☰
✕

قائمة الموقع

أطفال التوحد ومتلازمة داون في غزة يعودون إلى نقطة الصفر

2026-09-26T12:06:00+03:00
الرسالة نت - خاص

في خيمة صغيرة وسط قطاع غزة، يحاول محمد، البالغ من العمر 13 عامًا، أن يتعلم من جديد أشياء سبق أن تعلمها قبل سنوات. كلمات كان ينطق بها، ومهارات يومية أتقنها، وقدرة على الاعتماد على نفسه احتاجت أسرته والمتخصصون وقتًا طويلًا لبنائها، عادت اليوم إلى قائمة أهداف التأهيل من جديد.

محمد، وهو طفل من ذوي متلازمة داون، ليس حالة استثنائية. فخلفه مئات الأطفال من ذوي متلازمة داون واضطراب طيف التوحد الذين دفعتهم الحرب إلى الوراء سنوات كاملة، بعدما فقدوا مراكز التأهيل، وروتينهم اليومي، وبيئتهم الآمنة، وأحيانًا منازلهم وأفرادًا من عائلاتهم، لتتحول رحلة طويلة من التقدم البطيء والمتراكم إلى محاولة جديدة لاستعادة ما ضاع.

وبالنسبة إلى هذه الفئات تحديدًا، لا يمثل توقف جلسة تأهيل أو إغلاق مركز متخصص مجرد انقطاع مؤقت يمكن تعويضه بسهولة؛ فالمهارات التي يكتسبها الطفل تحتاج إلى تدريب منتظم وبيئة مستقرة وتكرار مستمر. وحين يختل هذا النظام لأشهر أو سنوات، يمكن أن يفقد الطفل ما احتاج وقتًا طويلًا حتى يتعلمه.

هكذا جعلت الحرب رحلة كثير من أطفال التوحد ومتلازمة داون في غزة تسير في الاتجاه المعاكس: من الاستقلال النسبي إلى الاعتماد من جديد على الأسرة، ومن القدرة على التواصل إلى الصمت أو الصراخ، ومن المدرسة ومراكز التأهيل إلى خيمة لا توفر الحد الأدنى من الهدوء والاستقرار.

قبل الحرب، كان محمد قد قطع شوطًا مهمًا في رحلة طويلة من التأهيل؛ وبحلول سن العاشرة، أصبح أكثر قدرة على الفهم والكلام، واكتسب مهارات تتعلق بالنظافة الشخصية والاعتماد على النفس، وبدأ خطواته الأولى في تعلم القراءة والكتابة.

وساهم التحاقه بجمعية "الحق في الحياة" في تطوير قدراته بصورة أكبر، وأصبح قادرًا على التواصل بصورة أفضل مع محيطه والتعامل مع عدد من احتياجاته اليومية.

تنقلت الأسرة، وفقد محمد روتينه المعتاد والمكان الذي اعتاد التدريب فيه، وانقطعت البرامج التي كان يتلقاها بصورة منتظمة. ومع مرور الوقت بدأت الأسرة تلاحظ تراجعًا في مهارات سبق أن استغرقت سنوات حتى ترسخت لديه.

وأصبحت بعض التفاصيل التي كانت جزءًا طبيعيًا من يومه تحتاج إلى تدريب جديد وتذكير متكرر، فيما وجدت الأسرة نفسها أمام مهمة مزدوجة: حمايته من ظروف الحرب، ومحاولة الحفاظ على ما تبقى من قدراته.

وفي الخيمة التي بات يتلقى فيها التأهيل اليوم، لا يحاول محمد فقط تعلم مهارة جديدة، بل يحاول استعادة جزء من حياته السابقة.

ذوعلى مسافة غير بعيدة، في مخيم النصيرات وسط قطاع غزة، تبدو الحرب بصورة أخرى في حياة الشاب منير الحاج، 19 عامًا، المصاب باضطراب طيف التوحد.

قبل الحرب، كان منير يتلقى تأهيلًا متخصصًا، ويرتاد المدرسة، ويتمتع بقدرات جيدة في التواصل والتعبير عن نفسه، إلى جانب موهبة لافتة في الرسم.

وكان انتظام حياته جزءًا أساسيًا من استقراره؛ المدرسة في موعدها، وجلسات التأهيل في أوقاتها، والأشخاص والأماكن التي يعرفها.

أصوات الغارات والانفجارات، والنزوح، واختفاء الروتين اليومي، وصعوبة الحصول على الأدوية، وضعت منير أمام واقع لم يكن قادرًا على استيعابه بالطريقة ذاتها التي يتعامل بها الآخرون مع الخطر.

