب نظام منتظم لمراقبة جودة الهواء.

وتبدو المشكلة أكبر في مناطق النزوح المكتظة، حيث يتعرض السكان للغبار بصورة مستمرة، بينما يعيش كثيرون داخل خيام أو مبانٍ متضررة لا توفر الحماية من الهواء الخارجي.

وتحدث الغلاييني عن إصابته شخصيًا بالسعال خلال وجوده في غزة، مشيرًا إلى شيوع الأعراض التنفسية خلال فترات القصف في ظل انتشار كميات كثيفة من الغبار والجسيمات المحمولة جوًا.

وبعيدًا عن الركام، تنتج غزة مصدرًا آخر للتلوث كل يوم؛ فمع تعطل منظومة جمع النفايات ومنع الوصول إلى بعض المكبات الرئيسية، ظهرت مواقع مؤقتة وعشوائية داخل مناطق مأهولة وبالقرب من الخيام.

وبحسب بيانات أممية وحقوقية، أدى تعذر الوصول إلى المكبات الرئيسية إلى انتشار أكثر من 140 موقعًا عشوائيًا للتخلص من النفايات بالقرب من التجمعات السكانية، في وقت ينتج فيه القطاع نحو 1400 طن من النفايات يوميًا.

وفي الجانب الصحي، يحذر د. أيمن أبو رحمة، مدير دائرة الطب الوقائي في وزارة الصحة بغزة، من أن تدهور البيئة لم يعد مشكلة منفصلة عن واقع الأمراض المسجلة بين السكان.

ووصف أبو رحمة في تصريح خاص بـ"الرسالة نت"؛ البيئة الصحية في القطاع بأنها وصلت إلى مستويات غير مسبوقة من التدهور، في ظل تراكم النفايات وتعطل الصرف الصحي والاكتظاظ وضعف مقومات النظافة والوقاية.

وكشف أنّ الأمراض الجلدية والأمراض المنقولة عبر المياه باتت تشكل نحو 48% من مجمل الأمراض الملزم تسجيلها لدى وزارة الصحة؛ منها قرابة 25% أمراض مرتبطة بالمياه، بما يشمل الإسهالات الحادة ومتلازمة اليرقان الحاد، ونحو 23% أمراض جلدية.

ويؤكد أبو رحمة أن تراكم النفايات وتدمير شبكات الصرف الصحي وانتشار المياه العادمة يخلق بيئة مثالية لانتقال الأمراض، خصوصًا بين سكان الخيام والمناطق المكتظة.

ويضاف إلى ذلك ضعف المناعة لدى السكان نتيجة سوء التغذية والظروف المعيشية، الأمر الذي يجعل الأطفال وكبار السن وأصحاب الأمراض المزمنة أكثر عرضة للمضاعفات.

ولا تقتصر المخاطر الصحية على الأمراض المنقولة بالماء والحشرات؛ فالتعرض المستمر للدخان والغبار والروائح والمهيجات المختلفة يضيف عبئًا على الجهاز التنفسي في بيئة تسجل أصلًا أعدادًا مرتفعة من الالتهابات التنفسية.

وتزداد خطورة أي تعرض مجهول، وفق الاعتبارات الصحية، عندما لا يكون تركيب المادة معروفًا؛ إذ تختلف الاستجابة الطبية باختلاف طبيعة المادة ومدة التعرض وتركيزها، ما يجعل التحليل البيئي والمخبري ضرورة أساسية قبل تحديد آثار أي حادثة بعينها.

بث مباشر