عند سماع صوت الغارات، يقبض منير يديه ويتحرك ذهابًا وإيابًا محاولًا عزل نفسه عن الصوت. ومع استمرار الحرب، تطورت حالته إلى نوبات من الصراخ وأعراض شبيهة بالتشنجات.

وزادت الأزمة مع اضطرار والده إلى تقليل جرعة أحد الأدوية التي يحتاجها بسبب نقصها.

يقول والده إن ابنه كان قبل الحرب أكثر قدرة على التواصل والتعبير عما يريد، لكن سنوات الخوف وعدم الاستقرار استنزفت جزءًا كبيرًا من قدراته.

وما يحدث مع منير، وفق المختصين، يعكس واحدة من أعقد المشكلات التي تواجه الأشخاص المصابين بالتوحد خلال الأزمات؛ إذ إن التغيير المفاجئ في الروتين والبيئة، والضوضاء الشديدة، والنزوح المستمر، يمكن أن يضاعف اضطراباتهم السلوكية والنفسية ويقوض نتائج سنوات من التدريب.

وترى ريم جعرور، المختصة في التعامل مع الأطفال المصابين بالتوحد ورئيسة برامج التوحد في جمعية الدلفين للتعليم والتنمية المجتمعية، آثار هذا التراجع بصورة مباشرة خلال عملها مع الأطفال.

وتقول جعرور لـ"الرسالة نت" إنها عملت مع هذه الفئة قبل الحرب وخلالها، وما زالت تشارك في تنفيذ مشاريع لإعادة تأهيل الأطفال، لكن حجم التراجع الذي أصاب قدراتهم كان واسعًا.

وتوضح أن الأشهر الأولى للحرب شهدت توقف معظم البرامج والمشاريع المتخصصة، في ظل النزوح المتكرر للأسر وفقدان المنازل والأقارب وانعدام الأماكن الآمنة التي يمكن تنفيذ جلسات التأهيل داخلها.

ومع طول فترة الانقطاع بدأت النتائج تظهر على الأطفال.

فبعضهم، وفق جعرور، فقد جزءًا من قدرته على النطق، وبعض الأطفال الذين كانوا قد تجاوزوا مشكلات في الكلام عادوا إلى التأتأة، بينما فقد آخرون مهارات مرتبطة بالتواصل والتفاعل وإدارة تفاصيل الحياة اليومية.

والمشكلة، وفق المختصة، أن كثيرًا من هذه المهارات لم تأت بصورة تلقائية، بل كانت حصيلة سنوات من العمل المتواصل بين الطفل والأسرة والمختص.

ولهذا فإن فقدانها لا يعني فقط توقف التطور، وإنما العودة خطوات إلى الوراء والبدء مجددًا من مراحل سبق تجاوزها.

وتلفت جعرور إلى أن برامج التأهيل لهذه الفئات تقوم في جوهرها على الاستمرارية والاستقرار.

فالطفل يحتاج إلى مكان يعرفه، وجدول يومي ثابت، ومدرب يفهم حالته، وأسرة تعرف كيف تتعامل معه، إضافة إلى أدوات وبرامج متخصصة تتناسب مع قدراته.

وتضيف أن قطاع غزة يعاني أصلًا من نقص المختصين وأصحاب الخبرة في التعامل مع الأطفال المصابين باضطراب طيف التوحد، فيما أضافت الحرب أعباء جديدة مع فقدان أماكن التدريب وتوقف المؤسسات أو انتقالها للعمل في ظروف بدائية.

وتشدد على أن التأهيل لا يمكن أن يقع على عاتق المؤسسة وحدها، بل يجب تدريب الأسرة أيضًا على كيفية التعامل مع الطفل ومواصلة الأنشطة داخل البيت أو مكان النزوح.

لكن حتى المنزل، الذي يفترض أن يمثل امتدادًا لعملية التأهيل، لم يعد موجودًا لدى كثير من الأسر، واستُبدل بخيمة مكتظة أو مكان نزوح مشترك لا يوفر الهدوء ولا الخصوصية.

وفي ظل محدودية المراكز القادرة على تقديم الخدمات، تحذر جعرور من مشكلة أخرى بدأت تظهر مع اتساع حاجة العائلات إلى التأهيل.

وتشير إلى وجود جهات ومراكز تطلب مبالغ مالية مرتفعة مقابل تعليم الأطفال أو متابعتهم، بينما تعجز أسر كثيرة عن تحمل تلك التكاليف في ظل ظروف اقتصادية شديدة الصعوبة.

وبذلك، تصبح الخدمة التي يحتاجها الطفل بصورة مستمرة مرتبطة بقدرة الأسرة المالية، في وقت فقد فيه كثير من الأهالي مصادر دخلهم.

ورغم صعوبة المشهد، تقول جعرور إن بعض المؤسسات بدأت تدريجيًا استئناف أنشطتها والبحث عن بدائل للوصول إلى الأطفال.

وترى أن عودة البرامج، حتى بإمكانات محدودة وبعد انقطاع طويل، تمثل محاولة ضرورية لاستدراك جزء من الخسائر التي راكمتها سنوات الحرب.

وتتجسد الأزمة بصورة واضحة في واقع جمعية "الحق في الحياة"، التي تقدم خدماتها حاليًا لأكثر من ألف طفل من ذوي متلازمة داون والتوحد عبر خيام مؤقتة موزعة على ثلاثة مواقع في قطاع غزة.

كانت الجمعية تدير ثلاثة مرافق، ويعمل لديها نحو 200 موظف، وتقدم خدمات متنوعة تشمل التدخل المبكر والتعليم والتأهيل والدعم النفسي، إلى جانب برامج مخصصة لأولياء الأمور.

أما اليوم، فقد اختفت البيئة المجهزة التي كانت تستقبل الأطفال، وحلت الخيام محل القاعات المتخصصة.

وفي ظل شح الأدوات، لجأ العاملون إلى ابتكار وسائل تعليمية بسيطة، بعضها مصنوع من الكرتون والمواد المتاحة، لمحاولة الحفاظ على الحد الأدنى من برامج التدريب.

فالخيمة لا تستطيع عزل الطفل عن صوت الطائرات والانفجارات والحركة المحيطة، ولا تمنحه دائمًا الإحساس بالاستقرار والانتظام الذي يعد جزءًا أساسيًا من العملية التأهيلية.

الطفل يتقدم خطوة

وتقول رؤوفة سلامة، مديرة برامج التأهيل في جمعية الحق في الحياة، إن الصدمات النفسية التي تعرض لها الأطفال خلال الحرب انعكست بصورة مباشرة على قدراتهم الأساسية.

وشملت حالات التراجع، وفق سلامة، مهارات التواصل والنظافة الشخصية والاعتماد على النفس وغيرها من التفاصيل التي تمثل بالنسبة إلى الطفل وأسرته إنجازات كبيرة.

وتوضح  سلامة لـ"الرسالة نت"؛ أن عملية التأهيل تحتاج إلى الاستقرار حتى تراكم نتائجها، لكن أطفال غزة يعيشون في بيئة قد تهدم في لحظة ما تم تحقيقه خلال أسابيع أو أشهر.

فقد يتقدم الطفل في اكتساب مهارة جديدة، ثم تتعرض أسرته لنزوح مفاجئ، أو يشهد قصفًا قريبًا، أو يفقد أحد أقاربه، فيعود إلى حالة من الخوف والاضطراب ويخسر جزءًا من تقدمه.

وبذلك تصبح رحلة التأهيل أشبه بمحاولة متكررة للصعود في طريق ينزلق بالطفل إلى الخلف كلما بدأ يستعيد توازنه.

ولا تقتصر الأزمة على الأطفال المصابين بالتوحد أو متلازمة داون وحدهم، بل تمتد إلى الأطفال والشباب من ذوي الإعاقة عمومًا.

وتشير بيانات حديثة إلى اتساع الفجوة بين حجم الاحتياجات والخدمات المتاحة، إذ أفادت 85% من الأسر التي لديها أطفال من ذوي الإعاقة بأنها لا تحصل على وسائل المساعدة للحركة أو الأدوية أو الرعاية المتخصصة التي تحتاج إليها.

في المقابل، قالت 8% من الأسر إنها تحصل على احتياجاتها، فيما أفادت 7% بأنها تحصل عليها بصورة جزئية.

وكانت الكلفة المرتفعة ونقص الخدمات المتخصصة من أبرز العقبات التي تحول دون حصول هذه الأسر على الدعم المطلوب.

ومع استمرار هذه الفجوة، تتحمل الأسرة الجزء الأكبر من العبء: الرعاية، والتأهيل المنزلي، ومحاولة توفير الأدوية، وحماية الطفل نفسيًا في بيئة تفتقد أصلًا إلى شروط الأمان.

حتى الآن لا توجد إحصائية شاملة ودقيقة تحدد عدد الأطفال المصابين باضطراب طيف التوحد في قطاع غزة، الأمر الذي يصعّب معرفة حجم الاحتياج الحقيقي وتوزيع الخدمات والكوادر والبرامج وفق خريطة واضحة.

وفي ظل النزوح وتغير أماكن إقامة العائلات، تصبح مهمة الوصول إلى الأطفال أنفسهم أكثر تعقيدًا.

وقد يكون طفل يحتاج إلى تدخل متخصص موجودًا في خيمة بعيدة عن أي مركز، بينما لا تعرف المؤسسة أصلًا مكانه أو مستوى التراجع الذي طرأ على حالته.

اخبار ذات صلة